آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

خبايا على الجدران

ظاهرة الكتابة التشويهية نجدها في جميع مرافق المجتمع، فالمدرسة تمتلئ جدرانها بتلك الكتابات، وإذا أجرينا جولة في صفوف المدرسة سنجد الكتابة موجودة على الطاولات والكراسي، وكذلك في المرافق الصحية العامة أو الموجودة أبواب المحطات في الطريق.

وتتنوّع العبارات بين ما يخدش الحياء وعبارات المجون، وبين أرقام الجوالات والشعارات الرياضية والرسوم المختلفة، والسؤال المطروح هو: لماذا تطفو على السطح هذه الظاهرة بقوة، بحيث نجدها منتشرة في جميع المجتمعات؟ ما الذي يدعو الشباب إلى هذه الكتابات؟

علماء التربية يرجعونها في بعض أسبابها إلى الناحية النفسية، فالشاب يحكي معاناته وهمومه وما يواجهه من ضغوط في المنزل أو المدرسة أو البيئة التي يعيش فيها، ولا يوجد من يستمع إليه أو يشكو له، فيبرز تلك الآلام النفسية والضغوط التي يعايشها أو التجارب العاطفية الفاشلة التي مرّ بها على شكل كتابات على الجدران، فهي في نظره وسيلة تعبير يريد من الآخرين التوقف عندها والإحساس بآهات الشباب، فإذا كان من يصاب بمرض نفسي يظهر ذلك على شكل كبت وانفصال عن المجتمع وانزواء عنه، وآخر يهذي بمعاناته مع كل أحد، فهو يظهر هذه المعاناة على شكل كتابات.

والبعض يريد أن يسجّل ذكرى في هذا المكان، فيسجّل تاريخ معين وعبارات ما، فيكتبها ليراها الآخرون، فيشعر بالزهو والافتخار عندما يتحدّث الآخرون عن تلك الكتابات، فهي في الحقيقة لتسجيل حضور في ذلك المكان.

ومن أسباب تفشّي ظاهرة الكتابة على الحيطان هو إبراز المشاعر السلبية تجاه الآخرين، فعندما يغضب الطالب من أحد مدرسيه أو أحد جيرانه أو أصدقائه، فيقوم بالكتابة التي يعبّر فيها عن غيظه، فيترجم هذه المشاعر على شكل عبارات سب وشتم ورسومات مضحكة.

ويكتب بعض الشباب عبارات تخدش الحياء، كتعبير عما في نفسه من نزوات شيطانية، لا يستطيع أن يتحدّث بها أمام الآخرين، فيجد أن الجدران خير مكان يعبّر فيه عن هذه النزوات. الكتابة على الجدران تمثّل تعبيراً من المراهقين عن الظروف التي يحيونها، تعبّر عن الوضع النفسي والعاطفي والاجتماعي، تعبّر عن الوضع الأسري وعلاقتهم بالوالدين، كما غدت هذه الكتابات تمثّل متنفساً لهم عن الضغوط التي تُمارس عليهم، كما تعبّر عن واقع العلاقات الاجتماعية، فهذه الشلة تكتب ما يعبّر عنها وما ينتقص من الشلة الأخرى، كما تحفل الجدران بالشتائم والتسقيط للآخرين، كما أن العنف الأسري - مثلاً - والذي يواجه من خلاله الشاب ضغوطاً واهتزازاً بالثقة بنفسه، ولعدم قدرته على مواجهة هذه الضغوط فهو يجد متنفّساً لها عن طريق هذه الكتابات.

إن دراسة حياة المراهقين وما يواجهونه من مشاكل اجتماعية أو أسرية من كتابة على الجدران، فالعوامل المؤدية بالمراهق لهذه الكتابات إما أن يكون دافعاً غريزياً، إذ الطاقة الموجودة عنده لا يجد متنفساً لها إلا الجدار، أو أن تكون رغبة مكبوتة عنده لا يمكنه أن يظهرها بسبب الخوف من الآخرين، أو اتجاهات وميول انحرافية تعبّر عن الواقع الانحرافي الذي يعيشه من علاقات غير مشروعة أو محادثات في الجوال أو في برامج المحادثات في الإنترنت، وإما بدافع الانتقام من الآخرين، فيظهر على شكل عبارات شتم ورسوم سخرية، أو لإحساسه بالاضطهاد في الأسرة أو المدرسة أو شعور بعدم تقبّله من الآخرين، فيدفعه هذا الشعور للانتقام والتمرد على قيم المجتمع.

تحتاج هذه الظاهرة إلى التحليل ودراسة البيئة الاجتماعية والنفسية المحيطة بهم، ويمكن علاج هذه المشكلة من خلال فتح المراكز الشبابية لقضاء أوقات فراغهم بما يفيدهم وينمّي مهاراتهم فيها، كما يجب على الجهات الاجتماعية والتربوية بدراسة هذه الظاهرة، ووضع خطة عمل لمتابعة تلك الظاهرة بحيث تتظافر فيها الجهود، كما يجب على المشرف التربوي إعداد خطة تهدف إلى توعية الطلاب بهذه الظاهرة.