آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

وهم الانتصار

يعشعش في فكره مبدأ الانتصار وتحقيق الغلبة على من يحاوره أو ينتقده في شيء مما يصدر من سلوكياته، فهو لم يتعوّد أن يخسر أي جولة، وبالتالي فإنه لن يفسح المجال - لخصمه كما يعتقد - أن يسجّل في مرماه أي هدف وهو يقف وقفة المتفرّج المغلوب على أمره.

هكذا يمكننا أن نختصر هذه الفكرة عن أي حوار عنده، وبالتالي فإن كل مباديء الحوار التي يقيم لها العقلاء وزناً، يضرب بها وجه الحائط، إذ كيف له أن يسلّم بخطأ ما أمام أحد، فهذا يعني أن يكون وضع نفسه في مكان منخفض، المكان الأضعف، وهذا ما لا يرتضيه لنفسه، فلا تتعب نفسك معه في أي نقاش، لأنه سيكون هباء منثوراً.

سلوك الإنسان متلازم مع الخطأ والاشتباه، وفي لحظات توتر وانفعال شديد قد يصدر منه موقف مسيء لشريك حياته أو صديق عمره، وإن كنّا نشدد على توقف المرء عن أي تصرّف في لحظات قلقه أو غضبه، إذ سيصدر منه ما يشبه الحمم البركانية والسهام القاتلة، كلمات جارحة لمشاعر الآخر، ولكن لو وقع المحذور فهل من حلّ وعلاج يرأب الصدع، ويعيد إلى علاقتهما أريج ازدهارها أو لا؟

لا شك أن الاعتذار وإبداء التأسّف على ما صدر منه يذيب الجليد، ويفتح صفحة بيضاء بينهما، ولكن ما يمنع أحد الزوجين أو الصديقين عن الاعتذار هو الخوف من تسجيل الآخر عليه نقطة ضعف قد يستخدمها مستقبلاً في استنقاصه وتعييره بها!!!

و لذا تراه متزمّتاً ومتعصّباً لموقفه، لا لأنه يخفى عليه معرفة خطأه، بل ساحة العلاقة والحوار عنده قائمة على الانتصار والهزيمة، وهو غير مستعد للهزيمة.

و لو أتينا بتطبيقات بسيطة في حياته، فعلاقته بزوجته - قطعاً - ستكون حالة التوتر والجفاف العاطفي سمتها، وذلك أنه إذا أخطأ في حق الآخر، فلن يكون له حليف إلا العناد والتعصّب، وهذا ما ينعكس سلباً على علاقتهما.

العلاقات الناجحة قائمة على مبدأ احترام الآخرين كحق لا نقاش فيه، وأن أحد أسباب نجاحنا وتمتّعنا بعلاقات ناجحة هو التحلي بشجاعة الموقف، فالاعتراف بالخطيئة فضيلة، ولن ينسى لك من يحبك من زوج أو صديق هذه المحافظة على مشاعره النبيلة.

العلاقات بين الزوجين أو الأصدقاء ليست ساحة حرب أو حلبة مصارعة؛ ليكون أحد الطرفين غالباً والآخر مغلوب، بل علاقة تحكمها ضوابط الاحترام والعواطف المتبادلة، وهذا ما يجعل المخطيء يعتذر، والآخر يسامح ويتجاوز الموقف، وإذا وجّه له انتقاداً فهو كمرآة تبرز له ما يكره أن يراه الناس، ولتبقى سفينتهما شاقة عباب بحر الحياة.