آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحج الإبراهيمي وأسراره

نداء التوحيد والوحدانية «لبيك اللهم لبيك....» يعلن فيه الحاج عن هويته الفكرية والإيمانية، فلا يوجد في قلبه إكبار أو إجلال إلا لخالقه، فلا تحرّك ولا سكون إلا ويتحرّى فيه رضا الباري، فسعيه له مسار ومنطلق واحد، إنه القرب من الله تعالى، ولا محلّ في قلبه لأهوائه ومشتهياته، فقد أخلى مكانها من قلبه الذي لا يشغله إلا حب الله تعالى، وحب كل طاعة تقرّبه منه.

الانقطاع إلى الله تعالى من المعاني السامية التي يكتسي بحللها الحاج، ففي أجواء متلألئة من الذكر والحركة الإيمانية، قد انشغلت جوارحه بما يقرّبها من الله، وغاب عن فكره وقلبه كل شيء ما عداه تعالى، فالبعض في قلبه آلهة متعددة وهو غير ملتفت لذلك، ففي كل زاوية من قلبه يقبع فيها إنصات واستجابة لإحدى مشتهياته، بل ويجعل الانشغال بطاعة الله من آخر اهتماماته.

و عندما يحرم بلباس الإحرام خالعاً عنه المخيط من الثياب، يتجلّى في قلبه خلع كل زينة فيها رضا نفسه، وينطلق في عالم الرضوان الإلهي، يقدّم إرادة الله على رغباته، فلا استجابة لمآرب النفس الأمارة بالسوء، ففي لحظات غضبه يريد أن يفعل ما يشفي غليله، ويبغي انطلاق لسانه بما يعجّ من كلمات مسيئة ومهينة للآخر، فما الذي يحميه من انفلات أعصابه وعقله عن حالة الاتزان؟

ما يحميه تذكّر أن الله تعالى لا يرضى بذلك، فتبرد أعصابه وتهدأ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللًّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ «الرعد الآية28». لا تنفعل نفسه بفعل أمر وتعزم عليه أو تنزي ترك أمر آخر إلا بعد عرضه على القلب المطمئن بذكر الله، فلا يقبل منها ما يسخط الله، ويترك ما عزم عليه إن لكن فيه لله رضا. وعندما ندبه الشارع المقدّس إلى الغسل - غسل الإحرام -، أراد أن يتذكّر بتطهير بدنه من الأدران والأوساخ، أن يطهّر قلبه وينظّفه من الأفكار السلبية كسوء الظن والحقد والحسد والكراهية، فهدف مهم أن يحافظ المؤمن على نقاوة قلبه وصفائه، إذ القلب السليم لا يصدر منه إلا محبة الآخرين وحب مساعدتهم والتسامح مع أي إساءة تصدر منهم في حقه، وما أجمل العلاقات الإنسانية إذا نُسجت على أسس المحبة والاحترام والتسامح وحب الخير للآخرين.

و تطهير لقلبه من التعلّق بالماديات، فمن كان يرجو المنح الإلهية وما أعدّه تعالى لعباده المؤمنين من نعيم الجنة وشمول الرحمة الواسعة لهم، لن ينصرف قلبه إلى نعيم زائل، وسيرحل عنه حتماً يوماً ما، فحين يستوفي أجله لن ينتقل إلى عالم القبر معه أمواله أو جاهه أو أي شيء شغل باله به، فانصرف عن بناء مستقبله الأخروي.

و هل يمكنه أن يتخلّى عن زينة الدنيا وزخارفها إذا جاءه أمر من الله تعالى بذلك؟ نعم، عندما ينزع ملابسه المخيطة، ويمتنع عن استعمال العطور بأنواعها، ويتحرّز عن كل أنواع الزينة، كل هذا استجابة للأمر الإلهي، وهذا طريق لاستجابته الدائمة لترك كل شيء يبعده عن رضا الله تعالى.

و الحج مدرسة في صنع النفس الإنسانية، فالتعالي على الآخرين والتكبّر عليهم لوجود شيء من نعم الله عليه كالمال أو المستوى العلمي أو الاجتماعي العالي، سبب عند البعض ليترفّع على الآخرين وينظر إليهم باستصغار، في رحلة العشق الإلهي كل العباد سواسية، فالكبير والغني والضعيف بلباس واحد وفي موطن واحد يؤدّون مراسم الحج في وقت واحد، دون تصنيف أو تمايز لبعضهم إلا بالتقوى، تغيب في تلك البقاع المقدّسة الوسوسة الشيطانية التي أخرجته عن الرحمة الإلهية، فلا استكبار أو تعال على أحد، بل كل المسلمين يشكّلون نسيجاً واحداً متكاتفاً ومتآخياً. يشهد موسم الحج صورة مشرقة من عالم الإنسانية، إنه الوحدة بين الجميع دون تمييز، وكمصداق واضح لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ «الحجرات/ 13».

و حين يمتنع الحاج عن التعرّض لحيوانات الحرم وهوامّ جسده من الحشرات بالقتل، فهذا يخلق روحاً تراعي حق الحياة للآخر وإن كان حيواناً، فمن لم يتعرّض للحيوان بأي لون من ألوان الإيذاء، فكيف سيكون تعامله مع أبناء جنسه؟ وإن أجواء المناجاة والدعاء التي يحياها - وخصوصاً - في عرفة، تسمو بنفسه في آفاق المعرفة والقرب من الله، فالدعاء يمثل حاجة شعورية لدى الإنسان، والذي يدرك العلاقة بينه وبين الله، فهو عبارة عن اتصال حال العبد من ضعف واحتياج وفقر، بالكمال المطلق وهو الله عز وجل، ولا يمكن لهذا العبد أن يحيى إلا من خلال إفاضة العطاء عليه، والذي يكون بواسطة ذاك الكمال المطلق، من يفيض على عبده الخير والغنى.