آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

صدى الإنسانية

لأفعال الإنسان الخيّرة أثر طيّب في نفوس الآخرين، إذ تنطلق نفسه لتتحسّس آلام ومتاعب الآخرين، فتبلسم جراحهم وتخفّف عنهم الهموم والأحزان، أفلا تستحق مثل هذه النفوس الإكبار والإجلال لهذه القيم الجميلة التي تعطي للحياة معنى عند من يعجز عن البسمة ويهجره الفرح والسرور، فلا طاقة له على تلبية حاجاته ولا قدرة له على تجاوز العقبات الكؤودة، فيكون الفضل - بعد الله - لهذه القلوب التي تسعد لمساندتها الآخرين.

متى ما تخلّص الإنسان من ربقة التقوقع حول ذاته، انطلقت أنوار الجمال الروحية عنده، فالأنانية ومراعاة مصالحه الذاتية ظلمة في القلب، فلا يبصر من حوله وهم يكابدون الآلام النفسية، ويعجزون عن توفير مستلزمات الحياة الكريمة، كم هو مؤلم ومحزن أن ترى الدموع المتناثرة على الخدين من أب لا يعرف كيف يوفّر لقمة العيش الحلال لأبنائه البائسين.

و هنا يأتي دور أصحاب القلوب البيضاء، والذين يرسمون بريشة المحبة والعطف أجمل صورة للحياة الجميلة، فهم يغيّرون المعالم الكئيبة المرتسمة على وجوه الأحزان، كطبيب ينهي آلاماً مبرحة في جسم المريض، وكم يرتوي القلب الظمآن من معين كلماتهم، فهي تمسح ألم النفس من صعوبة الحياة وقسوة الزمن، وتعيد الأمل إلى النفوس بغد أفضل، فالشعور بوجود من هو حولك ممّن يتألّم لألمك، وتتحرّك نفسه هارعة إلى النجدة والمساعدة، دون أن تكون لها من غاية إلا رسم البسمة على الشفاه، ورفع الهم المثقل للقلوب.

ما أجمل أن نزرع شجرة الحب في القلوب، فالإحساس بالآخرين فن وتربية يتلقّها الفرد من محيطه، ليتحوّل جزء من حياته للاهتمام بمن حوله ويتحسّس آلامهم واحتياجاتهم، ولا تقرّ عينه إلى بمساندة الآخرين، فالثمرة التي يجتنيها المجتمع من نفوس معطاءة أن لا يضيع ذوو الاحتياجات بينهم، ولا تتأزّم حياة من يعاني من مشكلة يشعر فيها وكأن هموم الدنيا قد لحقته.

و ما أجمل أن يضع الفرد منّا بصماته في قلوب الآخرين بما يقدّمه من مواقف لا تُنسى، فيبقى ذكره الطيّب مستقراً في القلوب، ولو كانت تربية أبنائنا قائمة على هذا المبدأ وهو قدرك ومكانتك تعلو بمقدار ما تقدّمه من مساعدة مادية أو معنوية للآخرين.

فالحياة قيمتها لا تنشأ ممّا نملكه بل بما نقدّمه، فقد يمتلك الإنسان الشيء الكثير ولكن لا تمتدّ آثار وجودها في حياته فضلاً عن حياة الآخرين، وقد لا يمتلك الفرد منّا الشيء الكثير ليقدّمه، ولكن يكفي أن يكون له قلب نابض بأحاسيس الحب والعطف، وله لسان يجتهد في تخفيف أعباء الحياة عن الآخرين، فلا نستهين بأثر الكلمة الجميلة، فهي كالرافعة التي تنتشل الفرد من لحظات قارب فيها السقوط في هاوية اليأس والإحساس بالفشل وفقدان الأمل في غد أفضل.

من يعش في وسط حديقة غنّاء ولا يستمتع بصوت الماء الجاري وزقزقة العصافير التي تنشر صوت الحياة حولها، وحفيف الأشجار والأغصان المتمايلة على وقع الرياح، فهو فاقد الحس ومحروم من رؤية أجمل المناظر على وجه البسيطة، وهناك من تكون حديقته الغنّاء بما يشعره بإنسانيته، فتنبع قيمته من إحساسه بألم هذا، ورفع حاجة آخر، هنا منبعث السعادة والراحة عنده، ولا تقلّ فرحته عن فرحة العصافير إذا آوت إلى أوكارها لتغذي أفراخها. فهل نملك أذناً تصغي لصوت الإنسانية المعذّبة والتي تتشكّل بألوان كثيرة؟

حقاً يصبح للحياة معنى بوجود أناس صادقين، يبذلون لك مشاعرهم ويمدّون يد المساعدة، إحساسك بأنهم أقرب الناس إليك نابع من عين التجربة، فترى الفرد يقبل على الحياة بروح العمل والنشاط والأمل، وأصحابه جزء من حيويته وهمّته.