آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أين المثقفون؟

هل تزوّدنا بمجموعة من المعارف والمعلومات من مختلف العلوم والتخصّصات هو هدف بحدّ ذاته نسعى إليه؛ لنحصل على جانب مهم في ت نمية ذواتنا؟

الجانب التنويري في زاد الإنسان المعرفي ما هو إلا آلة وطريق لإدارة حياته، وتقديم خبرات له تساعده على التعامل مع الاستحقاقات والالتزامات في بناء مستقبله وعلاقاته، وما لم تؤدّ هذا الدور فيكون وجود هذه المعارف كعدمها، كحامل المصباح في الظلمة وهو لا يشعله!!! إدارة حياتنا تحتاج إلى مجموعة من المهارات والقدرات المبنية على معارف عالية اكتسبناها، فالجهل الأول الذي قد نقع فيه هو إغفال تنمية ذواتنا بما يضفي الجمال على عقلنا، بما ينبع منه من أفكار ووجهات نظر تصنع لنا حيّزاً في محيطنا الاجتماعي، وكيف يمكن لعاقل أن ينكر أهمية المعارف، ألا يُعدّ ذلك إلغاء لأهم ما يملكه الإنسان؟

إنه الفكر المتنوّر والذي يستطيع من خلاله أن يحلّق الفرد في آفاق صناعة الإنسان الواعي والمدرك لكل ما يدور حوله، ويحجز لنفسه المكانة العالية عند الآخرين، فلا شك أن المعرفة أحد أسرار الجاذبية الاجتماعية والإعجاب بشخصيتك.

و الجهل الآخر والأكبر هو أن يمتلك الفرد المعارف المختلفة ولكنه لا يستطيع أن يوظّفها التوظيف الصحيح في مسار تنمية شخصيته وصنع مستقبل واعد له، وهذا ما يفسّر لنا حالة الجهل الثقافي والمعارف الاجتماعية وطرق حل المشكلات وإدارة الحياة التي يفتقدها الشباب الحاصل على أعلى الدرجات الأكاديمية، فشتّان ما بين ما يحمله من شهادة علمية وما بين ما يحمله من أفكار وسلوكيات.

الممارسات اليومية في جميع مناحي حياتنا الأسرية والاجتماعية والوظيفية هي المحكّ الصادق لما نحمله من ثقافة عالية، نستطيع من خلالها أن نرسم أبعاد النجاح وتحقيق الذات والإنجاز، فالرشد الفردي والمجتمعي يتحقق بما نحمله من معارف ترسم واقعاً تقدمياً. الإبداع الفكري والسلوك الراقي للفرد ينشأ من خلال البيئة الأسرية التي تفسح له المجال في تكوين معالم شخصيته، فإعطاؤه مساحة من الحرية وإباء رأيه والدخول في ساحة المحاورة الفكرية، ينضج فكره، وينتج عنه ممارسات مقبولة ومحبّبة عند الآخرين ومبتنية على فكر سيّال بالآراء المميّزة، فما يقتل الإبداع عند أبنائنا هو أن نفرض عليهم نمطاً من الحياة أو التفكير، مما يصيبهم بالتبلّد والضمور الفكري. كما أن مؤسساتنا التعليمية تقتصر في أسلوب التعليم على المعارف العلمية والأدبية وبأسلوب التلقين، فنظرتنا إلى أسلوب إدارة الحياة ومعرفة مفاتيح النجاح على أنها نوع من الترف الفكري الذي لا محصّلة من معرفته، إن الإعداد الجيد للحياة ومعرفة أساليب إدارتها بشكل جيد من أهم الدروس التي ينبغي أن يتقنها أبناؤنا.

كما أن أسلوب التلقين والتحفيظ يؤدي دوراً محدداً في المعارف، ولكنه لا يصلح كأسلوب تفكير يمكّن الفرد من أداء دوره، فما دام الطالب دوره التلقي ودون أن يبدي أي رأي أو وجهة نظر، فلن تُتاح له الفرصة لتنضيج أفكاره.

تنمية المجتمع تعتمد بشكل كبير على ما يحمله المثقّفون من آراء وسلوكيات ومباديء، تسهم في إحداث التغيير والتطوير المطلوب، فالمثقف الحقيقي لا ينزوي في منزله، ويعيش بعيداً عن هموم أبناء مجتمعه، فيكون كالطبيب الذي انتظره الناس، وما عن فرغ من دراسته جلس في البيت وليس في العيادة، فما هو حجم خيبة أملهم حينئذ؟

و هوية المجتمع يرسمها أولئك المثقفون الذين يحملون هموم مجتمعهم، ولا يلين عزمهم ولا يًصابون بالإحباط جرّاء الواقع السيء الذي نعيشه، فالفساد المستشري والضارب بجذوره كالسرطان، والمشاكل والهموم الاجتماعية التي تعصف بالمجتمع تحتاج إلى همّة المثقف، فيضع بصماته الإيجابية على مقوّمات مجتمعه الحضارية.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
سامي الطلاق
[ القطيف ]: 31 / 10 / 2013م - 11:32 ص
فعلا الشرخ بين الثقافة وتحويلها لنور يضئ الطريق ليست مهمة سهلة اطلاقا ،المهارات الفردية باعتقادي تلعب دورا كبيرا،فمثلا قد تجد دكتور جامعي فاشل بادارة منزله؟مع انه ذوشخصية علمية.مقالات رائعة سيد