آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الصداقة الإلكترونية

ذكرنا أن للأصدقاء تأثيراً كبيراً على شخصية الشاب، فيكتسب قيم الطمأنينة والثقة بالنفس وتفريغ شحنات التوتر والقلق وتبادل العاطفة الصادقة. وما استجد في العلاقات بين الأصدقاء من طريقة إلكترونية، بما يسمى بالصفحات الاجتماعية «الفيس بوك»، أخرج الصداقة عن روحها وعطائها، إذ أصبحت الصداقات الإلكترونية، مورد تبادل علاقات بين الشباب، فيتبادلون التواصل عن طريق البريد الإلكتروني «الإيميل» أو نظام المحادثة «الماسنجر - الشات»، فيتبادلون المعلومات والحوار والنقاش في كثير من الأمور، بل واقتصرت هذه التقنيات المسافات المكانية والزمانية، إذ أصبح العالم قرية كونية واحدة. ولكن هل تقدم مثل هذه الصداقات كل مقومات الصداقة الحقيقة ومقوماتها ومعطياتها، فهل يمكن تبادل العواطف والمشاعر، بحيث يشعر بك الصديق الإلكتروني وبمشاعرك؟ فتشكو له همومك ومشاغلك، أم هو مجرد شغل أوقات الفراغ بالدردشة وتبادل الآراء، إذ لا توجد كامل الثقة بالطرف الآخر، فالصديق الحقيقي قد خبرته وعرفته من خلال المعاشرة والتعايش معه، فعرفت صفاته الفكرية والنفسية والاجتماعية ولاشك أن الصداقة الإلكترونية لها إيجابياتها التي لا تنكر، من سهولة التعارف على عدد كبير من الأصدقاء، كما تكسب الفرد خبرة متنوعة من خلال التعرف على أصدقاء من دول مختلفة، كما أنها تختصر المسافات والأوقات. ومن الإيجابيات للصداقة الإلكترونية هو التبادل الثقافي على مستوى دولي، فيمكن تبادل المعلومات والخبرات من صديق في دولة لم ترها.

يقول الدكتور أنس المالكي «أستاذ الصحة النفسية»: إن الصداقة الإلكترونية أو الافتراضية، مصطلح تم استحداثه حديثاً بعد الطفرة الهائلة التي حدثت في مجال الاتصالات، مشيراً إلى أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تيمية الدردشة عبر الإنترنت والتواصل بين طرفين من خلال لوحة المفاتيح، صداقة رباطها الأخوة والرحمة والمحافظة على الأسرار، ولكن يمكننا أن نسميها تبادل خبرات بين المتواصلين عبر الشبكة العنكبوتية «الإنترنت»، وهو ما ينتج عنه استفادة حقيقة على أصعد كثيرة، منها تنمية المهارات والمواهب، والتعرف على ثقافات الشعوب الأخرى وتنمية اللغة الأجنبية والقراءة وغيرها من الأمور المهمة التي أصبحت ضرورية في عالم اليوم. ويمكن أن نقول أن الصداقة الإلكترونية في الحقيقة ليست بصداقة، بل هي تبادل ثقافي وتبادل في الآراء، إذ أنها تفتقد لمقومات الصداقة الأساسية، وذلك لعدة أمور ومنها: ‌أ - تغيب عن الأطراف المتبادلة للتعارف الإلكتروني الاهتمام المشترك والمتكامل في النظر للأمور بعين ثقافية أو نفسية واجتماعية موحدة، بل ما نراه هو اتفاق في نقطة معينة، وهذا لا يؤسس لصداقة حقيقية. ‌ب - الانقطاع المفاجئ، إذ أن الصداقة الحقيقة إذا وقع فيها خلاف بين الصديقين، فمحبة كل واحد للآخر تدعوه للتسامح والتجاوز والاعتذار، مما يشكل ضمانة لديمومة هذه الصداقة، بخلاف التبادل الإلكتروني والذي يمكن أن تنقطع العلاقة فيه في أي لحظة وبدون سبب يذكر، إذ يكفي حظر هذا الشاب من الدخول مع صديقه على نظام المحادثة، أو تضيع العلاقة بتغيير البريد الإلكتروني «الإيميل». ‌ج - إفشاء الأسرار: فبعد أن يثق الشاب بصديقه الإلكتروني، ويخبره بتفاصيل آماله ورغباته وحياته الأسرية، يجد أن هذه الأسرار التي كان يتوقع أن يكتمها هذا الصديق، وإذا بها منتشرة ومعلومة عند أكثر من شخص. ‌د - اختلاف الاهتمامات: ما يجمع هذا الشاب بآخر عن طريق الإنترنت هو حوار سطحي أو تبادل لمعلومات معينة، ولكن تبقي التوجهات والاهتمامات مختلفة كثيراً، فبينما تجد هذا الشاب يحاول أن يطرح موضوعاً ثقافياً أو علمياً أو اجتماعياً، تجد الطرف الآخر يطرح مسائل غير مهمة أو تظهر سطحية تفكيره ونظرته للأمور وخصوصاً المستقبلية منها. ‌هـ - التوتر العاطفي: في الصداقة الحقيقة يتبادل الصديقان العاطفة الصادقة والمحبة وحب الآخر والاهتمام بشئونه، وإذا حدث جفاء أو لا مبالاة من أحدهما نحو الآخر، فإنه يسبب جرحاً في مشاعره، وخصوصاً إذا كان بدون سبب مبرَّر أو اكتشاف أن الآخر لم يعقد هذه الصداقة إلا لأجل مصالحه الخاصة. وهذا ما يواجهه الشاب في الصداقات الإلكترونية، إذ يفقد هذا الصديق في لحظة، بعد أن تبادل معه مشاعر الاحترام والتقدير، وإذا هو مختف «فص ملح وذاب». والأثر الأسوأ لرفض عروض الصداقة عبر الإنترنت ناجمة من استخدام الناس في معظم الأحيان لأسماء وهمية أو صور غير حقيقة، ما يدفعهم للتصرف بوقاحة مخالفة لطباعهم العادية. ويؤكد الخبراء على أن ألم التعرض للرفض الإلكتروني في تعادل آلام الرفض على أرض الواقع، إن لم تكن تفوقها، وذلك باعتبار أن المجتمعات والمواقع الإلكترونية باتت ظاهرة منتشرة إلى درجة تجعل الجميع يعتقدون بسهولة الانضمام إليها ومصادقة مستخدميها، مما يجعل رفض طلباتهم بمثابة صدمة حقيقة.

إن مثل تلك الصداقات لا يوجد لها معايير تحكمها؛ لأنها تعتمد على أشخاص ذوي شخصيات متباينة، وإذا تطورت هذه الصداقات إلى تبادل للمعلومات الحقيقة وتبادل الصور أو الرسائل المختلفة يمكن أن تستغل للابتزاز، أو على هيئة تشهير، ومن هنا تنشأ المشكلات الكثيرة التي نسمع عنها عن صداقات الإنترنت. كما يجب الأخذ بعين الاعتبار الآثار الاجتماعية السلبية للإدمان على إقامة علاقات الصداقة عبر الإنترنت، ومنها الانطوائية حيث تمثل العلاقات عبر الإنترنت سهولة في العلاقة، فلا يُطلب من الشخص تكاملاً في هذه العلاقة من حيث الاهتمامات والرغبات والمشاعر، فيميل إلى الانعزال وعدم الخروج من البيت والالتقاء بالآخرين، فلا يميل للمشاركة في التجمعات الاجتماعية في مناسبات أفراح أو أحزان، بل ويفقده قيمة مهمة وهي الخبرة المتحصل عليها من تجارب الأصدقاء. كما أن بناء عالم خاص به، ينعزل فيه عن بقية الناس، يجعله شخصاً يعايش الأوهام والآلام، ويفقده الثقة بنفسه والتي تضعف بسبب الصداقات الإلكترونية والتي تنقطع بسرعة، أو تفقده طعم الصداقة الحقيقة من تبادل مشاعر الاحترام والتقدير والمحبة.