آخر تحديث: 16 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحسنان توأمان شعريان متمايزان

قراءة في ديوان الحسنين «تحته كنز لهما»

حسين الخليفة

أ. د. علي زيتون

أستاذ الأدب والنقد - الجامعة اللبنانية

من يقرأ نصّ الحسنين الشعري يجد نفسه فعلاً أمام نصٍّ معريٍّ المنحى كما ألمح إلى ذلك كلُّ من الشاعر محمد علي شمس الدين والعلامة السيد محمد حسن الأمين وأن يكون النص معريّاً في زماننا لا يعني أنه يشكل استعادة لصوت شيخ المعرّة البصير، ولا محاولة لترسّم خطاه التي انتهجها في زمانه. فنص الحسنين نص مفاجئ ونص يمتلك الفرادة بأبهى صورها كما أشار العلامة الأمين وسر التشابه مع أبي العلاء عائد إلى منهج الكتابة الشعرية. كلتا التجربتين زاوجتا بين العقيدة الفكرية في الحياة والشعرية «Poèticité». والمزاوجة دونها مزالق غير مأمونة إذا ما خرجت على إحدى الشرعيتين: شرعية العقيدة وشرعية الشعرية. فالعقيدة بنية فكريّة ثقافية مستقلة تخص العقل، ومنهجها الكتابي الأثير الذي يعبر عنها هو الكتابة النثرية. والشعرية منهج سيميائي لغوي في التعبير قوامه الحيد «Ľécart» المؤسس لمبدأ النفي الإضافي «Principe de négation complémentaire» على حد تعبير جان كوهين في كتابيه المشهورين عن الشعرية. وهذا المنهج التعبيري القائم على الغموض الشعري مختص بقراءة ما يلف المشاعر من غموض وما يحيط بالنفس من عتمات، ولا يعني ذلك طلاقاً قائماً بين العقدية والشعرية، فعدا عن حضور العقيدة المتغيِّض في كل نص شعري، فإنه يمكن لتلك العقيدة أن تكون مرجعاً واقعياً لذلك النص. ويعني ذلك أن اعتماد النص الشعري على العقيدة مادة ومرجعية أمر مشروع لا يسيء لأيّ من هذين الطرفين. لا بل على العكس من ذلك. فعندما يتحول الفكري إلى مادة للمشاعر يعني أننا أمام شخصية ثقافية غير عادية، وأمام نص غير عادي تحتاج دراسته إلى أدوات غير عادية لكي تستطيع استجلاء أبعاده واكتناه ذلك التزاوج الخلاَّق بين العقيدة والشعرية فيه.

وصيحة أبي العلاء المعري:

غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شادِ

صيحةٌ شعرية مرجعيتها فكرة هي «جدوى الحياة» وبقدر ما تثيره هذه الفكرة من أسئلة وجودية فلسفية، فإنها شديدة الارتباط بالشعور الإنساني المشبع بالقلق. ونجد أنفسنا أمام الفكري الذي شكَّل مادة للشعوري الذي يمكّنه من أن يصبح مادة للشعري الذي قام بدوره في هذه الصيحة على أكمل وجه. فالبعد التجسيدي لقضية جدوى الحياة من خلال «نوح الباكي» و«ترنم الشادي» اللذين بديا غير مجديين هو إلباس للمجرد ثياب المحسوس. وهذا حَيَد واضح ونفاذ إلى «معنى المعنى» الذي تحدث عنه الشيخ الجرجاني. ولا تكمن الشعرية في هذا الحيد وذاك النفاذ وحدهما ولكنها تتعداهما إلى مظهر تقريري في قول الشاعر «في ملتي واعتقادي» الذي هو في الحقيقة تركيب إيحائي يقدم دلالة احتمالية فعندما يقول أحدهم «في ملتي واعتقادي» فإنه يلفت الانتباه إلى مباينة كل من ملة الشاعر واعتقاده ملة الآخرين واعتقادهم، ويدخلنا هذا في صلب الحيد الذي يضعنا أمام دلالة احتمالية لهاتين المفردتين يذهب خلالها تصوّر كل منا مذهباً مختلفاً ويصل إلى أبعاد مباينة لغيرها. وحين يقدم لنا البيت الشعري نموذجاً من مقومات اعتقاده هو «غير مجد 000 نوح باك ولا ترنم شاد» تشتد حيرتنا أمام مفردتي الملة والاعتقاد اللتين تزدادان اشتعالاً وتوهجاً وغموضاً في أذهاننا. وهذا منتهى الشعرية التي تصلنا بفرادة النص العلائي في أخفى خصائصه.

والتعرّف إلى شعرية أبي العلاء التي شاركتها شعرية الحسنين في المنهج التعبيري وفي طبيعة المادة المرجعية الذي تناولها ذلك المنهج يسهِّل علينا عملية استكناه شعرية الشاعرين التوأمين ويضع أمامنا الأسئلة التي يجب أن نطرحها ليجيب عنها.

ما طبيعة العالم الذي شكل مرجعاً لنصهما؟ وكيف توضَّع الشاعران في فضاء ذلك النص؟ كيف اتخذت العلامات اللغوية والأخرى السيميائية سبيلاً إلى حمل حملهما الثقيل المضني؟

1ـ نص الحسنين والعالم: التوأمان توأمان وهما أيضاً اثنان. فمع عمق ما يجمع بينهما من أواصر قد تبلغ حدَّ التوحّد إلاّ أن المتتبع لحركة لهاثهما يجد ما يميز أحدهما عن الآخر سواء أتعلق الأمر بالخِلقة أم تعلق بالخُلق الشعري، والعلامات الفارقة بين نصيهما واضحة، ليس على مستوى المرجعية «العالم» الذي شكل مادة النص فحسب، ولكن على مستوى اللغة الشعرية أيضاً. والإحصاء لنصوص كلٍ منهما على حدة يبدي للعيان الفرق. فالخلل المسيطر على حياة الناس بين المظهر الزائف والكنه الإنساني هاجس حسن، والانتظار وما يشتعل فيه من هموم وجودية هاجس حسين.

حسن به شوق إلى الطهر المصفى: «أتوق لنفسي/ في صلب حيدر/ فليت الزمان المرابط في سور أمنيتي/ كان صفراً…/ وكنت المطهر» «ص: 56».

وحسين يحاول دائماً أن يرى بعين الانتظار: «قال الشاعر: إني لأفتحُ عيني حين أفتحها على كثير ولكن لا أرى أحداً/ وقال السائر: إني أغمض عيني/ أتأمل أن أخرج من أيني/ أقرأ في ذاتي/ مطوّيات الآتي/ أقرأ شرط المحو/ ففي محوي المتشكّل/ إثباتي» «ص: 57»

والبحث عن نقاط الاختلاف لا يشكل فرقةً بين الشاعرين؛ لأن النبع الذي يغذي رؤيتيهما إلى العالم واحد. والهاجس المشترك المؤسس على التوأمة لا يحول دون أن يكون لكل منهما تجربة خاصة، ولا عيب في ذلك مع قداسة ما يجمع بينهما. والفطام الشعري لكل منهما عن أمومة الآخر حاصل بالتأكيد. يبدي حسن برمه بمظاهر المدنية الحديثة في غير موضع من المجموعة الشعرية. وهذا البرم ليس ناتجاً عن بدوي ألف حب البداوة وأنس بها، فلما اصطدم بالمدينة الغربية رفضها مزاجُه. فنصُّه الشعري ينبئنا برؤيةٍ مرجعُها موقفٌ ثقافي تعاملت معه شعرية الشاعر بكثير من الدقة والهدوء: "الخطوط السريعة مثل السراب/ الأسرة في الشرتون/ تعاني من العشو ليلاً/ ولا تفهم الفرق ما بين لون ولون/ الأسرة شبه النّسا/ مشتهاك/ ولي أن أشبِّه هذا السرير بهن/ يراودنني/ كم تقد قيمصي الوسادةُ…من قُبُلٍ/ قد أراوغ أو أتراوغ، أو رغوة الروب تطفحُ جذوتها/ثم تنطفئ… ثم أفترُ/ أفتر مثل انطفاء مُحِّرك سيارتي/ فجأة كالمطر/ رعشة وأنين/ ثم صمت حزين، «ص: 23».

أسرّة أُسرةِ الفنادق المسماة بالشيراتون تبدو للوهلة الأولى وكأنها المرجع الواقعي لهذا النص. والحقيقة أنها المرجع الظاهري الذي تلبسته الفكرة المجردة والتي تشكل العمق الحقيقي لمرجعية النص. والفكرة هي ان مظاهر المدنية الغربية نتاج الثقافة الغربية التي ليست سوى إجابات عن الأسئلة التي طرحتها الحياة في الغرب على الغرب نفسه وهي نتاج همومه والتحديات التي تواجهه. والأخذ بهذه المظاهر هو أخذ بالقشرة دون اللباب، خصوصاً وأننا في الشرق لم نتعرف بشكل سليم إلى مشكلاتنا وهمومنا والتحديات التي نواجهها، ولم نضع بعدُ أسئلتنا التي تنتج ثقافتنا، ثم مظاهر المدنية الخاصة بنا. وقوله بأن تلك الأسرة: «تعاني من العشو ليلاً/ ولا تفهم الفرق ما بين لون ولون» قد أخرجها من شيئيتها، وجعلنا نتساءل هل هي تعاني من العشو في ليلنا ولا تفهم الفرق بين لون من ألوان حياتنا وبين لون آخر أم ما مثلته من ثقافة غربية. إننا أمام الفكري المجرد المتجسد بالمحسوس «الأسرة» والمتصل بالشعوري «البرم» الذي أقام الصلة بين الشعري، ومرجعيته الفكرية.

وتخرج الأسّرة عن تلك الشيئية مرة أخرى حين شبهها بالنساء «الأسرة شبه النسا/ مشتهاك/ ولي أن أشبه هذا السرير بهن/ يراودنني/ كم تقد قميصي الوسادة.. من قبل« ويضعنا هذا التشبيه وجهاً لوجه أمام حضورنا الثقافي في أننا تعاملنا مع كل من المشبه والمشبه به. فنحن معرضون لورطة شق القميص ومأزقه مع السرير تماماً كما نحن معرضون لذلك مع المرأة وإن كانت هذه الورطة مخرجة لنا منها عبر اليوسفية البريئة. وإذا كان قميص يوسف الذي قُدَّ من دبر، دليل براءته وانتمائه إلى ثقافته التي أنتجتها تجربته مع الله والحياة والوجود، فإن قميصنا الذي قُدَّ من قبل دليل سقوطنا من ناحية، وغياب الثقافة التي تنتجها تجربتنا مع الله والحياة والوجود من ناحية أخرى. وعالم حسن الذي يُشكّل الطهر فيه هاجساً أساسياً في أثناء التعامل مع مدينة مزيفة غريبة عنا، فإن عالم حسين الذي يشكل فيه الطهر هاجساً أيضاً سيكون مختلفاً عن عالم حسن لجهة التعامل مع هاجس آخر هو هاجس الانتظار الوجودي: »أعلم أني ميّت/ وكلما مشيت في جنازةٍ تخدعني نوازعُ الخلود/ حتى الشيوخ لم تعد تفزعهم/ مراسم الدفن ولا/ مظاهرُ الجحود/ غنايَ في السياقِ مثل فاقتي/ أظن أن شجرة التفاح ما في الجبّة/ ما أوهن الوجود« «ص: 52 عنوانها »وي"».

تقوم مرجعية هذا النص في الظاهر على مفردات عديدة: الجنازة، والشيوخ، ومراسم الدفن…، وهذه المفردات قد شهدت نسختها المعدّلة داخل النص وبفعل النص، ومع هذا التعديل ما كانت لتمثل المرجعيَّة الفعلية له.

ومرجعيَّته الفعلية ممارسة التفكير ومادة هذا التفكير ثنائيتان أساسيتان مرتبطتان بالوجود الإنساني على الأرض، الأولى هي ثنائية «الخلود/ الزوال».، والثانية هي ثنائية «الروح/ الجسد» ولئن وضعتنا هاتان الثنائيتان أمام جوهر الفلسفة الوجودية التي تزج الذات في مواجهة مع الأسئلة الكبرى، فإن ما هو فلسفي غير منكشف عن وجهه المباشر في هذا النص الذي التقط المشاعر القلقة والمرة حيال أسئلة تلك الفلسفة. صرح الشاعر «أعلم اني ميّت» بجملة خبرية لا تتوخى أن تقدم لنا فائدة الخبر، تلك الحقيقة الشديدة الحضور في أذهان جميع بني البشر، ولكنها تتوخَّى أن تقدم لازمه، قلقَ الإنسان السائدَ في مجتمعنا حيال تجربة الموت. ويأتي السطر الثاني «وكلما مشيت في جنازة» ليضعنا أمام المنطق الأرسطي الذي يجعل من السطر الأول مقدمة كبرى ومن نفسه مقدمة صغرى يجعلاننا نتوقع نتيجة قائمة على الخوف. وتأتي النتيجة من خارج حقل توقعنا «تخدعني نوازع الخلود» في إيماءة أولى إلى أن إنسان مجتمعنا ممارس قوي لخداع النفس وفي إيماءة ثانية إلى مرارة الشاعر من هذا الخلل الذي يعطل ما يمكن أن يقوم به استذكار الموت من دور إصلاحي للذات وللمجتمع. كيف لا واستحضار شيفرتين شديدتي التعبير من الثقافة الإسلامية «شجرة التفاح» و«جبة الحلاج» وإقامة علاقة بينهما كفيلان بتشكيل العلامة السيميائية المعبرة عن غلبة الجسد على الروح في صراعهما من ناحية وعن مرارة الشاعر من وصول الإنسان إلى هذه النتيجة. ويعني ذلك أن الفكري قد توصل ليكون مرجعية هذا النص العميقة من خلال وقوعه مادة للشعوري الذي يشكل مادة الشعري الأصيل. ويبقى أن ما تشابه به الشاعران مع ابي العلاء المعري كان منطلقاً إلى فرادة فنية لكل منهما. مادة الفرادة الأولى هاجس النفاذ إلى الإنسان فينا ومادة الفرادة الثانية هاجس القلق على مصير الإنسان.

2ـ لغتـا الشاعرين وحملها الثقيل: يمتد الافتراق بين هاجسي الشاعرين إلى لغتيهما مع مواجهتهما تجارب الحياة عينها تقريباً، وذلك لأسباب تعود إلى خلقة الله التي لا تكرر شخصاً في نسخ متعددة. وأول ما يلاحظ على معجم الشاعرين أن معجم حسن عامر بالكلمات المعرَّبة من مثل «شرتون»: «ص23» و«هاي واي»: ص23» و«سوري»: ص27» و«هلو» و«باي»: ص28» كما هو عامر بالمفردات العاميّة العراقية أو السعودية أو اللبنانية من مثل «محماس»: ص28 و«اكهوه «ص29» و«ماكو» و«الحبك» «ص43» و«كلك» «ص44» و«شو» و«بَدِّيْ» و«إلَّكْ» و«تإلَّك» «ص43»، هذا عدا لجوئه الى كلمات الحياة اليومية مثل فعل «خبزت» وفعل «عجنت» «ص 39»، واستحضاره بعض الشخصيات الشعبية كشخصية ابن أبي المعيط «ص53». ويكاد معجم حسين أن يكون خلواً من مثل هذه المفردات، وهو عائد إلى هاجسيهما. ففي الوقت الذي يبحث فيه حسن عن الأصالة طريقاً للطهر يجهد حسين في تهيئة النفس «تطهيراً» لكي تكون في مستوى الانتظار. ولا يفترق المعجمان من خلال هذه الظاهرة وحدها إذ تمتد خصوصية كل من الشاعرين الرؤيويَّة إلى مفردات النص لتخرجها على سلطة النظام اللغوي السوسيري. تتشظى كلمة «ليل» بين يدي حسن «إن ليلك ليلٌ/ وليل المليلين ليل/ ولا ليلَ لليل غيري» «ص24» فلا تبقى رهينة قاموسها، تأخذ أبعاداً مختلفة مع كل تركيب جديد وتلتف هذه الأبعاد جميعها حول محور الأصالة مصدراً للطهر. وكذلك تفعل كلمة «أدركت» بين يدي حسين «مذ أدركت اللحظة أدركت». فالافتراق بين «أدركت» الأولى و«أدركت» الثانية في الدلالة عائم في فضاء الهواجس الوجودية التي عُلِّقَها حسين في مسيرة انتظاره. وكذلك الأمر حين ألغت رؤية حسين التناقض القائم بين كلمتي «غناي» و«فاقتي» على صعيد نظام المعجم اللغوي في قوله «غناي في السياق مثل فاقتي» «ص52» فالإلغاء مرتبط بتجربة الذات الوجودية مع الحياة. وكما امتدت خصوصية كل من الشاعرين إلى المعجم اللغوي امتدت إلى المجاز، تقوم شعرية حسن على الحنين إلى الطهر الذي يصله بالدوحة السامقة. وهذا ما جعله يشعر بالغربة عما يتصل بالمدينة الحديثة، فـ «الأسَّرة في الشرتون/ تعاني من العشو ليلاً/ ولا تفهم الفرق ما بين لون ولون» «ص23». وإسناد الفعل «تعاني» إلى «الأسَّرة في الشرتون» لا يعطيها هوية فنية جديدة فحسب ولكن يشير إلى خلل في تعاملها مع واقعه أيضاً خصوصاً وأن هذا الفعل قد عُدِّي إلى «العشو» بوساطة حرف الجر. وإذ تكمل هذه التعدية العلامة السيميائية المتشكلة فإنها تحدد مكمن الخلل، عنيت الرؤية التي لا تخص البصر وحده ولكن تتعداه إلى البصيرة. فقد أُسند إليها فعلٌ آخر «لا تفهم» مع تعدي هذا الفعل المنفي إلى «الفرق بين لون ولون». يوصلنا هذا إلى أن المدنية الغربية بمختلف مفرداتها لا تستطيع أن تلبي حاجاتنا الحقيقية. فهي ما تنفك غريبة عنا وما ننفك غرباء عنها. وتأتي الصلاة بسجادتها لتمثل شكل الأصالة المقابلة «والصلاة التي أغارب عنها/ ديرة لا يجوسُها أغراب» وتشبيه الصلاة بالديرة متصل أشدّ الاتصال بهواجس حسن؛ لأن المشبه به «الديرة» علامة تكشف الانتماء الحميم الذي ينقل إلى الصلاة كل تفاصيل انشداد المرء إلى مسقط رأسه سواء أكان على مستوى النفس أم كان على مستوى امارات الوجه المميزة، خصوصاً وأن تلك الديرة «لا يجوسُها أغراب». فهي ذات أصالة محضة، وما ينفك المجاز مرتبطاً بهاجسه ذاك حتى لتنسرب الغربة عن الأصالة إلى داخل نفسه «ألفتتي المنافي/ كتاباً يخالف في متنه نفسه» «ص89» من قصيدة تأليف« فهو كتاب تجل من تجليَّات حياتنا الثقافية بدا منقسماً على ذاته يخالف في متنه نفسه. أما حسين وإن كان الطهر حاضراً بقوة في مجازه إلاّ أنه يقف وراء هاجس ذي صيغة وجودية مغلفة بالانتظار. يراقب الشاعر ما يجري في »قطار الإنتظار«: »وأرى في المقطورة من يتمشى في ممشاها/… ومن يفتح باب المقطورة/ والأرضية ظبي/ والنظرات أسود« «ص25». قدم النص العلاقة بين النظرات «الرغبة» والأرضية «المرغوب» من خلال علاقة «الأسود بالظبي» ولا تجنح بنا هذه العلاقة باتجاه شريعة الغاب بقدر ما تعبر عن نهم الإنسان إلى الإمساك باللحظة العابرة 0 وهذا ما يماهي العلاقة بالمكان مع العلاقة بالزمان في موقف وجودي تطهيري في الآن نفسه فالذي ينتظر هو ما ستكون عليه. إنه مشروع ولادة جديدة قائمة على الطهارة. ولذلك فإن الشاعر يعلن قائلاً: »مذ أدركت اللحظة أدركت/ غسلت لساني من أسئلتي/ من كل اللعق الدائر عن وجهي» «ص32». ما اللحظة التي أدركها؟ ولماذا لم يعدِّ «أدركت» الثانية مع أنها فعل متعدٍّ؟ هل يريد أن يصل إلى الإدراك بالمطلق؟ إن تعدية الفعل «غسلت» تعدية مباشرة إلى «لساني» مرة وتعدية غير مباشرة إلى «أسئلتي» من خلال حرف الجر مرة أخرى إنما تصلنا بأمرين: الأول وجودي المنحى من خلال الولادة المتجليّة بـ «أدركت» الثانية التي أسست لها «أدركت» الأولى، والثاني تطهيري من خلال وظيفة الفعل «غسل» الأساسية، خصوصاً وأن هذا الفعل نفسي بالدرجة الأولى. فالصمت عن الأسئلة يقينية بحتمية إدراك ما ينتظر. كيف لا وهو يغذ النظر إلى المستقبل بدأب أكيد «وهل سمعتِ دبيب النبتِ مرسلة أزهاره في المدى عطر التحيات» «ص73» حين خاطب «حمامة الانتظار» التي لا تخرج عن دائرة نفسه وإذا ما استقام المجاز من خلال اختيار المستعار منه أو المشبه به مع الهاجس الأساسي لكل من الشاعرين مكملاً تجليات خصوصية كل منهما، فإن الرموز والشيفرات الثقافية هي الأخرى لا تخرج عن القاعدة نفسها.

اختار التوأمان عنواناً لمجموعتهما آية قرآنية مستفادة من قصة موسى مع العبد الصالح عليهما السلام «تحته كنز لهما» والآية جاءت في سياق السلوك على طريق المعرفة اختباراً لقدرة السالك على تحمّل الأسرار الناطقة بالخلل الصامتة عن الحقائق الكبرى التي لا تنفتح إلاّ أمام من يطيق صبراً، فوراء تلك المظاهر المومئة إلى خلل غير حقيقي جوهر يستحق الصبر، فهي ذات بعد جزئي يتعلق بتجربة تعمير الحائط فوق كنز اليتيمين الفقيرين. والحائط قشرة رقيقة تفصل المظهر عن الجوهر، فمظهر اليتيمين هو الفقر، وجوهرهما هو الغنى، ونقل هذه الشيفرة الثقافية العرفانية بكل غناها لتكون عنواناً لمجموعة شعرية تخص شقيقين توأمين يتيمين يعني أن أحمالها الدلالية ستقوم بوظيفة تعريفية بالمجموعة الشعرية، تدعو المتلقي ليميز جوهر القول من ظاهره، وليكون صبوراً في تعامله مع ما يتراءى له؛ لأن وراء الخلل غير الحقيقي حقيقة جوهرية يسعى إليها نص هذه المجموعة، والحقيقة الجوهرية هي واحدة في المحصلة لا في سلوك أيّ من الشقيقين إليها. وتوحّد الكنز وجوداً ماديّا ًفي الآية ووجوداً دلاليّاً في النص، لا يعني توحّداً على صعيد علاقة الأخوين به وبما سيؤول إليه مستقبلاً حتى ولو بقي برسم الشراكة، لأن فائدته تخص اثنين لا واحداً وسيوظفه كل منهما بما يلائم خصوصيته ورؤيته وشخصيته ويتصل العنوان بما يلائمه ويجري في سياقه برمز ألواح موسى u خصوصاً وأن من لم يطق صبراً مع العبد الصالح هو موسى نفسه صاحب الألواح المنزلة، والألواح التي أدت رسالة إلهية لا بد من أن تلقي بظلالها على ألواح الأخوين والديوان عبارة عن أربعة ألواح كما ارتأياه فنصهما حافل برسالة متناسبة مع قدرتهما على الصبر في طريق المعرفة. خصوصاً وأن الكنز ما زال مدفوناً على ما يشير العنوان تحت حائط المرحلة الثقافية من حياتهما، ولا بد من أن ينفتح ذات يوم ذلك الكنز فتظهر قيمة تلك الألواح التي سطراها بمائه الشافي النمير. وإذا ما توغلنا في هذا الديوان وجدنا «حسناً» قد وجد في يوسف u طريقه: «الأسَّرة شبه النسا/ مشتهاك/ ولي أن أشبه هذا السرير بهن/ يراودنني/كم تقد قميصي الوسادة… من قُبل» «ص23» فالراوي الذي نقل إلينا السيرة النفسية لبطله من خلال ضمير المتكلم، وبقطع النظر عن علاقته بحسن إنما يُمثل المرفوض من قبل حسن، لأن الحضارة التي تراود قدَّت القميص من قُبُلٍ بعكس يوسف الذي قُدَّ قميصه من دُبرٍ. والرمز اليوسفي الذي حُمِّل في هذا النص تجربة حسن لم يبق منه سوى حصانة النفس الأمّارة بقطع النظر عن قوة تلك الحصانة وصمودها أو ضعفها وانهيارها أمام بهارج المدنيَّة الغربية. واختيار يوسف معبراً عن الاعتصام بالطهارة عند حسن قابله اختيار يونس وتجربته الوجودية المؤدية إلى الطهارة أيضاً عند حسين الذي خاطب «حمامة الانتظار» قائلاً: «لا يأخذ البحر قلباً غير منقطع عن الهوى هل سألت يونسي الآتي» فالعشق بقدر ما يجر صاحبه إلى سلوك الطريق الصعب المؤدي إلى العرفان، فإنه يعصم ذلك الصاحب من أن يكون لقمة سائغة لبحر الحياة ولججه كيف لا وهو يستحضر تجربة نبي الله يونس u لتكون معبّرة عن تجربته إذ لا وصول إلى الطهارة إلاّ بعد المرور ليس على الطريق الصعب، ولكن على طريق الابتلاء الذي يجب أن يَتحمَّله السالك بوصفه شرطاً للوصول خصوصاً وأن «حسيناً» قد قرَّر ما ستكون عليه صورته المستقبلية «يونسي الآتي» تلك الصورة المنتظرة من قبل ذاته المختارة، فالوجودية العرفانية هي التي حددت له «يونسu» رمزاً جيداً للتعبير عن تجربته.

ولئن تقاطعت طريقتا الحسنين في مواضع عديدة تقاطعت معها شيفراتهما الثقافية، فالحج عند حسن "ألأنك حين تحج/ تطوف طواف النساء/ وحين تحب تطوف طواف الرجال/ نفتك الجماعة عن صمتها/ فسكنت السؤال..؟؟» «ص63» بما يعنيه نصه من إشراق للحقيقة داخل النفس متلاق مع هوى «رابعة» عند حسين: «كان هوى رابعةٍ سنَّةً/ ومثلُه أجدرُ بالإتِّباع/ قد أسمعُ الحديثَ من قلبِها/ يغني فؤادي عن طلاب السماعْ» «ص38»

فإن العلاقة هنا علاقة العشق لا المنطق، والحقيقة عيانية لا عقلية مجردة. وتتلاقى شيفراتهما حول التقليد والاجتهاد في الشريعة الإسلامية يقول حسن: «ما لي أغالبُ عشقي وهو يفضحني/ مقلداً أَدَّعِيهِ وهو مجتهدُ/ فتواه أن جنوباً كلُّ تربته/ سجادةٌ وصلاة دونها فندُ».

واستخدام الاجتهاد شيفرة دينية للتعبير عند تجربة هذا الأخ متناسب إلى حد بعيد مع استخدام رفض الطقوسية من قبل الأخ الآخر حسين: «لا تتصل فالاتصال مفرقٌ/ وإذا نطقت فما نطقتَ فريقُ/ قدر الطقوسيين أعورُ خلقةً/ ولدى التقاةِ مُزجّجٌ مخلوقُ».

وتقاطع الشيفرات لا يعني تطابقاً بين الطريقين، يفيد حسن من شيفرة الصعلكة الاجتماعية للتعبير عن اهتماماته الطهرية، والصعلكة حركة اجتماعية تمارس خلع المجتمع بقدر ما يمارس المجتمع خلع أفرادها. وعملية الخلع المتبادلة قائمة على التضاد بين سلمين قيميَّين: سُلّم المجتمع بأعرافه وتقاليده وقوانينه وسلَّم الفرد الخارج على القناعة بتلك الأعراف والتقاليد والقوانين0 وإذا اتخذت الصعلكة الجاهلية وجهة العودة إلى عفويَّة الطبيعة وبراءتها بما يقر بها من حياة وحوش البرية، اتخذت الصعلكة بعد الإسلام وجهة الرفض العنيف لسلوك الحاكم المجافي لدين الفطرة. وتندرج صعلكة حسن في سياق الصعلكة الثانية سواء أتعلق الأمر بالعزوف عن بهرج المدينة الغربية الحديثة:

«ولم أكن بالكبتشينو أبلّ فما/ حتى يسكِّت بطني الكيك والكعك/ ما زال يفتح ريقي كيمر دسم/ والشاي عطرهُ النعناع والحبك» «ص43» أم تعلق بمعاداة الحاكم الخارج على فطرة الدين والإنسان: «أبشركم بالشنفريَّة نزعة/ ودون احتمال النفس سِيدٌ عَمَلَّسُ/ تعال معي كسِّر حدودك مشرقاً/ لك الشمس لا أعشى رؤاك المغلّسُ/ فهل حرستنا دولة داحسيَّةٌ/ بما أغبرت والغابر المتدَحِّسُ 0» «ص 75» وفي الحالين يبحث الشاعر عن ذاته المصفّاة القادرة على القيام بالواجب الملقى على عاتقها بوصفها ذاتاً مسؤولة أمام الله وأمام المجتمع الإنساني….

ويأتي الانتظار عند شقيقه حسين ليشكل مجمل فلسفته الحياتية. والانتظار سلوك مؤسس على الإيمان بالحجة المنتظر القائد الذي تقوم قيادته على القداسة التي لا تخلص الوجود البشري على الأرض من جرثومة الظلم فحسب، ولكنها تخلص الذات البشرية من كل شوائبها. وإن لم تكن جميع قصائد الانتظار متصلة بهذه الشيفرة الثقافية بشكل مباشر إلاّ أنها تتصل بها من ألف طريق؛ لأنها محاولة لإيجاد إنسان الانتظار الذي يؤسس لدولة العدالة ويمهد لنجاحها. و«حمامة الانتظار» في ديوان الحسنين لا تفيد من هذه الشيفرة الثقافية العقدية فحسب، ولكنها تزاوجها مع شيفرات ثقافية مختلفة منها شيفرة الألم النفسي الوجداني الذي أصاب أبا فراس في أثناء أسره خصوصاً عندما ناحت بقربه تلك الحمامة الشهيرة. يقول حسين:

«حمامتي لا تطيري بُعْدَ مأساتي/ وخلّي نوح شجاك وسع إنصاتي/… حمامتي انتظريني إن خاطرتي/ رغم النوازل أطيافُ السماوات/ وحلقي في غماماتي ومزرعتي/ لا زلت ظلَّ غدوي من غماماتي…/ لا بد أن أبلغ الفردوس من ثقة/ عليا وأن أقتل الوسواس في ذاتي »0 إننا أمام حمامة جديدة - وما حمامة أبي فراس إلا حمامة الأسى الدالة من خلال الضدية على عمق مأساة الأسر. وعلى ذلك الوجدان العامر بالكآبة. أما حمامة حسين الجديدة فهي حمامة الموقف الوجودي المتطلع إلى اجتياز المقامات مقاماً مقاماً، وهي علامة متفائلة تتسع لنزعة حسين العرفانية تماماً كما اتسعت الحمامة الأخرى لشعور الاكتئاب الممض الذي نال أبا فراس، وإذا ما حملت حمامة أبي فراس علامة الحرية في وجودها على الشجرة، فإن حمامة حسين قد حملت معها كل معاني الانتظار المرتكزة على تطهير الذات لتكون قادرة على الوصول إلى ما أراد لها صاحبها، ولتكون بطبيعتها المفترضة ممهّدة من ممهدات ما ينتظر.

ويبقى أن إصدار نتاج التوأمين الشعري في مجموعة واحدة عمل لافت للانتباه مع أنهما لم يشتركا إلاّ في كتابة نصين من نصوص المجموعة، النص الأول «مرور» «ص 52» مؤلف من بيتين، والثاني «الجدار» «ص117» مؤلف من ثمانية أبيات. والنصان وإن اتصف كل واحد منهما بوحدة النسيج إلا أنهما لا يكفيان لتشكيل ظاهرة شعرية تستدعي الوقوف عندها، خصوصاً وأن تتبع نتاج كل أخٍ على حدة يبين بما لا يقبل الشك أننا أمام شخصيتين شعريتين لا أمام شخصية واحدة، إلاّ إذا أظهرت دراسة ما أن وراء مظاهر الاختلاف وحدة مستترة. ما وجدته نصان توأمان يعودان إلى أم ثقافية واحدة وأب فكري واحد. وهما مع كل ذلك متمايزان وبشكل واضح.