آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

لماذا عاشوراء؟

تتّجه رحلة التحليل والتفسير والدراسة المعمّقة للثورات والأحداث الجسام والمنعطفات التاريخية الكبرى في الأمة باتجاه التدقيق والتمحيص في مفاصلها وتحليل عناصرها وأحداثها، لإعطاء صورة واضحة عن مسير الأمور فيها، ولماذا اتّجه كل طرف أو تحزّب بهذا الاتجاه أو ذاك.

و هذا البحث في القضايا التاريخية له نتائج مثمرة في مسيرة الإنسانية، وذلك أن من الخطأ تصوّر انفصالنا عن الماضي التليد تماماً، بل قراءتنا التاريخية النابعة من القرآن الكريم تنبيء عن ارتباط حاضر الإنسان ومستقبله بما استفاده من دروس وعبر من تاريخ الأمم السابقة، فالسلوكيات والتصرّفات لا تختلف في أساسها من أمة إلى أخرى مع اختلاف الأشخاص، ولكنها السنن التاريخية التي تشير إلى تكرار المواقف مع اختلاف الأفراد والفترات الزمنية.

و لا يخفى أهمية الرجوع إلى أدبيات الثورات من أشعار أو خطب، والتي تفصح عن جانب مهم من تاريخها، فبشيء من التحليل والتدقيق يمكننا استخراج مجموعة من الإشارات التي تشرح لنا حال تلك الثورة.

فهذه الأدبيات تحمل معانٍ أخلاقية واجتماعية وسياسية، يمكن استشرافها بشيء من التحليل، فلو رجعنا إلى كلمات الأنبياء أو الأئمة سنجدها لا تخرج في مضامينها عن هذه الأطر والمرتكزات، والتي من خلال الربط بينها يمكن أن نضع عناوين لمنهجية ذلك المصلح، وما كان عليه أصحابه من صفات يتّسمون بها، فدفعتهم باتجاه التحرّك نحو إصلاح ما عوجّ من أمور الأمة. ولو سبرنا الأغوار في قضية عاشوراء بكل ما حملته من معاني وقيم، لوجدنا في كلمات الإمام الحسين من أول تحرّكه ما يشير إلى الوضوح الذي كان يتّصف به ، فلم يكن الحسين بذلك القائد الذي يتحرّك بدافع عاطفي أو بسبب توجيهات تهييجية من البعض - رجال الكوفة - كما أراد بعض المؤرّخين والكتّاب أن يشوّه النهضة الحسينية من خلال إلصاق هذه التصورات الصادرة من عقول مريضة، وإلا فإن أدنى تأمّل في البيانات الأولى الصادرة منه تشير بوضوح أن تحرّكه يحمل صبغة شرعية واجتماعية، فقوله في بيعة يزيد بن معاوية، يقول: «فمثلي لا يبايع مثله».

هذا النص يشير صراحة إلى موقف شرعي لا شخصي، فالبيعة لإمام المسلمين تكون بغطاء شرعي، وهي إمّا أن يكون حكمه بنص إلهي عليه - كما هي نظرية الإمامية - وإما بمبايعة المسلمين له مع اتّصافه بصفات العدل والعلم والشجاعة والإيمان، وعلى كلا النظريتين يفتقد يزيد لأي مؤهل لخلافة المسلمين، كيف وهو من كان يتجاهر بممارسة المنكرات دونما استحياء أو خجل، بما جعله يكسر جميع الخطوط الحمراء والقيم الدينية والاجتماعية.

إذاً موقف الإمام الحسين الرافض لبيعة يزيد كان منطلقه شرعياً، فلا بيعة لمثل هذا الماجن، فكيف يؤتمن على أمور المسلمين وأعراضهم وأموالهم مثله؟!!!

و تعبير الإمام الحسين عن موقفه بالنوعي وليس الشخصي، أي لم يقل: وأنا، بل قال: ومثلي، أي الموقف الرافض لبيعة الفاجر يزيد موقف عام يتّخذه جميع الأنبياء الأئمة والأولياء والمصلحين، ولن يشذ عن نهج الأنبياء وجدّه المصطفى ﷺ في موقفه.

و النتيجة تظهر أن موقف الإمام الحسين لا يختلف عن موقف كل شريف وحر من بيعة فاجر كيزيد، يُراد له أن يتسلّط على رقاب المسلمين ويبتزّهم في مقدّرات الأمة، ولكن هناك من العوامل ما يمنع الأمة من إعلانها الموقف الصريح من بيعة يزيد، وإلا فالهمس في المجالس الضيّقة حول عدم أهليته للخلافة ما كان قليلاً ليخفى، فالمانع من ذلك؟

لقد ابتُليت الأمة بوهن يضعفها وهو الإرادة والهمّة الضعيفة، فلم تكن بتلك الشجاعة في المواقف لتأخذ موقفاً واضحاً وصريحاً من هذه البيعة، ولا نقدّم تبريرات لهم في ذلك، ولكن يمكن فهم ذلك الموقف المتخاذل من هذا المنكر الكبير من جهتين:

1 - يد البطش والإجرام عند الأمويين تجاه من خالفهم أو وصلهم خبر عن مواقف مناوئة لحكمهم الظالم، وهذا التاريخ يحكي لنا حالات الاغتيال والتشريد والسجون التي لاقاها شيعة أمير المؤمنين ، فمن ذا الذي يجرؤ على المجاهرة برفض بيعة يزيد؟ ألا يعني ذلك أن يلاقي نفس المصير؟

2 - وقد لاقاه من جهة أخرى إرادة واهية آثرت الراحة والدّعة وإن كان في ذلك تحريف الدين وسلب كرامتهم وحريتهم، فلم تعد الأمة في عهد الإمام الحسين بالتي تعطي قيمة كبيرة لمفاهيم الحرية والكرامة والتضحية. ولم يكن الناس بالتي تمتلك ذلك الوعي والنظر البعيد للمستقبل القاتم الأسود الذي سيؤول إليه حال الأمة والدين على يد رجل قد انحطّ إلى وحل المنكرات والفواحش، ولا يلقى حال الأمة عنده أي اهتمام، فجلّ اهتمامه منصبّ على إقامة الليالي الحمراء وممارسة الرذيلة والمحرّمات.

و لكن الإمام الحسين أراد أن يوعّي الأمة بخطر إمساك شخصية منحلّة كيزيد لزمام أمورهم، فهذا يعني محواً كلياً لمعالم الدين، ولا غرابة لو استمرّ حكم يزيد دون تحرّك من الإمام الحسين أن تنمحي الصلاة ويترك الناس الصوم، ويتّجهوا كلياً نحو ممارسة الفجور علناً كخليفتهم، وبذلك يتحقّق الهدف الأسمى لبني أمية بمحق الدين - لا سمح الله - وإعادة الناس إلى الجاهلية الأولى.

الأمور انحدرت إلى بعد خطير لا يمكن السكوت عليه، فالصمت عن جرائم يزيد العلنية يمثّل خيانة كبرى لمعالم الدعوة المحمدية وو التي بذل فيها رسول الله ﷺ جهوداً مضنية في سبيل إقامة الدين الإسلامي وغرس مبادئه في النفوس، وإذا بهذا الطاغية يريد أن ينهي هذه الجهود، من خلال ممارساته غير المسئولة والتي تنمّ عن شخصية مستهترة بكل شيء، ولا تقيم وزناً للقيم الإسلامية.