آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

أفق الفكر الحسيني

من المهم أن نتوجّه إلى واقعة الطف دون تضييقها في أفق البعد الزماني والمكاني، فلم تكن تلك الأحداث مختصرة في وقوف الإمام الحسين في وجه الظلم والعدوان الصارخ من قبل يزيد على كل القيم والأحكام الدينية، ووصول حالة العدوان به إلى درجة أن يقدم على قتل سبط رسول الله وعترته الطاهرة وحسب، وإن كان هذا التوصيف لتلك الواقعة يحتاج إلى بحث وتدقيق لاستخلاص الدروس والعبر، فالإمام الحسين قام بحركة إصلاح جذرية في أمة قد نخرها سوس الخوف وضعف الإرادة والسكوت عن ظلم الجور الأموي.

و لكن القضية ارتبطت بالأهداف التي توخّاها الإمام الحسين من نهضته المباركة، لتنطلق منها الجماهير الواعية في تشخيص واقعها وماهيتها، فما كان عليه أصحاب الحسين من صفات ورقي في الفقه والإيمان والشجاعة والثبات والإرادة القوية هي مفاتيح يمكن من خلالها أن نصوغ الشخصية الحسينية في كل زمان، فالحسينيون لا يرتبطون بنهضة الإمام الحسين من جهة وجدانية وولائية، بإقامة مراسم الحزن والبكاء على مصابه وإن كان ذلك عظيماً، ولكن العقل والسلوك هو حسيني أيضاً، فالتربية الحسينية والتخلّق بأخلاق الحسين وأصحابه هي أهم معالم الدروس التي يتلقّاها الأجيال التي تحمل الفكر الحسيني، فتُزرع في مكنوناتهم قيم الكرامة وعزة النفس والاستقامة.

إن النهضة الحسينية كالشمس تشرق شيئاً فشيئاً، حتى يعم ّ ضياؤها جميع أرجاء المعمورة، فلم يعد أمر التأثّر والقراءة المتأنية لواقعة الطف يقتصر على شيعة أهل البيت، بل غدت أهم المناهل لكل منصف يقرأ التاريخ الإنساني ويستخلص منه الدروس والعبر، فيسبح الفكر في فضاء العطاء والتضحيات والفكر الوقّاد للحسين .

حركة الإنسان في تحديد معالم حياته وأسس النجاح وتحقيق الحياة الكريمة يمكن أن نستخرج أهم أسسها من نهضة الإمام الحسين، فالعقل ينطلق في فكر لا يحدّه ضيق الأفق أو التعصّب أو الأحكام المسبّقة، بل هناك مسار المعطيات والظروف والعوامل والعلاقات بينها، ليمكنه أن يحدّد موقفه وكيفية التعامل معها، ألم يكن هذا درساً مستخلصاً من نهضة الحسين واستصباحاً من هديه في تحديد موقفه من العهر اليزيدي، فاتخذ القرار الحاسم دون إبداء أي تهاون أو مهادنة، إنها المواجهة مع الاستهتار اليزيدي والرغبة الجامحة في محق الدين والجهود المحمدية، والتي كان لها الدور الكبير في إرساء التوحيد والاستظلال بمكارم الأخلاق والبعد عمّا يوجب مهانة النفس والولوغ في وحل الخطايا، والسكوت عن هذا التغوّل يعني أن يأتي اليوم الذي لا ترى فيه أي معلم من معالم الدين.

لقد انطلقت النهضة الحسينية في الوجدان والفكر الإنساني لتنبعث منها إرادة وترسّمات لخطى العزة بعيداً عن الوقوع في خط الاستعباد بأشكاله المختلفة، فالاستعباد اليزيدي لا يقتصر على استرقاق الإرادة بمستوى معين، بل يشمل كل واقع يعيشه الإنسان دون أن يكون له حرية الاختيار نحو الاتجاه الصحيح، فيبقى أسيراً لأفكار خاطئة أو عادات لا يمكنه التخلّص منها لأسباب خارجة عن نطاق العقل.

الواقع الذي نعيشه لا نبالغ إن قلنا أن حضور القيم الحسينية بقوة في كل مفاصله، ولكن يحتاج المرء إلى استجلاء واضح ودقيق للأهداف التي نهض من أجلها الإمام الحسين، فعنوان عريض كالإصلاح في الأمة لا يمكن المرور عليه بتوضيح قاصر لا يتعدّى مفهوم انتشار الفواحش والمنكرات بشكل علني، واتخاذ موقف منها لا يتعدّى كلمة لا صدى ولا مقبولية لها، بل حركة الإصلاح الحسيني انطلقت من تشخيص واقع ليس ببعيد عنه الإمام الحسين، فكان مطّلعاً على ما يجري من واقع مؤلم في أمة امتدحها الباري في كتابه في مواضع عدة، لينقلب الحال إلى ما يمكن اختصار التعريف به بأنه الجاهلية الأولى بكل مساوئها، وقد تحرّك الإمام لتشكيل النواة الأولى لتحرّكه من خلال إحاطتهم بالإرشادات والتنوير لما هو واقع في بصيرة السبط، وإعداد تهيئة وتعبئة جماهيرية تحمل فكراً واضحاً لما ينبغي لها أن تقوم به أمام الواقع السيء الذي أنشأه هذا السلطان الجائر الفاجر.

و هكذا يمكن في كل حركة إصلاح اجتماعية أن تنطلق من ألق هذا الفكر الحسيني وإن تغايرت مع الواقع في ذلك الزمان في المفردات والشخوص، فالكليات تُطبّق على مصاديقها.