آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

سبر أغوار النهضة

لقد شكّلت واقعة الطف منعطفاً مهماً في تاريخ الإنسانية، فهي صوت الحق والتضحية والمناداة بالقيم والوقوف بوجه الظلم وتكميم الأفواه، ولم تنفع مع هذه الثلّة المؤمنة المجاهدة كل المحاولات لثنيهم عن موقفهم البطولي، وأمام الحشد الكبير للجيش الأموي لم يتزحزحوا عن موقفهم الثابت قيد أنملة، وطالبوا بإزالة كل أشكال العدوان على العباد ونهب المقدّرات وإرجاع الكرامة والحرية المسلوبة من الناس، فهم لم يكونوا حريصين على الحياة بأي شكل من الأشكال، فما يطلبونه هو الحياة الطيبة والتي ينال فيها الفرد حقوقه دون ابتزاز أو ظلم.

ألم تكن هذه المطالبات هي صوت الإنسانية المعذّبة طوال التاريخ؟ وهذا سرّ من أسرار خلود هذه النهضة في قلوب الأحرار على مدى التاريخ، فهم مفخرة للبشر بأن مرّ عليهم من رفع وسام الشرف والفضيلة والحقوق، ومن مسارات الشرف الإنساني أن يبحث مدقّقاً في تفاصيل هذه الواقعة وخصوصاً ما حمله الحسين وأصحابه من قيم، فقد خاضوا في كربلاء ملحمة القيم الإنسانية الخالدة ضد منطق الظلم والعدوان والذي يمارسه في كل زمان أصحاب المطامع ومن يؤازرهم من أصحاب النفوس الحاقدة، فكانت واقعة الطف - بحق - كتاباً ينبغي تصفّح أوراقه بدقة؛ لأنه يشكّل أهم مفاتيح الرقي والازدهار الإنساني كما ندّعي، إذ لو تمسّك الناس بالطرح والقيم والمقاصد الحسينية، لكان ذلك السلاح الفعّال في وجه الظلم اليزيدي المتجدّد في كل زمان، فثبات ثلة قليلة أمام آلة البطش والعدوان والتي كانت بعشرات الألوف والمتعطّشة لسفك لدماء، فما كان ليوقفها إلا تلك النفوس الأبية والعصيّة على نداء الخوف والاستسلام ووهن الإرادات، نعم إنه منطق الحق والعدل الذي لا يخاف من أساليب التهديد حتى بالموت، ومنطق المستعد للتضحية بأعلى سقوفها - بذل المهج -، أفلا تستحق هذه المنازلة الكبرى بكل مقاييس القداسة والطهارة والتجرّد من تعلّق القلب بزخارف الدنيا الفانية.

لقد رسمت ملحمة كربلاء توجّهاً قيماً لدى الشعوب المستضعفة - وما أكثرها -، فقد سحرها تلك القيم الني حملها الإمام الحسين والتي تعني أن يحيا الإنسان حياة تختلف عن الحياة البهيمية والتي لا يحرّكها إلا الشهوة والنزوة فهي مبعث أي حركة تقوم بها، إن الإنسان مكرّم عن هذه الحياة ويعلو عليها، فعقله يرتفع به إلى حياة العمل وعمارة الأرض، وذلك في إطار يحفظ له أبسط حقوقه المعنوية والمادية.

و هذه النظرة إلى الحياة الكريمة أساس الاحتفاف بالإمام الحسين من تلك الكوكبة الطاهرة، فآمنت بفكره وما يدعو له، فليس ببعيد عن فكرهم ومشاعرهم ما يطرحه الإمام ، فالواقع الذي يراه للأمة الخانعة للظلم اليزيدي والذي وصل إلى مستويات لا يمكن السكوت عليها، فالانحدار الأخلاقي ومحق القيم يعني - ببساطة - أن يأتي اليوم الذي لا تدين فيه الناس للإسلام إلا بالاسم، فالتحريف الأموي يعمل على تفريغ التعاليم الدينية من محتواها وغاياتها وو يلوّث النفوس في طهارتها بالتلبّس بالفواحش والمنكرات، وهذا ما لا يليق بأمة بُني مجدها وتقدّمها بعد جهود عظيمة بذلها النبي الكريم ﷺ والأصحاب المنتجبون وقدّموا كل غال ونفيس في سبيل إقامة دعائمها، أ فيمكن تسليمها بهذه السهولة إلى شخص مستهتر كيزيد يعيث فيها فساداً؟

النجاح الكبير الذي حقّقته النهضة الحسينية وتلك الكوكبة الفاتحة لم يأت من فراغ، فما نراه من تفاعل وإعلاء لقيمة تضحياتهم ناشيء - في أحد أسبابه - من تلك الصفات التي اكتسبوها من نور الحسين ، فمنطلق حركتهم المباركة كان إلهياً بامتياز ولم يُنظر فيه لأي مصالح دنيوية يرومون تحقيقها، بل كانوا على بصيرة من أمرهم وما سيؤول إليه موقفهم البطولي المستنكر على الطاغية يزيد ما يقوم به مسيرة انحطاطية بالأمة إلى الجاهلية الأولى وتمظهراتها السيئة، فالثمن لهذا الموقف معروف سلفاً، وقد سمعوه مباشرة من الإمام الحسين ، إنهم سيواجهون ذئاباً بشرية مسعورة لسفك الدماء، ولكن هيهات أن يكون هذا حاجزاً لهؤلاء الأبطال عن موقف الحق.