آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

مدرسة الدعاء عند الإمام السجاد (ع)

الدعاء هو نداء من العبد إلى ربه، وهذا التوجه إلى الله يبث الطمأنينة والراحة في قلب الداعي، فالمؤمن يتوجه إلى خالقه شاكياً له حاله وتقصيره وإسرافه على نفسه، يطلب من الصمد أن يقضي حوائجه، وتفريج حاله، يبث ما في قلبه إلى الله القادر على تغيير حاله من أسوأ حال إلى أحسن حال، ورد عن رسول الله ﷺ: أفضل العبادة الدعاء، فإذا أذن الله للعبد في الدعاء فتح له باب الرحمة، إنه لن يهلك مع الدعاء أحد». إن للدعاء أهمية كبيرة في حياة العبد، فهو السبب المتصل بينه وبين خالقه، فالدعاء مسير إلى الكمال المطلق، فكما أن السير المكاني يقرّب الشخص من مبتغاه، كذلك السير في الدعاء، إذ هو سير معنوي إلى المبتغى وهو رضا المعبود.

كما أن أهميته تنشأ من شمول الدعاء لجميع حاجات الإنسان في الدنيا والآخرة، فهو الطريق الذي يتوسل به الإنسان لربه، لقضاء حاجاته التي يتعسر عليه حصولها أو قضاؤها، ولا يجد طريقاً إليها سوى اللجوء إلى الله تعالى.

الدعاء يمثّل حاجة شعورية لدى الإنسان، والذي يدرك من خلالها العلاقة بينه وبين الله عز وجل، «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، فالدعاء عبادة عن اتصال حال العبد من ضعف واحتياج وفقر بالكمال المطلق وهو الله عز وجل، ولا يمكن لهذا العبد أن يحيى إلا من خلال إفاضة العطاء عليه، والذي يكون بواسطة ذاك الكمال المطلق وهو سبحانه وتعالى، الذي يفيض على عبده الخير والغنى.

وللدعاء أثر في التكوين الشخصي للعبد، إذ أنه يحول بين العبد والاتصاف بالطغيان، قال تعالى ﴿كلا إن الإنسان ليطغى «العلق الآية 6» إن الذي أعطاه فأغناه هو الله تعالى، كما أنه هو الذي خلقه وأكره وعلّمه، ولكن الإنسان لا يشكر حين يُعطى فيستغني، ولا يعرف مصدر النعمة التي أغنته، المصدر الذي أعطاه علمه ورزقه، ثم هو يطغى ويفجر، ويبغي ويتكبر، من حيث أنه كان ينبغي أن يعرف ثم يشكر، ولكني نسي نشأته، وأبطره الغنى.

من معالم هذه الدنيا تقلب أحوالها، ما بين سراء وضراء، والإنسان يتعرّض فيها للمصائب والآلام وعدم بلوغ المأرب والقصد، ولذا تبقى نفسه توّاقة لتحقيق رغباتها، ويتوجه إلى الله عز وجل بالدعاء، وتلك حكمة الله في خلقه، جعل ذلك لئلا يشعر الإنسان بالطغيان، وليبقى مرتبطاً بخالقه، متوجهاً إليه، ساعياً نحو الكمال، لإحساسه بوجود نقطة فاصلة بينه وبين أهدافه المنشودة.

كما أن الشدائد التي يمر بها الإنسان، من فقد عزيز ومرض وقلة رزق وغيرها، لها مردودات معرفية وتكاملية للإنسان، وذلك أنه من خلال هذه الشدائد يتعرّف على حقيقة هذه الدنيا فلا يغتر بها، ومعرفة بقصور عن بلوغ كل ما تريده وتشتهيه، ومعرفة بقصر الآجال، فلا يسيء للآخرين ولا يتعرض لهم في أعراضهم أو أموالهم.

وهناك مردود تكاملي، وذلك أنه مع الشعور بعظمة الله، ومعرفة محل رضاه في عبادته وطاعته، تتوجه نفسه إلى العبادة ومنها الدعاء، للاعتراف بين يديه بالذنوب والآثام، وإظهار احتياجاته وافتقاره والرغبة في الخروج من منزلق الآثام أو التقصير إلى درجات التكامل بتهذيب النفس.

إن الدعاء يمثل المظهر الجلي لاتصال العبد بربه، فهو متى ما شعر بحاجة أو ألم، توجه إلى خالقه وهو يثق بإجابته، قال تعالى ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم فهو يشعر براحة نفسية إذا توجه إلى خالقه، يعترف ويقر بذنوبه، فيتخلص من شعور الإساءة، ويجدد عهده مع الله بالاستقامة وإتيان العمل الصالح.

ورد في دعاء كميل عن أمير المؤمنين : وقد أتيتك يا إلهي بعد تقصيري وإسرافي على نفسي، معتذراً نادماً منكسراً مستقيلاً مستغفراً....» كم يملأ قلب هذا التائب بعد الدعاء من الفرح والسرور، قد غفر له إساءته، فقد فتح له سبحانه باباً واسعاً سماه باب التوبة، فتعود إلى نفسه الطمأنينة، ويحل الأمل والرجاء بدل اليأس والقنوط.

الدعاء يمثل حاجة ملحة للإنسان لإعادة توازنه النفسي، فهو يعيد علاقته بالله عز وجل إلى مسارها الصحيح، فيخرج من منزلق المعصية والآثام، ومن الإساءة لنفسه والآخرين، إلى عالم التكامل وبناء الشخصية وفق الأسس الصحيحة، يخرج من عالم الطغيان والتكبر والغفلة إلى عالم الاستقامة وتهذيب النفس، مستوحياً ذلك من العطاء والفيض الإلهي.

إن الدعاء والمناجاة تقدّم للمؤمن مجموعة من المكتسبات، ومنها:

1 - عندما يقدّم المؤمن من عبارات الثناء والمدح لله سبحانه وتعالى بذكر صفاته الجمالية، فهذا له أثره في بث الطمأنينة في قلبه، فإن ذكر الله يحيي القلوب، قال تعالى ﴿بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب «الرعد الآية28»

2 - الأدعية طريق لمعرفة الله عز وجل، فعندما يتدبر القارئ معاني هذه الصفات، فإنه يتوصل إلى جانب كبير من معرفة الخالق، ومن ذلك مناداة الله: يا غافر، يا ساتر، يا قادر، يا قاهر.... إلخ.

3 - يقرأ المؤمن في الأدعية مجموعة من الفضائل والصفات، والتي تمثل معالم شخصية المؤمن، وهو بذلك يطلب من الله أن يحليه بها، كما أنه يعد نفسه للتحلي بها.

جاء في دعاء مكارم الأخلاق: «وسددني لأن أعارض من غشني بالنضج، وأجزي من هجرني بالبر، وأثيب من حرمني بالبذل». وجاء في مقطع آخر: «واكفني ما يشغلني الاهتمام به، واستعملني بما تسألني غداً عنه، واستفرغ أيامي فيما خلقتني له، واغنني وأوسع عليّ في رزقك...»

هذا نموذج لمكارم ومعالي الأخلاق والفضائل، يتفاعل معها الداعي من خلال طلب التحلي والاتصاف بها، فيثمر هذا الدعاء في قلبه معان قد انصقلت وثبتت في نفسه، فتكون حاجزاً بينه وبين وحل المعصية والإثم، وتشده إلى عالم الشوق لخالقه، تصبغه بشخصية إنسانية تسعى للتحلي بالكمال والرقي، كما أنها تشدها إلى عالم الحب والتنقل بين جنباته.