آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

حكاية نجاح

حين نرى أولئك الذين يستطيعون أن يسيطروا على مشاعر القلق أو الخوف التي تنتابهم، فيحافظون على توازنهم الفكري والانفعالي، ولا تستطيع نوبات التوتر أن تصيب جدّهم وإنجازهم بالتوقف والتعطل، فما هي إلا وقفة من التفكير ووضع الحلول المناسبة ومن ثَمّ ينطلق في آفاق الممارسة والتواصل الإيجابي، كما أنهم قادرون على التكيّف والتأقلم مع تجدّد البيئة المحيطة بهم أو تغيّر الظروف وجراح الزمن من الأصدقاء، فيا ترى ما الذي جعل منهم عصيّاً على عواصف الألم النفسي، والتي نراها تصيب البعض بالإحباط والخيبة أو فقدان الثقة بالآخرين؟ هل ذلك ينبع من ذواتهم الخاصة والتي تختلف عنّا أم هناك إعداد وتربية صنعت منهم نفوساً لها أولويات، ولا يمكن لها أن تتيح الفرصة للظروف الصعبة منهم؟

الحقيقة أننا لا يمكن إغفال عامل الوراثة أو المحيط الأسري المؤثر في توجيه الفرد منذ صغره على كيفية التعامل مع المشاكل التي يواجهها، مع تقديم كل ألوان التشجيع والتحفيز وتقديم المقترحات له، ولكن يمكن للفرد منّا أن يصبح صاحب نفس قادرة على التعامل مع الصعوبات، وتجاوزها دون إصابته بتأثيرات سلبية، فكيف يتمّ ذلك؟

السر في ذلك الثقة بالنفس فهو مفتاح النجاح وأحد أسرار النفس، إذ هو شحنة نفسية قائمة على معرفة بطبيعة الحياة وأسرار العلاقات الاجتماعية، فمتى ما صادفه أي خلل أو فشل عاطفي أو وظيفي أو غيره، فإنه يبدأ بالبحث في قدراته ومهاراته التي كان يفترض أن يتعامل بها مع هذا الأمر أو الموقف، فإذا وجد تقصيراً عنده، بدأ بإصلاح نفسه وانطلق في ميدان معترك الحياة متسلّحاً بدرس جديد استفاده من أخطائه، وإذا لم يكن مقصّراً وتبيّن أن الخطأ خارج عن إرادته أو بسبب الطرف الآخر في العلاقات الاجتماعية، حاول أن يتعامل بمبادئ النجاح الاجتماعي «التسامح _ العفو _ الحلم...»، فإن أصرّ الطرف الآخر على الإساءة أو لم يقدّر محبتك له، انسحب من حياته بدون توجيه أي إساءة له، محتفظاً له بذكرى طيبة.

مواجهة الصعوبات والمواقف المتأزمة تحتاج إلى قدرات واستعدادات خاصة، تبدأ من المعرفة السابقة التي ذكرناها، وتقوم على مراعاة الإعداد لكل خطوة يقدم عليها، فالدراسة لها استعداداتها، والعلاقات الاجتماعية لها أسسها الخاصة كذلك، وهكذا في بقية جوانب حياته.

و هناك من تنعدم عنده الثقة بالنفس حين يواجه موقفاً صعباً، فترى علامات القلق أو الإحباط بادية عليه، أو تنعدم ثقته بالآخر، وقد تصل به الحالة إلى ما لا يُحمد عقباه، ويصاب بحالة من التردد والإقدام على أي جهد أو عمل، ويفقد ثقته بنفسه عندما يكتشف أن الخطأ أو التقصير كان سببه قلة خبرة أو سلبيات لم يتخلّص منها، فيراها حاجزاً أمام القدرة على التعامل مع المواقف وإقامة علاقات اجتماعية إيجابية، فلا يشعر بالقدرة على التفاعل الإيجابي مع الآخرين، فيقوده الإحساس بالنقص أو الخبرات السلبية السابقة أو خجله من نفسه إلى إحساس سلبي تجاه نفسه.

و نشير إلى أن للمواقف والخبرات السابقة تأثيرها على الفرد، فينتج عنه فقدان الثقة بالنفس، ففي محيط الأسرة حين يتعرّض الطفل إلى مواقف محرجة أو حالة استهزاء به، بسبب تقصير في أداء واجب منزلي أو مدرسي، إذ مواجهة الطفل بعنف وألفاظ قاسية وعنيفة تنشئ فيه عقدة النقص، وتشكّل عنده فكرة عدم القدرة على أي أداء صحيح ينال به استحسان الأسرة.

و على مستوى المؤسسة التعليمية والتربوية «المدرسة»، فما يلاقيه الطالب من معاملة سلبية من معلّميه «الاستهزاء أو الألفاظ المحبطة «يا غبي مثلاً»»، يكسر روح تقدير الذات عنده.