آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

الصدق والمصداقية

تحمل كلمة الصداقة كل معاني الحب والوفاء، إذ أنها حاجة اجتماعية كبيرة يشدّ بها الفرد عضده ويتقوّى بصديقه على صعوبات الحياة وهمومها، فمن ذا الذي يمكن أن يبقى صلباً أمام الأزمات الكثيرة والتي تعصف بالنفس فتذرها قعقعاً صفصفاً، فكم من إنسان انهارت مراكبه وغرقت في وحل الصعوبات الحياة، فلم يتحمّل تلك الضغوط الهائلة على نفسه، فسكن الهمّ والحزن في قلبه، وأصبح هيكلاً خالياً من الروح. ووجود الصديق في حياة الكثير كان سبباً للخروج من مآزق ومشاكل صعبة كادت أن تقضي على حياته ومستقبله، ولكن تلك الوقفة الصادقة أخرجته من الجو الكئيب الذي لفّه وخنق أنفاسه، وكان خير عون له في محنته، وبقي معه حتى استعاد عافيته وروحيته، ونظرة الأمل والتفاؤل عادت تظهر على ملامح وجهه.

و لكن ما أكثر الوصوليين وأصحاب القلوب المريضة، والتي تتنكّر بزيّ الصديق الوفي، وما إن تأتيه وتؤآتيه الفرصة المناسبة حتى يوجّه ضربته ويخون صاحبه.

و ما أكثر القصص التي تزخر بها حياة الناس من رجل حسبه أعزّ أصدقائه، وائتمنه على كل أسراره وآماله، فكان هو المفشي لها، وأول المتخلّين عنه إذا مرّ بظروف صعبة، والسبب الحقيقي هو النفوس المريضة التي لم تعد تضفي قيمة للعلاقات الإنسانية ولا تراعي مشاعر الآخرين، بل تجد أن التحايل وتوزيع الابتسامات الصفراء هو أحد وسائل التعايش مع الظروف الصعبة.

كما أن غياب ثقافة العلاقات الاجتماعية والتي يجب أن تزرعها الأسرة كقيمة مهمة عند أبنائها مفقودة، إذ على الأسرة أن تزوّد ابنها بمباديء التعامل الأمثل والأحسن مع أصدقائه، وأن لهم حقوقاً عليه ينبغي مراعاتها، في مناسباتهم وظروفهم.

و هناك نقاط ينبغي ملاحظتها ونحن نضع الصداقات على مشرحة المحاسبة والتدقيق، إذ قد يظهر لنا أن هذه القيمة الكبيرة لا يستحقها كثير من الناس بسبب التربية التي تلقّوها، أو لفقدانهم الأهلية والقدرة على مراعاتها بشروطها واستحقاقاتها.

فالصداقة تخرج من رحم مخاض صعب، تحتاج فيه إلى أن يتخلّص الفرد من أنانيته وتقديسه لذاته،؛ لأن هذا المانع الأكبر من التفاعل مع معاناة وآلام الصديق، ويتخلّص من أضغانه ومشاعر الحقد، فالصديقان في علاقتهما لا تخلو من أخطاء وإساءات في حق الآخر، ولكي يجتازا هذه العقبة لا بد أن يتحلّى المخطيء بروح الاعتذار، والآخر بروح التسامح، فالبعض يكفي عنده خطأ واحد لينسف علاقة امتدّت لسنوات وو كانت حافلة بعطاء وتضحية من صاحبه، ولكن هذا الخطأ لم يشفع له تلك المشاركة الوجدانية والمالية.

الصداقة عهد وميثاق بين نفسين على العطاء وتبادل أنبل وأصدق مشاعر إنسانية، فهل يحمل كثير من الناس هذا الفهم الحقيقي لهذه العلاقة، أم أنهم يتخذونها جسراً لمنافعهم الذاتية وألاعيبهم وأساليب مكرهم وخداعهم؟!!