آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

التهريج والتسطيح

ما يعرضه الفرد منّا من أفكار وآراء في أنقاشاته أو كتاباته، تمثّل وجهات نظر مبنية على أسس علمية، ولذا تخضع في تقييمها على هذا الأساس، وهذا ما يمنعنا من الدخول في مهاترات تسبّبها بعض الأفكار العشوائية التي تدخلك في جدال عقيم لا فائدة تُرجى منه، فالبعض يستخدم أسلوب الفقاعات التي تحدث أكبر قدر من الالتفات إليها دون أن تكون ذات محتوى يمكن مناقشته، والحديث حولها حتماً سيأخذ متاهات ومضيعة للوقت، بل ويصدق معها أن تكون كلمات هذيان لا جواب لها إلا علامة استفهام أو تعجّب وتدعها ترحل بعد ذلك، فليس كل كلام يُمكن إشغال الذهن به.

و من الخطأ عند استعراض أي فكرة - مهما كانت نسبة الخطأ فيها - أن تصل النوبة إلى تشريح لشخصية صاحبها، والدخول في خصوصياته وتفاصيل حياته والاتّجاه بالمستمعين أو القرّاء إلى مسار تخطئة الفكرة ووسمها بالشذوذ لأن صاحبها شخصية غير مقبولة، فحرية التعبير والنقاش لا تعني التعدّي على شخصيات الآخرين وترك الفكرة دون نقاش علمي، ولذا ترى أصحاب العقول الضيّقة في ردوده على أفكار الآخرين باتهام أصحابها بأنه من التيّار أو التوجّه أو الفكر الفلاني، ولذا لا يمكن قبول صوابية أي فكرة يطرحها.

فالبعض يرى أن السبيل للقضاء على فكرة ما هو إماتة صاحب الفكرة في عيون الآخرين، وهذا ما يتكفّل بعدم الاستماع إليه من أحد أو حتى محاولة تفحّص فكرته والتدقيق فيها، وما يردع مثل هؤلاء هو الخضوع للمباديء الإنسانية في الحوار، فهناك أدبيّات ينبغي الالتزام بها مهما بلغت درجة الاختلاف، فهناك احترام لا يتجاوزه إلا من يحب الدخول في دائرة التهريج والسخافة المثيرة للضحك والشفقة في آن واحد.

و هناك فرق بين الإثارات الفكرية والثقافية والتي تثري العقول وتتيح الفرصة للتعرّف على أفكار متنوّعة، كما تتيح الفرصة ليستعرض الفرد فكرته بأسلوب سلس وواضح لمضمونها، أما الإثارات الجانبية أو الفذلكية فهي سياحة في عالم التهريج وتسخيف عقول الآخرين.

و لا يتوهّمنّ أحد أن المشهد الثقافي والفكري يضيق بأي فكرة أو وجهة نظر، فاليوم ومع هذا المتّسع من التواصل المباشر وفي شبكات التواصل الاجتماعي أصبح متاحاً للفرد أن يعرض آراءه وأن يستمع للغير، ومن ضاقت نفسه عن الاستماع للغير فهذا مؤشّر للضعف النفسي أو الضحالة المعرفية والإفلاس في المعلومات أو قصوراً في أساليب الحوار المتمدّن عنده، وعليه أن يستعدّ لعالم يشترك فيه الجميع في تبادل الأفكار والحق في الاستفسار والقبول وفالانغلاق الفكري لم يعد موجوداً إلا في أركان التاريخ الغابر!!

و إن مضمون أي فكرة يخضع للتحليل والمناقشة ومن ثَمّ يتم الحكم عليها، ومن المهم أن نتّجه في نقاشاتنا وكتاباتنا إلى ما يحمل قضية تستحق الاهتمام بها، أما صفصفات الكلام والالتواءات المحشوّة بالفوضى فلا تأخذ إلا مساحة من التهريج الذي يجيده البعض ممّن يعشق الأضواء المسلّطة والمديح المتتابع.

و لا ندّعي جُزافاً أو تخرّساً في الأحكام إذا قلنا أن المجتمع بلغ درجة من الوعي والنضج أصبحت معه كثير من الأفكار السمجة والتي لا طعم ولا لون لها لا تلقى سوقاً رائجة، وهذا الرشد الفكري لم يأت من فراغ، وإنما كانت هناك جهود ثقافية كبيرة من أصحاب الفكر الراقي والنخب الثقافية في إثراء المشهد بما يبرز أفكاراً ذات مضامين ورؤى تفتح آفاق البحث والحوار المثمر، كما أسهمت تلك الجهود في تناول أي فرد لفكرة تهريجية بعيداً عن العاطفة أو التسليم المستعجل.

احترام الفرد للآخرين في أحد أوجهه هو نابع من احترام الفرد لنفسه ولعالم الفكر الناضج، فما نراه من أفكار سطحية أو أساليب عاطفية للإقناع بفكرة ما أو تسخيف الشخصيات و...، كلها تدخل في باب التهريج الفكري الذي تعجّ به الكتابات أو الحوارات، وأما بعض الحوارات السياسية في القنوات الفضائية فهي من وسائل الترفيه والترويح عن النفس فقط!!