آخر تحديث: 31 / 10 / 2020م - 2:07 ص

تجارة تنتهك براءة الأطفال!

غادة السيف *

مجتمعاتنا العربية لا تزال تجهل الكثير عن معنى وعمق قضية الاتجار بالأطفال، واقع الحال يشير إلى أن اغلب دول العالم متورطة بشكل أو بآخر في هذه التجارة، غير أن هذا المفهوم لايزال ضبابيا في الدول العربية بما في ذلك مجتمعنا المحلي، ولعل هذا أحد دوافع تنظيم جامعة نايف للعلوم الأمنية بالرياض مؤتمرا دوليا عُقد مؤخرا في الفترة 9 - 11 ديسمبر، وسلط الضوء على هذه القضية.

يمكن الإشارة هنا إلى تعريف البروتوكول الخاص بمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال «2000»، المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لسنة 1951، وقد عرّف البرتوكول آنف الذكر الاتجار بالأشخاص بكونه «تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال. ويشمل الاستغلال، كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي، أو السخرة أو الخدمة قسرا، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد أو نزع الأعضاء».

إذن، فالاتجار بالأطفال هو تجنيد أو نقل أو إيواء أو استقبال أطفال بغرض استغلالهم، وهو يعدّ انتهاكاً لحقوقهم ورفاههم ويحرمهم من فرص تحقيق إمكاناتهم الكاملة.

كما أن هنالك العديد من أنماط الاتجار بالأطفال، ومنها الاستغلال الجنسي سواءً كان للممارسة الجنسية أو البغاء أو التصوير أو عمل أي نوع من المواد الإباحية التي يتم استخدام الأطفال لإشباع رغبات جنسية لآخرين مقابل ربح مادي، وهو من أكثر أنواع الاتجار شيوعا، خصوصا مع التطور التكنولوجي والوسائط المتعددة والإنترنت، كما يُعتبر من أكثر الأنواع انتشارا في العالم حيث بيّنت الإحصائيات الصادرة عن اليونسيف أن 5، 2 مليون طفل سنويا يزجون في سوق البغاء، غالبيتهم من الفتيات.

أما أكثر الأنماط انتشارا بالأخص في مجتمعاتنا العربية فهو التسول الذي يكمن وراءه أخطار مضاعفة للأطفال من إيجاد عاهات متعمدة لهم لأجل استعطاف الآخرين بالإضافة لاحتمالية تعرضهم لأنواع أخرى من الاعتداءات الجنسية واللفطية والتحقير والإذلال.

ومن الأنماط التي لا تقلّ خطورة عمّا ذكرته أعلاه استخدام الأطفال في توزيع المخدرات والممنوعات والأنشطة غير المشروعة نظرا لسهولة تواريهم وعدم الشك بهم وقلة خبراتهم.

ولقد كشفت هيئة حقوق الإنسان في خبر نشرته « الوطن » بتاريخ 11 ديسمبر 2013 م أن عدد القضايا التي رصدتها الهيئة حتى نهاية العام الماضي بلغ 32 قضية.

«وأوضح الأمين العام للجنة الدائمة لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر في الهيئة بدر سالم باجابر «للوطن» أن الأحكام كانت متفاوتة وأن عدد الضحايا فيها بلغ 52 ضحية من النساء والأطفال تم علاج أوضاعهم واتخاذ الإجراءات المناسبة معهم، أما المتهمون بالمتاجرة بالبشر فقد صدرت بحقهم الأحكام وتنوعت القضايا المنسوبة لهم موضحا كذلك أن استغلال الأطفال في التسول من القضايا التي تم رصدها».

يأتي جميع ذلك رغم وجود القوانين المحلية الرادعة للحدّ من الاتجار بالبشر، فمن أبرز ملامح نظام مكافحة جرائم الاتجار بالبشر بالمملكة العربية السعودية معاقبة كل من ارتكب جريمة الاتجار بالاشخاص بالسجن مدة لا تزيد على 15 سنة أو بغرامة لا تزيد على مليون ريال أو بهما معاً، وتشدد العقوبات المنصوص عليها في هذا النظام في عدد من الحالات منها إذا ارتكبت ضد طفل حتى ولو لم يكن الجاني عالماً بكون المجني عليه طفلاً.

ختاما، لابد من الإشارة إلى أن ضحايا الاتجار بالبشر، والأطفال منهم بصورة خاصة، بحاجة لحماية أكبر عبر وضعهم في بيئة آمنة وإمدادهم بالخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي وإعادة إدماجهم في الأسر والمجتمعات، سيما وأن هؤلاء الأطفال - ضحايا الاتجار - قد عانوا طويلا من هدر كرامتهم وانتهاك براءتهم، خاصة أولئك الذين يعملون في التسول وتجارة الجنس، حيث خلق لديهم شعورا بالدونية والانتقاص والمهانة، ولربما تعزز ذلك يوميا من خلال عملهم وتعامل الآخرين معهم ونظرتهم إليهم، مما يولد لديهم الرغبة في الانتقام أو حتى إيذاء أنفسهم ويكونون عرضة للانحراف السلوكي.

حمى الله أطفالنا من هذه التجارة التي تنتهك براءتهم.

متخصصة في حقوق الطفل
المدير التنفيذي لمركز وعي للاستشارات التربوية والتعليمية