آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

الخسارة الحقيقية

مبدأ تحقيق الأهداف المتوخّاة من عدمها أو ما نسمّيه الفشل في الوصول إلى المبتغى لاشك أنّ له انعكاساته على نفس الإنسان، فالنجاح في أمر ما يفتح آفاق المراحل المتلاحقة والبدء فيها بروحية الهمة والنشاط، هذا بخلاف ما تحقّقه من تراكم للخبرات وقدرة على التعامل مع الصعوبات وخلق نفس عنده على التحمّل، كما أن الإخفاق المرحلي يشكّل خيبة أو صدمة تنعكس على مجمل قدراته ومدركاته العقلية التي تنكفيء نوعاً ما.

و أما المسار الصعب هو الذي يكتشف في نهايته أنه خسر كل شيء ويصعب أو يستحيل عليه أن يعوّض ما فاته، إنه لشعور لا يوصف حينها، إذ يحمل الفرد مزيجاً من مشاعر الأسى والألم والقهر والإحباط، إذ تعني هذه الخسارة - وهو يتأمّل ما قام به - أن جهوداً مضنية وأوقاتاً مديدة قد قضاها وظروفاً صعبة تحمّلها وفي الآخير لا شيء جناه أو حقّقه!!

القلب يعتصر ألماً وهو يرى أحلامه التي دغدغت مشاعره وعقله كثيراً تتلاشى أمامه كجبل جليد ظل صامداً وانهار فجأة وكأن شيئاً لم يكن، هذه اللحظة التي تعني بداية انعدام التوازن النفسي والعقلي، ويغدو الفرد فيها كريشة في مهبّ الريح، فقد تأخذه الأفكار السوداوية والتشاؤمية بعيداً، أبعد مما نتصوّر، إنه فقدان الأمل ومقاساة الألم.

إن مجرّد التفكير في الوصول إلى هذه اللحظة وتصوّر كيف سيكون حاله حينها مثير للقلق والاشمئزاز، ولا يقل في حجم مخاوفه عمّن يركب الطائرة لأول مرة وكل تفكيره منحصر في سؤال: هل ستسقط بنا الطائرة؟!!

في المفهوم الديني تعني الخسارة الحقيقية أن يقدم العبد على ربه مفلساً من العمل الصالح أو خارجاً عن الدين الحق، وأما سلوك طريق المعصية ومخالفة أوامر المولى فلا تعني نهاية الطريق، بل هناك باب مفتوح على مصراعيه اسمه التوبة، نداء موجّه له وبشكل دائم ليرجع عمّا هو مقيم عليه مما يوجب سخط خالقه، فلا يوجد مبدأ نهاية الطريق والخسارة في هذا الجانب، بل الإنسان ينعم بحالة من المحبوبية له من خالقه، فمهما اقترف من آثام واتّسخ قلبه وأجرمت جوارحه فإن الوقت لا يفوته أبداً ما دام على قيد الحياة، فكل ما يحتاجه ومضة في عقله وانعطافة في قلبه وإرادة تغيير تستدير به إلى الاتجاه الصحيح والموافق لفطرته، فقضاء الفرد لنزوة لفترة ما لا يعني أنه لم يسلك الطريق الخاطيء ولكن مسار التعويض مفتوح له، بل ويعود ببصيرة وضمير يقظ يحاذر من الوقوع في المعصية مجدّداً، ويتملّكه إصرار على إتيان أعمال حسنة تجمّل صورته التي أصابها الاتّساخ.

ورد عن الرسول الأكرم ﷺ: الخاسر من غفل عن إصلاح المعاد» «تنبيه الخواطر ص359»

و أما على صعيد العلاقة الزوجية أو الاجتماعية فما يواجهه الفرد من صدمة عاطفية وخيبة أمل في الآخر بسبب الصورة السلبية التي اكتشفها فيه بما يغاير تماماً ما كان يرجوه، لاشك أنه ينعكس كعور بالإحباط وفقدان الثقة بالآخرين، وقد يصل إلى حالة ينعدم فيها شعوره بجمال أي علاقة، ولا يمكننا أن نخفّف ببضع كلمات ألم وجرح نزف كثيراً بسبب إهمال الغير أو صفاقته وأنانيته أو تجاهله لمشاعره، ولكن مع كل تلك الآهات التي تزفّرها لا يوجد أماه إلا طريقان: فإما أن ينهي حياته بنفسه ويستسلم لسرطان الاكتئاب واليأس ويغدو كخيال المآتة، منعدماً لكل إحساس جميل، وإما أن ينفض عن نفسه الغبار ويبدأ من جديد، فليس نهاية الحياة خسران صديق أو انفصال عاطفي أو حقيقي.

و على صعيد مسيرته الحياتية فعدم تحيق أهدافه أو تعثّر في دراسته أو مشاكل متعدّدة في عمله لا يعني فشلاً وخسارة حقيقية، فما دام يمتلك فكراً ومهارات فيمكنه أن يعوّض ما فات، ومن أراد شعلة نشاط مجدّداً ودرساً مجانياً فلينظر إلى ذلك العصفور الذي خُرّب عشّه هل يستسلم أم يعيده في مكانه أو في مكان آخر مرة أخرى؟