آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 12:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحدّة كمنهج

من حق الفرد منّا أن يعبّر عن أفكاره ووجهات نظره في كلمات يكتبها أو ينطق بها، فانعكاسات الأحداث والظواهر على نفسه تتلاقى مع ما يحمله من قيم ومعتقدات فينتج عنها وجهة نظر معينة، والمهم هو أن يكون هناك احترام لوجهات النظر المخالفة، فليس مطلوباً منك أن تمجّد آراء الآخرين بمجاملات ممقوتة فتخالف بذلك قناعاتك، وفي المقابل لا يحقّ لنا أن نتعرّض لها بالسخرية وتوجيه أقذع الكلمات بحجة أن هذا من باب الحرية في التعبير عن رأيك!!!

ينتهج البعض أسلوب الاستفزاز للآخر، بمعنى أنه يحاول أن يخرج مسار التلاقح والتحاور من العقلانية إلى تراشق بالألفاظ التي أقلّ ما يُقال عنها بأنها حادّة، وتتحول الحوارات إلى حرب كلامية يستخدم فيها الأطراف كل الأسلحة المحرّمة أو أسلحة الدمار الشامل من الكلمات المسيئة، وإذا نظرنا إلى المقالات أو الكلمات الموجودة على مواقع التواصل الاجتماعي فسنجد فيها المصداق التام لما ذكرناه، فما إن يُفتح باب النقاش والعرض إلا ويتّجه البعض إلى أسلوب البذاءة والحطّ من مكانة الآخرين بحجة الحرية في التعبير، ولا شك أن مثل هؤلاء يعملون بمبدأ نفسي هو أن شخصية الآخر إذا تمّ التعرّض لها فسيشكّل ذلك كسراً للمحظور ولمكانته عند الناس، كما أنه يجعل له شبحية مخيفة في قلوب الآخرين تمنعهم من التعرّض له مهما كانت أفكاره مجانبة للصواب.

و السؤال الذي يمكن أن يوصل إلى توضيح في هذا الأسلوب: هل طريقة البذاءة في التعبير والتهجّم على الشخصيات يمكن أن يوصل إلى نتيجة إيجابية؟ أسلوب البذاءة في الحديث والحوار ينبيء عن شخصية تحمل روحاً متعالية وجوفاء من احترام القيم، ومشاعر سلبية تجاه الآخرين ينفثها على شكل عبارات حادّة، فهو لا يتحمّل أن يدخل في جولات النقاش المبتني على الأسس العلمية والذي لا يجيد فنّه قطعاً، ويعرف أن نفسه سينقطع في أول خطوات يخطوها، فاتّجه إلى الطريق المختصر في نظره.

الفرد الذكي اجتماعياً هو من يحاول أن يوصل رأيه دون وجود معوّقات على تقبّله نفسياً قبل تقبّله فكرياً، والعنف اللفظي يجعله يركّز كثيراً على إيصال كمّ هائل من العبارات البذيئة ليتخلّص من حالة الغليان النفسي التي يشعر بها ولئلا يصل إلى حالة الانفجار، نعم، فمثل هؤلاء لا يتحمّلون أسلوب التعبير الهاديء إما لأنهم يفقدون أدواته أو لأنهم غير مهيئين نفسياً على تقبل الآخر الذي يختلف معه فكرياً، ويخفى عليه أنه في حالة انفلات الأعصاب لا يخرج من الفم إلا الهذيان والعبارات غير المسئولة.

إن المستوى العالي من التهجّمات الدينية والاجتماعية يكشف عن ظاهرة لا حالة فردية هنا أو هناك، ويتمظهر بصور جديدة ساعدت عليه التقنيات الحديثة، فإذا نظرت إلى المقاطع المعروضة على اليوتيوب وغيرها، ستجد التلاعب في الألفاظ والشخصيات، وكأن هذا الأسلوب سيحقّق من النتائج المبهرة والمرجوة، ويخفى عليه أن هذه الطرق الرخيصة لا تؤدّي إلا لنتائج عقيمة وطريق مسدود.

الأسلوب الراقي والحضاري في مناقشة ونقد أي فكرة مسئولية تربوية واجتماعية تقع على عاتق الوالدين والمؤسسات التربوية والتعليمية، فهذا ما يرتقي بفكر أفراد المجتمع، ويبني قناعاتهم على الأسلوب العلمي لا العاطفي.

و لقد كان لوسائل الإعلام والفن دور في شيوع مثل هذه الأساليب غير المعهودة بهذا الحجم من الإساءات، فقد أتاحت الفرصة لظهور بعض من يدّعي الفن والتمثيل ليبثّ تلك الكلمات الهابطة وغير المقبولة في القيم الدينية والاجتماعية.