آخر تحديث: 5 / 8 / 2020م - 3:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

جاسم الصحيح: الشعر هو جسر العبور من النهائيّ إلى اللانهائيّ

جهينة الإخبارية علياء الموسوي - الأحساء
الشاعر جاسم الصحيح
الشاعر جاسم الصحيح

يمتاز الشعر بعمق بحوره وفن الإبحار على متن أمواجه، حيث يكثر المحبون للمجازفة والغوص في أرجاءه، ليكتشف المزيد من درر الكلام، وتعنون القوافي ببريق خاص لا يضاهيه شيء آخر، ولأن أثمن اللالئ لا تكون إلا بحوزة النوخذة، كان لنا حديث عن عذب القوافي مع الشاعر جاسم الصحيح...

كيفَ تلمَّستَ دربَ القصيدة الشعريّة في بداياتك؟

التأمّل كان يمثّل خطوتي الأولى على درب القصيدة.. ومنذُ الوعي الأوَّل وهاجسُ البحث عن الذات يطاردني بلا هوادة، وما الشعر إلاَّ حصان هذه المطاردة الشعواء.. فعندما كان هذا الحصانُ مُهراً صغيراً كنتُ أبعدَ ما أكونُ عن ذاتي، ومع كلِّ قصيدة أكتبها أخطو خطوةً بِاتِّجاه الذات، لكنَّ الطريق طويل بحيث يستحيل الوصول تمام الوصول وإلاَّ لَمَا احتاج الإنسان للشعر بعد اكتشاف ذاته ولأصبحت الحياة بلا ذوقٍ بعد ارتفاع الأسدال عن لُغزها الأزليّ.

لماذا اخترتَ «ظلِّي خليفتي عليكم» عنواناً للديوان الأوَّل، وهل هناك بُعْدٌ آخرُ وراءَ هذا العنوان؟

بعد صدورِ هذا الديوان بعامٍ واحدٍ تقريباً، التقيتُ رجلاً من خارج الوطن كانَ قد اطَّلع على الديوان سلفاً فقال لي: «لقد التقينَا ظلَّكَ قبلَ أن نلتقيك».. وهذا بالضبط ما كنتُ أعنيهِ من وراء هذه التسمية.. أمَّا البعدُ الآخرُ من وراء العنوان فهو فكرة نبوّة الشاعر وكونه حاملَ رسالة، وحينما يغيب فلا بدَّ له من خليفة.. وهنا خليفته ظلّه.. أي شعره.

جاسم الصحيح

نلاحظ أنَّ توجّهك في الكتابة الشعريّة يشمل القصيدة العموديّة والقصيدة التفعيليّة، وكأنّكَ قد حسمتَ موقفك من القصيدة النثريّة رافضاً لها.. فهل هذا صحيح؟

موقفي من قصيدةِ النثر ما زالَ يدور في دوّامة الحيرة والارتباك دونَ الاستقرار على ضفّةٍ، وأعتقد أنَّ هذا الموقف يسيطرُ على الكثير من المثقّفين، إلاَّ أنَّني في تواصل مع هذا النوع من الكتابة إيماناً منّي بأنَّ الشعريّة قد توجد في النثريّة وتتألّق فيها أيضاً.. وهناك من شعراء النثر من يقنعني بهذا المنتج الإبداعيّ.. إلاّ أنّ الغالبية العظمى تكسر هذه القناعة، وهذا الشعور قد يخالجني تجاه كتّاب القصيدة العمودية.. إذن، فالكتابة تعود إلى موهبة الشاعر وقدرته وليس إلى الشكل الإبداعيّ! ولا شفيع للقصيدة العمودية إلا تاريخيتها إذا ما قورنت بالاشكال الشعرية الأخرى!

في قصائدك صورٌ كثيفة ورؤى فلسفيّة ذات أبعاد ثقافيّة، فما هو المعين الذي تستقي منه هذه الصور؟

الشعرُ بالنسبة لي يُمثّلُ قلقاً معرفيّاً ممزوجاً بالألق الداخليّ الذي يضيءُ طريقَ القصائدِ نحو الأوراق.. ولكلِّ قصيدةٍ مناخها الشعوريُّ الخاصّ بها، ولكن معظم قصائدي تتواجد في الهموم الغيبيّة والقضايا الوجوديّة الكُبرى التي تُحيل الشعر إلى فلسفة إيمانا منّي بأن الشعر هو جسر العبور من النهائيّ إلى اللانهائيّ.. بمعنى آخر هو الطريق إلى المطلق.. هذا إذا كان الشعر يمثّل مقدار آدميّة الكائن الحيّ الذي يكتبه فعلاً وليس قولاً.. أما إذا كان الشعر مجرّد إزباد وإرعاد على المنصّات والمنابر فهذا لا يعني أكثر من خيانة للغة والناس!

كيف توظّف الرموزَ التراثيّة في شعرك؟

الرموز التاريخيّة تتسلّلُ إلى شعري عبر هموم مشتركة تثقب غشاء الروح، ويحدث ذلك عندما أكابد ذاتَ الهواجس التي كابدَتْها الرموز، فمثلاً أبُو العلاء المعرّي وهاجسه الغيبيّ.. عنترة وهاجسُ الحريّة.. وغيرهم.. فعندما أشعر بأنهم يعيشون معاناتهم داخلي تتسلّل آلامهم وأحلامهم إليّ عبر الزمن وتختمر مدّة طويلة في مشاعري قبل أن تتبلور في صورة قصيدة.

ما الفرق بين القصيدة في هذا العصر «عصر التكنولوجيا»، والقصيدة في العصور القديمة «عصور الشعر»؟

أعتقد أن القصيدة قديماً كانتْ سيّدةَ الإعلام وكان ارتباط البشر بها عميقاً مِمّا أحالَها إلى طبقٍ روحيٍّ على مائدة الخلود.. أمّا القصيدة في زحمة التكنولوجيا فقد أصبحت أشبهَ بوجبةٍ سريعة تحاولُ جاهدةً أن تشبعَ روحاً جائعةً إشباعاً آنيّاً.

احتفيتَ كثيراً بِمفردة «الجسد» في ديوان «أولمبياد الجسد».. لماذا هذا الاحتفاء؟

ديوان «أُولمبياد الجسد» جاء بعد رحلة طويلة في القلق والاضطراب عبر ديواني السابق «رقصة عرفانيّة».. لذلك كان لابدّ من شاطئ للاستراحة أخلعُ عليه أتعابي وأتشمَّس في أبعادهِ مع المفردات.. فكان الجسدُ هو ذلك الشاطئ، وكان لابدّ من الاحتفاءِ الكبير به.

تناولت كذلك موضوع الغربة في الديوان المذكور آنفاً «أولمبياد الجسد»، فما نوع الغربة التي قصدتها؟

الغربات التي يعيشها الإنسان في هذه الحياة عديدة جدّاً وجميعها تبدأ منذ ولادته، ولكن أخطر هذه الغربات هي غربة الإنسان عن ذاته، لذلك يأتي الشعر لِتقليص مسافة هذه الغربة أو - على الأقلّ - لِترويض الوحوش المتناثرة في أبعاد تلك المسافة، وهدهدة الخوف داخل ذلك الإنسان.

صدرت لك عدَّة دواوين لاحقا هي كالتالي «أعشاش الملائكة، نـحيب الأبـجديَّة، ما وراء حنجرة المغنِّي، وأَلَنَّا لهُ القصيد».. لماذا هذه الغزارة في الإنتاج والتي ربّما جاءت على حساب الجودة في بعض الأحيان؟

أتصوّر أحياناً أنّ الغزارة في الإنتاج الشعري تعني الغزارة في المعاناة الإنسانية ومحاولة تطبيب آلام تلك المعاناة في مشافي اللغة، ولكنني في أحيان أخرى أتصور المقولة التاريخيّة للنِفرّي: «كلَّما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة».. أتصوّر هذه المقولة فأعتقد جازماً أنّ العبارة الشعريّة الحقيقيّة يجب أن تكون أكثرَ كثافةً وأعمق جوهراً من الإنتاج السطحيّ الكثير الذي يتمّ اعتماده هذه الأيام، وربَّما أكون قد وقعتُ في هذه خطيئة السطحيَّة في كثير من منجزي.

حصدتَ الكثير من الجوائز الشعريّة على مستوى الخليج والوطن العربيّ، فما هي أهمّ جائزة حصلتَ عليها، وماذا تعني لك الجائزة؟

أهمّ جائزة فزتُ بِها كانت جائزة البابطين للإبداع الشعريّ عن أفضل قصيدة «عنترة في الأسر» عام 1998م.. وهذه الجائزة هي التي جعلتني أطفو على سطح الصحافة ودفعتني خطوات كبيرة إلى الأمام على طريق الإبداع.. وانطباعي تّجاه أي جائزة أفوز بها لا يتعدّى في البداية الممارسة التقليديّة لإنسانيتّي وهي السعادة بذلك الفوز حيث إنّني لا أدع اللحظة تفقد معناها ولا أترك الفرحة تخسر قيمتها.. ولكن بعد الخروج من زنزانة النشوة - هذه الزنزانة الجميلة - أبدأُ التفكير الجدّيّ في الجائزة فأكتشف أنّها توأم المسئوليّة الكبرى لأنّني يجب أن أتحمّل تبعات الفوز الثقيلة حيثُ إنّ الوصول هو بداية السباق في هذه الحالة.. وهُنا تتحوّل الفرحة إلى قلقٍ إبداعيٍّ يهرول في دمائي وتبدأ الأسئلة بارتجال الضجيج في المسافات من حولي فألمح الأفق ملبّداً بِعلامات الاستفهام.

دائما ما يردِّد الشعراء بأنّ قصائدهم مثل أولادهم يصعب التفريق بينها أو تفضيل واحدة على الأخرى، فهل ستجيبنا بنفس الجواب التقليدي لو سألناك ما هي القصيدة الأقرب إلى نفسك؟

لا، لن أجيبكم بهذه الإجابة التقليدية، وإنما أقرب قصائدي إلى نفسي هي قصيدتي «ما وراء حنجرة المغنِّي» لدرجة أنَّني سمَّيتُ ديوانا من دواويني باسمها. هذه القصيدة تمثِّل رحلتي مع الشعر على كلِّ الأصعدة الإنسانية مُقدَّمةً في قالبٍ مجازيّ وكأنَّها أشبهُ بسيرةِ حياة لنفسي بكلِّ انفعالاتِ هذه النفس وتقلُّباتها وتحوُّلاتها في مضامير الوعي والحبّ والشكّ واليقين.

ما الذي دعاك إلى ممارسة كتابة المقالات الصحفية إضافةً إلى كتابة الشعر؟

هدفي من ممارسة الكتابة الصحفية هو الإطلال على القُرَّاءِ ومحاولة التواصل معهم بشكلٍ دوريّ، بدلا من الانتظار لأمسيةٍ شعرية، أو طباعة ديوان جديد. ما يربطني بالناس هو الحبل الشعريّ الذي يغذِّيني بالإنسانية ويُنميني إلى البشرية، لذلك دائما ما تكون كتاباتي الصحفية عن الشعر وقضاياياه وهمومه كي تكتمل الصورة بين القصيدة التي أكتبها وبين الوعي الشعري الذي أعتمده في الكتابة.

ما هو الوطن في نظرك وكيف يمكن تعريفه من وجهة نظرك؟

بالنسبة للشاعر، الوطن يمثِّل حلماً لا يمكن تحقيقه كامل التحقيق.. الوطن حالةٌ شعريَّةٌ أو حالة مثاليَّة لا يمكن الوصول إليها تماما، وإنما تحتاج دائما إلى بحثٍ دائمٍ كالبحث عن الحقيقة. وربما يكون الشعر هو الوحيد القادر على التعبير عن هذا الحلم المسمَّى مجازا وطناً.

ويشير الصحيح في نهاية الحديث أن الشعر ذو أبجدية خاصة لها رونقها يعتلي بها الشاعر ويعيش القارئ بين أحرفها جو القصيد والكلمات.