آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

قلق الوجود

صالح سياب *

احتجت وأنا أقوم بعملي في التدريب لعمل توضيحي فاستعنت بلوحة كانت معلقة على الحائط قام بإعدادها أحد الأصدقاء. أحسست لوهلة أنه كان يشاركني عملي وكأن اللوحة تتحدث وتنير لي الطريق لأنها كانت تنطق بالمعرفة على لسان صاحبها.

الفكر السائد في تنفيذ المهمات هو القيام بالحد الأدنى منها أو بالذي يفي بالغرض بحيث يضمن أقل خروج آمن دون عواقب لسبب أو لآخر. ولكن السؤال لماذا يقوم البعض بأعمال تفوق ما يجب عليهم القيام به دون مقابل أو حتى مميزات؟! أو ما الدوافع التي تحفز الفرد للقيام بأعمال لن يجني منها مكتسبات مادية؟!

يقول الفيلسوف كيركجارد أحد رواد المدرسة الوجودية أن للإنسان غريزة الخلود، ويهدف في سلوكه إلى الفرار من العدم، ولما لم يؤت قدرة على البقاء، فلذا يحاول أن يشغل نفسه في موارد جزئية وقليلة الأهمية ليتسنى له وضع هذا الأمر في دائرة النسيان بحيث يسلب منه القدرة على التفكير في الخلود والبقاء، وأن التعارض بين هاتين القوتين في الإنسان - أي الميل إلى البقاء وحتمية الفناء - يؤدي إلى تكريس الحيرة والقلق والهم والحزن.

إذن التفكير في حتمية الفناء يؤدي بنا لطريق الهم والحزن والقلق ولكن ما يشير إليه كيركجارد في باطن النص أو المسكوت عنه هو أننا نستطيع أن نحتوي هذا القلق ونوظفه ليكون دافعاً ومحركاً لأعمال إنسانية بناءة تضمن وجودنا وتطبع في ذهنية من حولنا تصوراً بأننا موجودون وإن كنا بعيداً عن مرأى أعينهم أو حتى لو فارقنا الحياة.

غريزة حب البقاء تجعل الإنسان يسلك طريقاً - دون إرادة منه - لممارسات تضمن وجوده، وإنجاب الأبناء على سبيل المثال تعتبر أحد تجليات تلك الغريزة فمعهم يزداد وجود الإنسان وينتشر وبهم يحقق تلك الغريزة الملحة شأنها شأن باقي الغرائز التي تكمن في ذاتية الإنسان السوي.

هذا العامل الغريزي الذي يحركنا وننقاد خلفه دون إرادة منا لو التفتنا له لأمكن أن نوظفه في سلوكنا بعيداً عن الأنانية وصولاً لحب الغير. فبه يعم الخير ويزداد نشاط الفرد لأبعد مستوى له ولنا في الكثير من الشخصيات المعاصرة قدوة وآخرها قصة نجاح خبير التكنولوجيا الحديثة ستيف جوبز الذي كان كثيراً ما يسأل نفسه «ما الذي كنت سأفعله لو كان اليوم هو آخر أيام حياتي؟!»، جوبز أدرك حقيقة الفناء وبدلاً من أن يقع في القلق واليأس قام باستلهام الحكمة منها في حياته وجعلها دافعاً مجنوناً لا يأبه بكل الظروف المثبطة من حوله لسبب اجتماعي أو لأي سبب آخر فقد استطاع ببراعة أن يخوض بعمق في لعبة الحياة قبل أن يفوت أوانها. ويعتبر جوبز مالئ الدنيا وشاغل الناس الذي رسخ أثره التكنولوجي في مسيرة الحواسيب والهواتف المحمولة وهو بلا شك أحد أكثر العقول إبداعاً وحيوية نتاج حياة مليئة بالمعاناة والتحديات.

أخيراً أود أن أعود لصديقي صاحب اللوحة لأنني لم أذكر في بداية المقالة أنه انتقل للعمل في مكان قبل عدة أشهر لكنه رسخ وجوده بيننا بفضل أعماله البناءة التي لم ينتظر عليها أجراً قط. فهل نستطيع نحن أن نبني لنا وجوداً قبل فوات الأوان؟!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
Eiyad
[ القطيف ]: 11 / 2 / 2014م - 12:47 م
نسأل الله أن يوفقنا في أعمال يرضاها تجعلنا من الخالدين.
يا ليت لو يقوم المثقفين بحملات توعية لأصحاب رؤوس الأموال بحيث يوضون أن الخلود يكون في المساهمة في أنشاء مشاريع تطوعية تخدم أبناء المجتمع.
قاصدين بها وجه الحق سبحانه و تعالى.
و في بلادنا نخبة من هؤلاء التجار و لكن نأمل المزيد
قال تعالى: { فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} سورة يوسف : 90
2
الحمد لله
[ القديح ]: 14 / 2 / 2014م - 9:27 م
اما الجمعية فعليها التبرع باكياس الرز وتشطيب المقابر . هنيالك على المقال الرائع وكذالك التعليق .
مدير برنامج رسالة المستقبل