آخر تحديث: 31 / 10 / 2020م - 2:07 ص

الثقافة الجنسية درع حماية لأطفالكم

غادة السيف *

أثناء زيارتي لمعهد ستروهالم بألمانيا وهو معهد متخصص بتدريب الأطفال على الحماية من الاعتداءات الجنسية من أكثر من 23 سنة، أهدتني مديرة المعهد السيدة دجمار رايدل برايدوستاين كتاباً عن الثقافة الجنسية للأطفال، وعندما تصفحت الكتاب الذي يحوي على رسومات توضيحية ومعلومات عن الهوية الجنسية والحمل والولادة وغيرها، أُعجبت كثيراً بمحتوى الكتاب والرسومات التعبيرية التي تناسب الأطفال رغم ما ينطوي عليه ذلك من حساسية!

وفور ذلك لمع في ذهني تساؤل مفاده هل أن مجتمعا كألمانيا بحاجة لتدريس تلك الثقافة لأطفاله ضمن منهج دراسي رسمي رغم الانفتاح التي يشهده؟ ماذا عن حاجة مجتمعاتنا المحافظة لهذه الثقافة والتي ترى أنها من المحظورات؟

دعونا نتعرف على مفهوم الثقافة الجنسية بعيداً عن ما تربينا عليه من ثقافة العيب. هنا أحب أن أوضح بأني لا أتحدث عن مصطلح الجنس بمعناه الذي يمكن أن يتبادر للأذهان أي الممارسة الجنسية، وإنما أتحدث عن ثقافة جنسية، ذلك لأن الكثير يخلط بين الأمرين.

وبحكم طبيعة عملنا في توعية المجتمع بطرق الحماية من الاعتداءات وجدنا أن الكثير من الأمهات يجهلن الحديث عن هذا الأمر نتيجة لثقافة العيب السائدة في أوساط مجتمعاتنا. وهنا أتذكر حادثة مرت علينا منذ فترة بسيطة ”تعرضت“ جنى ”ذات 8 سنوات للضرب العنيف من قبل والدها بينما كانت تلعب بالآيباد لظهور مقطع غير لائق لها أثناء لعبها لكن هذا العقاب لم يمنع فضول“ جنى ”من الاستكشاف عن ما كان يحتويه ذلك المقطع ومحاولة تقليد ما كان في المقطع مع إحدى زميلاتها في المدرسة!“. من الواضح جدا أنه لو كان والد جنى يمتلك أسلوبا أكثر مرونة في توضيح الأمر لابنته بدلا من تعنيفها لكانت النتيجة مختلفة تماما. هنا يكمن الفرق بين تثقيف الأبناء جنسيا أو تعنيفهم نتيجة وقوعهم في أخطاء كان يمكن تفاديها بسهولة!

الثقافة الجنسية في قاموس علم النفس هي استخدام الوسائل المساعدة على معرفة وتوضيح الخصائص الإنسانية المرتبطة به. كما تهتم بشكل خاص بالأبعاد النفسية والتربوية الشخصية في علاقتها مع ذاتها وعلاقتها مع الآخرين.

حقيقة الأمر يمكننا البدء بتثقيف أطفالنا جنسياً من عمر ثلاث سنوات تقريباً. وتشتمل تلك الثقافة على تعريف الطفل بأعضائه التناسلية، وكيفية الاعتناء بها ونظافتها، وتعريفه بارتباط الجنس بالإنجاب، والأماكن الحساسة بجسمه وخطوات الحماية من الاعتداءات..

والسؤال هنا، كم هي عدد المرات التي ربطت ألسنتنا، واحمرت وجوهنا خجلاً عندما يسألنا أحد أطفالنا من أين جئت؟ وكيف؟ والكثير من الأسئلة المحرجة التي لا يحصل الطفل عادة على إجابة عليها!

إن عدم إجابتنا على أسئلة الأطفال ذات الطابع الجنسي أو توبيخهم لجرأتهم، قد يحدث كل ذلك أثرا سلبيا في نفسياتهم. ناهيك عن أنهم قد يلجؤوا للحصول على الإجابة من مصادر غير موثوق بها كالشبكة العنكبوتية أو أحد الأصدقاء مما يؤدي في نهاية المطاف إلى إلحاق الضرر بهم.

لذا يجب أن يكون الأسلوب المتبع في التربية الجنسية أسلوبا بسيطا وواضحا خاليا من التعقيد ولا يلزم تفصيل الأجوبة بقدر ما تكون هناك إجابة واضحة لكل سؤال يطرحه الطفل فهناك الكثير من القصص التي تجيب على أسئلة الطفل بطريقة تربوية.

ويمكن القول بأن الثقافة الجنسية للطفل هي بمثابة درع وقائي من الاعتداءات الجنسية التي قد تقع عليه. فقد أظهرت الدراسات أن 70٪ من المعتدى عليهم جنسياً تم التحرش بهم أولا، ثم تم الاعتداء عليهم وكل ذلك نتيجة جهلهم «الجنسي» بما يدور حولهم.

كما أكدت دراسة نفسية تشيكية حديثة على أهمية معرفة الآباء بالثقافة الجنسية الصحيحة لأطفالهم بدلاً من حجبها عنهم. وأوصت الطبيبة النفسية يانا برشيزينوفا في تلك الدراسة باتباع عدة خطوات لتأمين النجاح في عملية التثقيف الجنسي للأطفال ومنها:

 يفضل التحدث إلى الأطفال عن الجنس في وقت مبكر أي قبل دخولهم المرحلة الأساسية من الدراسة.

 يتوجب على الأهل عند شعورهم بعدم المقدرة على التحدث عن القضايا الجنسية لأولادهم وبناتهم تأمين الكتب والمواد التثقيفية الجيدة حول الأمر.

 يتوجب التحدث مع الأطفال عن الجنس كما يتم الحديث معهم عن أي مسألة أخرى والتحدث عن ذلك بشكل صريح.

 التحدث بشكل مبكر عن الخصوصيات وعن الحدود التي يتوجب على البالغين أن لا يتجاوزوها اتجاه الأطفال مهما كانت علاقة القربى بهم مثل التشديد مثلا على أن الشخص الغريب أو القريب من غير المسموح له بأن يمدّ يده إلى الأماكن الحساسة في جسم الطفل.

وأود أن ألفت انتباه الآباء لنقطة أخيرة في غاية الأهمية وهي من الصعب جداً إثبات اعتداء المقربين على الأطفال، وقد أثبتت الإحصائيات في المملكة صحة هذا، فحسب ما نشرته الصحف المحلية مؤخراً وبعد حادثة ”طفلة المصعد“ إن ”90% ممّن يتعرضون للتحرش الجنسي يكون الاعتداء عليهم من قبل أشخاص معروفين للطفل وعائلته وعادة ما يكونوا محل ثقة“.

وأنا في رحلة العودة من ألمانيا كنت أتساءل إذا كانت هذه البلاد المنفتحة تسعى إلى تثقيف أطفالها جنسياً وتعد البرامج التربوية لحمايتهم من الاعتداءات الجنسية فكيف بمجتمعاتنا المحافظة؟!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
الحمد لله
[ القديح ]: 28 / 2 / 2014م - 1:57 ص
شعب ما يشبع ولا يعرف غير الجنس اللهم سلط عليهم الهم والغم ولاترحمهم ابدا
2
عبدالباري الدخيل
[ تاروت ]: 28 / 2 / 2014م - 10:20 م
مقال جميل ويستحق القراءة والنشر
اقترح على الاخت غادة ان تعين الاسر بجمع الاسئلة المحرجة ومحاولة الاجابة عليها ونشرها في كتاب يساعد كما ذكرت الاسر على مواجهة الحرج الحاصل من ا لاطفال
اكرر شكري على هذه اللفتة الجميلة
متخصصة في حقوق الطفل
المدير التنفيذي لمركز وعي للاستشارات التربوية والتعليمية