آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 12:32 م

الريال السعودي والعامل الكوري

فاضل العماني * صحيفة الرياض

حينما كنتُ في ال15 من عمري، حدثت هذه القصة الطريفة التي أحفظها عن ظهر قلب، ومازالت محفورة في عقول وقلوب مجتمع تاروت، هذه الجزيرة الوادعة الجميلة التي تطفو بأناقة وهدوء على الخليج العربي.

القصة أو النكتة باختصار، أن أحد الكوريين الجنوبيين الذين كانوا يعملون في الشركة الكورية التي تُنشئ قطاع الصرف الصحي في هذه الجزيرة، بل وفي عموم المنطقة الشرقية، لم يدفع ريالاً لأحد الباعة البسطاء الذين يملكون بقالة متواضعة ثمناً لقارورة مشروب غازي، بحجة أنه قد نسي محفظته، وسيدفع ذلك الريال في وقت آخر. البائع الطيب، وافق على مضض كي لا يخسر زبائنه الكوريين الذين يملأون المنطقة بكثافة، إذ لا تجد سوقاً أو شارعاً إلا ويغص بالعشرات من هؤلاء العمال الكوريين.

مر يوم وآخر، ولم يحضر ذلك الكوري المستدين، فما كان من البائع الظريف إلا أن كان يقول لكل كوري يقابله أو يحضر لبقالته: ”لو سمحت جيب الريال اللي عليك“، لأنهم أي الكوريين وكما نظن طبعاً بأنهم يتشابهون، بل ويتطابقون، فيصعب التمييز بينهم.

هدفي من هذه القصة الطريفة التي مازال البعض يتندر بها، رغم مرور كل تلك السنين، ليس الكتابة عن الحالة البسيطة والجميلة والعفوية التي كنا نعيش بها، أو لإشاعة جو من الابتسامة والبهجة والمتعة للقراء. لا، لم تكن تلك هي اهدافي النبيلة، رغم أهميتها الكبيرة وحاجتنا الماسة لها، خاصة في هذه المرحلة الزمنية الصعبة والمتشنجة والمتسارعة والتي تحتاج إلى بعض مصادر ومظاهر الفرح والطرافة والسخرية، والتي قد تُضفي حالة من الراحة النفسية والمتعة الانسانية.

الهدف الرئيسي من تلك النكتة، هو الكتابة عن حالة التطور والتحول التي تمر بها الشعوب والمجتمعات والأمم، وهي حالة طبيعية وصحية ومتكررة، ويحفظ لنا التاريخ في سجلاته القريبة والبعيدة، الكثير من التجارب والقصص والتحولات التي غيرت من وجه وملامح وتفاصيل العديد من تلك الشعوب والمجتمعات والأمم.

الامثلة كثيرة جداً، ولا يمكن حشدها في مقال أو عدة مقالات، بل هي تحتاج إلي تأمل ودراسة وتحليل، بل وإلى محاكاة وتقليد واستنساخ.

لقد استطاعت الكثير من الشعوب والأمم أن تنفض عنها غبار التخلف والجمود والفقر والبطالة والحاجة والتبعية والاعتماد على الآخر، ونجحت بسواعد وعقول أفرادها ونخبها وملهميها أن تبني حاضرها وترسم مستقبلها، مع الاحتفاظ طبعاً بماضيها الجميل. المانيا وفرنسا والصين واليابان وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ وتايوان وسنغافورة وماليزيا والبرازيل وجنوب افريقيا. القائمة طويلة جداً، ومرشحة دائماً للزيادة، لأن الطموحات والتطلعات التي تحملها الشعوب والأمم لا حدود لها، وهنا أقصد طبعاً، تلك التي قررت أن تعيش في الضوء وتتصدر مشاهد الحياة، لا أن تسكن الظل أو تقبع في زوايا الهامش والنسيان.

فقط، من بين كل التجارب الملهمة لتلك الدول الصاعدة إلى منصات التطور والتقدم والازدهار العالمي، سأطوف سريعاً حول التجربة الكورية الجنوبية، والتي أطلق عليها العالم ”معجزة نهر الهان“. ومع أن تطور الامم عبر التاريخ، ليس بمعجزة لا يمكن فهمها أو فك طلاسم نجاحها، إلا انها تعتمد على طبيعة ونوعية الشعوب والمجتمعات والأمم التي يختلف فيها منسوب الطموح والإصرار والأحلام والأهداف.

تعود نشأة الدولة الكورية إلى سنة 2233 قبل الميلاد، عندما تأسست أول مملكة في شبه الجزيرة الكورية، وهي ”مملكة شون سون“. وقد عانت كوريا من الاحتلال الياباني الذي أذاق الكوريين كل أصناف العذاب والمهانة والإذلال، بل إن فترة الاحتلال الياباني لكوريا تُعتبر الاقسى في تاريخ هذه الامة العظيمة، وقد حاول اليابانيون طمس الهوية الكورية بالكامل، ولكن نهاية الحرب العالمية الثانية شهدت هزيمة مذلة لليابان التي انسحبت على اثرها من شبه الجزيرة الكورية عام 1945، ولكن حلم الاستقلال الذي انتظره الكوريون طويلاً تأجل أيضاً، ولكن هذه المرة بسبب الامريكيين والسوفيات الذين تقاسموا شبه الجزيرة الكورية، حيث سيطرت القوات الامريكية على الجنوب، وقوات الاتحاد السوفياتي على الشمال. وبعد حروب ضارية ومدمرة بين الشمال والجنوب، قُسمت شبه الجزيرة الكورية إلى جزأين، وثُبّت خط الهدنة، وكان ذلك عام 1953.

منذ ذلك الوقت، بدأت كوريا الجنوبية مرحلة الصعود والبناء والتطوير، والتي طالت كل القطاعات والمجالات. خلال 50 عاماً فقط، شهدت كوريا الجنوبية نمواً اقتصادياً هائلاً جعلها في مصاف الدول الصناعية الكبرى، بل وتحتل المرتبة 11 في مؤشر التنمية البشرية متجاوزة بريطانيا وفرنسا وايطاليا واسبانيا.

هذه الدولة الحديثة التي تحررت من احتلال بغيض، وخرجت من حروب وأنقاض وركام ودمار، بدأت حياة جديدة، بل ورائعة حد الالهام. هذه الدولة التي كانت تُعتبر من افقر بلاد العالم وفقاً لتقرير صادر عن الامم المتحدة عام 1950، والتي كانت تعيش على المساعدات والمعونات والهبات من مختلف الدول، والتي من بينها الدول العربية كمصر مثلاً، وكان معدل دخل الفرد لا يتجاوز ال 50 دولاراً، وعانت من حرب أهلية طاحنة بين الشمال والجنوب استمرت لأربع سنوات، وسبقها احتلال ياباني بشع، وحدث بها دمار واسع شمل كل القطاعات والبنى التحتية والوحدات السكنية والمصانع وشبكة السكة الحديدية ومحطات توليد الكهرباء.

كوريا الجنوبية، كانت أشبه بلوحة من الانقاض والدمار والخراب، ولكنها استطاعت أن تُولد من جديد، لأنها كرهت حياة الفقر والذل والمهانة والتخلف، وتطلعت لحياة المجد والعزة والتميز.

50 عاماً فقط، كانت كافية جداً، لأن يصنع الكوريون واقعهم الجميل، لتصبح كوريا الجنوبية أحد أهم مصادر الإعجاب والفخر والإلهام في العالم، كل العالم.

حينما أعود لقصة البائع السعودي والعامل الكوري، ترتسم في وجهي ابتسامة، ولكنها بطعم الحزن. نعم، عاد لنا الكوريون بعد عدة عقود، ولكن بشكل مختلف وبواقع مذهل.

هذه المرة، عاد الكوريون الجنوبيون، ليسوا كعمال بسطاء في قطاع الصرف الصحي، ولكن كرواد في صناعة الاجهزة السمعية والبصرية والإلكترونية، وكأمة ملهمة تُسهم في تطور المسيرة الإنسانية، بل وتتحكم في الكثير من التحولات والاقتصاديات العالمية الكبرى.

الريال الذي ضاع في زحمة الوجوه الكورية المتشابهة قبل 3 عقود، لم يعد لصندوق تلك البقالة الصغيرة التي لم تعد موجودة أصلاً، ولكننا الآن نُنفق مليارات الريالات لأحفاد ذلك الكوري.