آخر تحديث: 16 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

النص الأدبي والمعيار الأخلاقي في السنة الشريفة

حسين الخليفة

روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال:

”أصدق كلمة قالتها العرب كلمة لبيد“

إشارة إلى قصيدته المستهلة بقوله:

" ألا كل شيء ما خلا اللهَ باطلُ............ وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ

وكلُّ أناسٍ سوف تظهرُ بينهم.......... دويهيَّةٌ تصفرُّ منها الأناملُ... "

نلاحظ أن الحديث الشريف قد جعل من صدق النص معياراً للتفضيل. وفي ضوء الدعوات المعاصرة لنقد النص الأدبي نقداً ثقافياً يركز على المضمون ويحاول استظهار قبحيات النص المتوارية خلف البلاغة الشكلية وخلف التقنيات التي كون من خلالها الشاعر بنية النص استجابة لإغراءات الخطاب النقدي.. أتصور أن الدعوة إلى النقد الثقافي ما هي إلا استجابة لتوجيه الرسول - ﷺ - في وضع مؤشر البوصلة باتجاه المضمون ليصار إلى الحكم بجمالية النص أو قبحه.. وفي اعتقادي أن دائرة الكتابة ستتسع شيئاً فشيئاً في هذا المشرب؛ فهو أكثر التصاقاً من غيره بالنزعة الإنسانية - والشعر غرِّيدها -، كما أنه سيعمل على إنقاذ نتاجاتنا الجديدة من الوقوع في منزلق التألُّه الذاتي المتضاد وكينونة الإنسان باعتباره كائناً اجتماعيَّاً، وسيضع الشعراء الشباب أرجلهم على عتبة الإبداع الحقيقي حين يكون إبداعهم إنساني النزعة والتفاعل مع قضاياه وهمومه وتطلعاته.

وينبغي أن يُعلم - هنا - أننا لا نريد قصر إبداعية النص على المضمون، ولكيلا يقال إن الدعوة تلك ستدخل كل المنظومات في دائرة الشعر وإن لم تتصف بصفاته الإبداعية. بل إن الدعوة تلك تريد أن تذكر شبابنا الشعراء بما وقع فيه أدب الدول المتتابعة الموسوم بأدب عصر الانحطاط حين حسب أن إبداعية النص تتجسد بالمحسنات البديعية، فوقع في فخ البلاغة الشكلية، فلم ينتج تركيزه على الشكل إلا نظماً مشوهاً، والتشويه جاء من الانحياز إلى الشكل ليس غير.

ولعلنا - والحال هذه - سنعتذر لأنفسنا حين نرفض مقولة الجاحظ «المعاني مطروحة في الطرقات..» ونقف مع تجليات ابن شهيد الأندلسي صاحب التوابع والزوابع حين رأى أن الإبداع الحقيقي ينتج عن تصفية النفس والوصول إلى نبع الروح الصافي والنهل منه وإذا ما تدفق معين الروح، فإنه سيلبس شفافية روحه الألفاظ المناسبة.. فالمعنى أو المضمون سيوفق بمقدار صدقه بإنتاج أسلوبه واختيار ألفاظه.

والمقالة - بتطرقها إلى إشكالية اللفظ والمعنى في النقد القديم - لا تريد أن تقول إن هذه الإشكالية بتفاصيلها لا تزال حية في الأدب الحديث وقضاياه التطبيقية والتنظيرية، بل إنها تلمح إلى المعادل الموضوعي - إن صح التعبير - فتقنيات النص الحديث من قبيل توظيف الأسطورة والرمز وتسويد بياض النص بسيل من التفاصيل لتحقيق شعرية التفاصيل أو استعارة تقنيات القصة والرواية كالحوار والإرجاع وتقنيات تيار الوعي ووو.. - أقول إن كل ما تقدم من تقنيات لا ينتج وحده نصاً شعرياً إبداعياً، وقد يبقى النص في دائرة النظم إذا كوَّن علاقته مع تلك التقنيات تكوين نص أدب الانحطاط مع البلاغة الشكلية.

ولي أن أتنبَّأ بأن نتاج الحداثة العربية الأدبي سيودعنا قريباً بعد اقتناعه بعدم قدرته على البقاء وسيرحل منكسراً إلى أرشيف المكتبة الأدبية يحكي لأدب عصور الانحطاط مغامراته التي آلت به إلى ما آل إليه صاحبه العتيد.