آخر تحديث: 26 / 5 / 2019م - 3:43 ص  بتوقيت مكة المكرمة

لا للنقاش.. نعم للهواش!

حسين العلق *

في حادثة شهيرة في المنطقة، اعتاد عدد من الأخوة من كبار السن الحضور عند قاض محلي للبت في ملكية أرض عائلية متنازع عليها مع طرف آخر، وفي كل مرة ينفض المجلس بطرد القاضي لهم جميعا بعد معركة كلامية حامية، وفي احدى المرات قال أحد هؤلاء الأخوة ممن عرف بالجرأة واشتهر بحس الدعابة دعوني هذه المرة أتفاهم مع القاضي والتزموا انتم الصمت، فدخلوا جميعا واستخرج صاحبنا ورقة من جيبه تثبت ملكية الأرض وعليها ختم القاضي نفسه، فخاطبه بهدوء شديد مصطنع وهو يضغط على أعصابه؛ شيخنا القاضي؛ هذه الختم الموجود على الورقة ختمك أم ختم ق.. ي، مشيرا إلى مؤخرته باللهجة المحلية، فانتهى النقاش بطردهم مجددا!

تلك كانت قصة حقيقة ساخرة يعرف الكثيرون عنها في منطقتنا، لكنها في حقيقة الأمر تعبر عن جل نقاشاتنا التي غالبا ما تنتهي قبل أن تبدأ، إذ لا فرق عندنا بين النقاش وبين ”الهواش“، وفي أحسن الأحوال تنتهي سريعا على قاعدة ”صلوا على محمد واخزوا الشيطان“!.

ربما جاز القول ان غياب النقاش الفكري والحوار العقلاني في مجتمعاتنا هو ”أم الأزمات“ بلا منازع!. فأنى التفت المرء فلا يكاد يقع على نقاش هادئ لقضية من القضايا، رغم ما ترزح تحته مجتمعاتنا من أزمات على مختلف الصعد والمجالات. لاحظوا الحوارات المباشرة تحديدا، سواء على شاشات التلفزيون أو الإذاعة أو مواقع التواصل الاجتماعي، ستجدون الانفعالية والمغالبة والرغبة في إحراج الأطراف الأخرى بأي وسيلة مقدمة على أي هدف آخر، وذلك على حساب الحوار المنطقي وتبادل الآراء بموضوعية والرغبة في وضع الحلول والبناء على القواسم المشتركة!. ولذلك أكاد أجزم بأننا في مربع الحوارات الهادئة بلغنا حد الأزمة إن لم تكن ”أم الأزمات وأبوها“.

حقيقة الأمر، لم تشرع البرلمانات والمجالس والمنتديات وما يسمى بمراكز التفكير ”الثينك تانك“، نزولا إلى الطاولات المستديرة في المقاهي، إلا اعترافا بالقيمة العليا لحرية الفكر والتعبير وفضيلة النقاش وتبادل الآراء في مختلف شئون الحياة، والتي يعزى لها الفضل في تقدم المجتمعات، وبمتابعة لوقائع الكثير من النقاشات في تلك المجتمعات نجد بأن الفضيلة العظمى لدى المتحاورين هي الإنصات وفهم الآراء الآخرى أولا، ثم الرد عليها بهدوء وهكذا دواليك. في مقابل ذلك لم تتعود الآذان بعد في مجتمعاتنا على مجرد الاستماع للآراء المختلفة، ولذلك تنحو دائما نحو ترجمة كل رأي مختلف باعتباره شتيمة، وكل فكرة معاكسة هي هجوم شخصي وإساءة لا تغتفر!، كما لو أن شعارنا بات ”لا للنقاش.. نعم للهواش!“

وعلى هامش الكلام، يحضرني في هذا السياق التراشق القائم بين عدد من المثقفين المحليين على خلفية إصدار أدبي لأحدهم. فلازلنا نراقب منذ نحو الشهر ما يمكن ان نسميه حربا باردة بين عدد من المثقفين المحليين، الأصدقاء الأعزاء جميعا، وكم كان بودي أن يرتقي النقاش بينهم إلى مستوى النقاش بين الكبار. فباستثناء النقد المتوازن الذي قدمه اثنان من الأدباء الشباب اختار ثلاثة آخرون الهبوط إلى مستوى لا يليق بهم من كيل التهم والغمز واللمز والإستهزاء من على الصفحات الشخصية في فيسبوك. هذا مجرد مثال حي وإلا فإن مثله الكثير مما شهدنا ولانزال.

ان غياب النقاشات الهادئة بين المثقفين والأدباء، في حالتنا الآنفة مثلا، فضلا عن غيرهم من النخب السياسية والدينية والاجتماعية، لاشك وأنه يعبر عن حجم الهوة التي تغرق فيها مجتمعاتنا. وصدق الشاعر؛ إذا كان رب الدار بالدف ضاربا فشيمة أهل الدار كلهم الرقص!

جماع القول، الرأي المختلف لا يعني شتيمة الآخر، ولا ينبغي وضعه ضمن سياق الممارسة الكيدية وتصفية الحسابات، فالفضاء العام ليس ملكا لطرف بعينه ولا حكرا على فكرة واحدة مهما علا شأنها!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
حسن لباد
[ العوامية ]: 14 / 4 / 2014م - 11:07 م
مع شديد الأسف،
في أغلب الأحيان يكون دافع نقاشنا مبني على نتيجة مسبقة وهي الانتصار لآرائنا حتى لو لزم تسفيه الآخر أو حتى تسقيطه.

مع خالص الشكر والتحية أبو علي
كاتب سعودي