آخر تحديث: 22 / 6 / 2017م - 4:42 م  بتوقيت مكة المكرمة

ديرة تاروت تروي مأثوراتها باللؤلؤ وسعف النخيل في حي ال 5000 عام

جهينة الإخبارية محمد العبدالله - صحيفة عكاظ
سوق تاروت عام 1955م

يعود تاريخ حي الديرة في قلب جزيرة تاروت كما تقول الكتب الى اكثر من 5 الاف سنة، ويعد من اقدم المدن في منطقة الخليج بأسره، ويستمد الحي اهميته القصوى من وجود الموقع الاثري الشهير. فالحي لا تتجاوز مساحته 125.000 متر مربع، وفي وقتنا الحالي يضم الحي عدة منازل، يعود عمر بعضها الى اكثر من 200 عام ويمثل الطراز القديم للفن المعماري في منطقة القطيف والخليج اذ ان المنازل المتقاربة والأزقة الضيقة ذات الجدران العريضة وكلها مواصفات لمعمار يكون اقل حرارة صيفا واكثر دفئا شتاء.

آثار ضائعة

الباحث والمؤرخ محمد المصلي يذكر ان حي الديرة يعد من اولى المناطق التي شهدت التجمعات السكانية، فهو ضمن المناطق المحاطة بالاسوار كما هي الحال بالنسبة للقلعة حيث تحاط بسور كبير لحمايتها وبها بوابتان شمالية - جنوبية، وظل حي الديرة موطنا للاثرياء والتجار، اذ ان غالبية البيوت الموجودة في الحي لاسر ثرية تعمل في مجال التجارة والغوص، بالاضافة لكونه مركزا تجاريا مهما للمنطقة، حيث ترسو السفن المحملة بالبضائع القادمة من افريقيا وزنجبار والهند قبالة المرفأ القريب من جزيرة تاروت.

ويضيف المؤرخ المصلي، ان حي الديرة يكتنز تاريخا يحكي حقبا زمنية طويلة من الحضارات التي عاشت في جزيرة تاروت، واغلب الاثار التاريخية خرجت خلسة الى بعض الدول، لافتا الى ان شركة آسيوية عملت على انشاء شبكة خدمية ساهمت كثيرا في ضياع الكثير من الاثار، حيث وجدت في الموقع كنوز لا تقدر بثمن ولا يعرف اصحابها قيمتها، الامر الذي دفع تلك الشركة لاستقدام خبراء لتقييم تلك الكنوز وارسالها لبلادها.

البوابة الخادعة

المصلي يضيف، ان البعثة الاولى والاخيرة التي قدمت لجزيرة تاروت لدراسة الاثار هي البعثة الدانماركية في العام 1386 هـ ، حيث عملت على دراسة الاثار وقامت بجهد اثمر في تأليف كتب عن الجزيرة باللغة الدانماركية، فضلا عن اخراج الكثير من الاثار التي ما تزال موجودة في الدانمارك. مشيرا الى ان السور الذي يحيط بحي الديرة يوجد به بوابتان هما البوابة الشمالية وتقع قرب المسجد الذي ما يزال قائما حتى الوقت الحالي بجوار حمام باشا، وان البوابة ازيلت في العام 1380 هـ  عند ادخال آلة الحفر للعمل على استخراج المياه من البئر الارتوازية. أما البوابة الثانية هي الجنوبية وتوجد بجوار «بيت المعيبد»، فيما توجد بوابة صغيرة تعرف باسم «البوابة الخادعة» بجوار بيت الشيخ احمد السيف وهذه البوابة ليست رئيسية وانما تستخدم من البعض للدخول والخروج.

فن العمارة

المصلي يشرح طبيعة العمران في حي الديرة قائلا، ان غالبية المنازل في الحي تعتمد على العمارة الافقية، بسبب صغر مساحة المنازل اولا وارتفاع قيمة الاراضي في المنطقة ثانيا، وهو الامر الذي يفسر سيطرة التجارة واصحاب الغوص على غالبية بيوت الحي، فيما يسكن الفلاحون ومتواضعو الحال في البساتين، فيما يسكن البحارة في سنابس.

واوضح ان بيوت حي الديرة قديمة للغاية، فالبعض يعود لاكثر من 150 عاما. مضيفا، ان جده عمل على بناء منزل في الحي ابان الحرب العالمية الاولى بعد تعرضه للافلاس، كونه من التجار في الجزيرة، مبينا ان النمط المعماري لبيوت حي الديرة هو على غرار العمارة المعمول بها في منطقة الخليج مثل البحرين وقطر والكويت، حيث تعتمد على قلة النوافذ وكثرة الروزنة «تجويف»، فيما يصل سمك الجدار الخارجي الى متر تقريبا، حيث يبدأ سمك الجدار في التناقص حتى يصل لادنى مستوياته في الاعلى، فالدور الاول يتضمن الدار، والدور الثاني غرفة، والدور الثالث عريش مكشوف، والدور الرابع خلوة.

عزل حراري

الباحث والمؤرخ سلمان رامس يشير من جانبه الى أن حي الديرة الذي يتوسط جزيرة تاروت يقع على أرض مرتفعة عما جاورها وهي أكثر بقع جزيرة تاروت ارتفاعا، ويعد أقدم الأحياء في الجزيرة، بل وفي المنطقة قاطبة، واستمر فيه العمران، وشغله الإنسان لأكثر من خمسة آلاف سنة. مضيفا ان حي الديرة يتميز بطابعه العمراني القديم، فالأبنية قريبة من بعضها كثيرا، واستخدم في بنائها الحجر الذي كان يجلبه السكان من البحر، ولو سجلنا زيارة للحي الآن سنجد بعض البيوت قد انهارت، وبعضها آيل للسقوط، ويمكن والحال هكذا دراسة المواد المستخدمة في البناء، مثل جذوع النخل، الشندل أو الدنشل، الذي يجلب من الخارج، وسنجد أن سماكة الجدار تصل إلى 60 سم، بهذه الطريقة هندس الرجل التاروتي هذه البيوت وجعلها معزولة حراريا.

منازل شهيرة

المؤرخ «رامس» اشار الى أن قلعة تاروت الاثرية من اهم معالم الحي ويعود تاريخها الى اكثر من 5000 عام، حيث موقع عشتار الشهير الذي يعد اقدم موقع في منطقة الخليج بأسرها. موضحا ان حي الديرة لا تتجاوز مساحته 125.000 متر مربع، وانسان المنطقة اعتمد على ما يتوافر في البيئة من مواد مثل الأحجار التي كان يجلبها من البحر كما اعتمد بشكل كبير على مكونات النخلة، اذ ذكر «لوريمر» في دليل الخليج في مطلع القرن العشرين عند حديثه عن تاروت، انها كانت مسورة وان الكثير من المنازل خارج السور.

واضاف ان من أشهر المنازل في حي الديرة واكبرها، منزل آل سيف والجشي والسني والمصلي، لافتا الى ان الحي يعتبر أنموذجا فريدا للأحياء القديمة في المنطقة، داعيا إلى استغلاله سياحيا وهو الامر الذي تسعى اليه الجهات المختصة وتؤكد عليه في خططها المستقبلية، لكن الملاحظ هو بطء تنفيذ الخطط.

آثار تحت عمق 13 مترًا

عتقد أن حي الديرة، شيد قبل أكثر من 200 عام على تلال مرتفعة، وأغلب منازله ذات طراز متشابه، وهي مبنية من الحجارة والطين، وقد تحطمت أغلبها بسبب الإهمال وحركة التحضر، حيث توجد بها حارات وأسواق ومساجد، ويوجد في معظم البيوت تصاميم إسلامية وأقواس، وما زالت بعض البيوت باقية حتى الآن بشكلها العمراني القديم، مليئة بالآثار المتناثرة هنا وهناك. وصممت غالبية المباني على الطراز المعماري القديم، فقد كانت مقسمة إلى بيوت معمارية تعتمد على جذوع النخل والجندل، والأكواخ التي تتألف من الجريد والسعف. ويعود عمر حي الديرة إلى آلاف السنين، وتقع تحت أبنيتها طبقات أثرية بعمق 13 مترا تعود إلى العصر الدلموني، وهي تتوسط جزيرة عشتار، وكانت أهم مراكز دلمون قبل 3000 عام سبقت الميلاد، ويحيط بالديرة «القلعة» التراثية، التي يرجع تاريخ بنائها إلى عام 927 هـ ، فيما يعتقد بعض باحثي الآثار، أن أهالي تاروت بنوها قديما لتحميهم من الغزاة.

بانوراما سياحية في الأرخبيل

عضو المجلس البلدي في محافظة القطيف، المهندس جعفر الشايب، دعا الهيئة العليا للسياحة والآثار الاهتمام بتطوير منطقة الديرة، ومعالجة أوضاع البيوت الآيلة للسقوط، مطالبا في الوقت نفسه، الأهالي الاهتمام بالمواقع الأثرية والتاريخية المهمة، مشددا على أهمية مساهمة جميع الشركاء تفاديا لتدهور أوضاع المنطقة التاريخية، وبالتالي صعوبة حمايتها أو القدرة على ترميمها بالصورة اللائقة.

ولفت الشايب، الى أن المجلس البلدي منح البلدة القديمة في تاروت اهتماما بالغا، حيث عمد إلى تقديم دراسة متكاملة للهيئة العليا للسياحة والآثار تتناول حي الديرة وجزيرة تاروت، مبينا، أن الدراسة تناولت عدة اقتراحات منها، نزع ملكيات للممتلكات الواقعة في البلدة القديمة على مراحل ثلاث، إما بإشراك الملاك في مشروع استثماري طويل المدى، أو عبر تملكه بواسطة الهيئة العامة للسياحة والآثار، وإنشاء بانوراما سياحية داخل الديرة.