آخر تحديث: 27 / 10 / 2020م - 2:59 ص

الحد الأدنى للأجور وتوطين الوظائف

زكي أبو السعود * صحيفة الشرق السعودية

لم يكن في بلادنا «باستثناء الحجاز» بعد توحيدها على يد المغفور له الملك عبدالعزيز جهازا حكوميا كما كان في بعض الدول المجاورة ولا بالمستوى الذي كان معروفا في دول ملكيات أوروبا إلى ما بعد قروسطية، فالملكية المطلقة «التي تعتبر مرحلة متقدمة في تاريخ الملكية الأوروبية» شيدت لنفسها جهازا بيروقراطيا مركزيا لحماية مصالحها وفرض سلطتها دون منازع، وهذا ما حاول المؤسس القيام به في سعيه لتوطيد حكمه بتأسيسه بعض المديريات الضرورية لدولته الفتية، إلا أن الانطلاقة الحقيقية في بناء الجهاز الحكومي المركزي كانت في الخمسينيات عندما تم تأسيس مجلس الوزراء وتحويل بعض المديريات إلى وزارت لها أنظمتها وفروعها، وهو ما يوصف بالمرحلة الأهم في تعزيز وتشكيل الملكية السعودية والتي قادت إلى ما نعيشه الآن من نظام ملكي بمواصفاته الحالية.

ولمعالجة ضعف البنية الاقتصادية والحاجة إلى رفع المستوى المعاشي للناس وتوطيد الأمن في أرجاء البلاد دور في تأسيس جهاز حكومي بيروقراطي يتنامى العاملون فيه باضطراد، ووفقا لما أعلن مؤخرا فإن وزارة الداخلية وحدها ستقوم بتوظيف ستين ألف مواطن مما يجعلها الوزارة الأكبر في عدد منسوبيها، كما أعلنت وزارة التربية والتعليم أنها ستقوم بتوظيف خمسين ألف امرأة، وهذا ما سيرفع عدد العاملين المدنيين لدى الدولة الذين يتجاوز عددهم 400 ألف «حسب إحصائيات العام الماضي»، وربما يبلغ عدد العاملين في القطاعين الأمني والعسكري رقما مشابها، أي هناك ما يقارب المليون شخص يعمل مباشرة لدى الحكومة، وهو ما يستنزف جزءا كبيرا من الميزانية السنوية.

إن هذا العدد ليس كبيرا حين مقارنته بالبلدان النامية حيث البطالة المقنعة سمة من سمات الأجهزة الحكومية ولكننا سنجده مرتفعا حين مقارنته بالدول الرأسمالية المتقدمة، وذلك بسبب فعالية الأداء ومراقبة الفساد من جهة، ولمهام الحكومة في البلدان النامية من جهة أخرى، فالدور التنموي والمسؤولية الاجتماعية من المهام الأساسية للحكومة وأي إقلال فيهما سيكون له مردوده السلبي على مستوى حياة الناس وخلق ظروف التنمية، وفي الوقت نفسه أن استمرار هذا الجهاز في التضخم دون خطط مدروسة سيفقده فعاليته التنموية ويجعله عبئا ثقيلا صعب المعالجة.

إن ما حدث في الأسابيع الماضية من اعتصام لمجموعة من خريجي المعاهد الصحية أمام وزارة الصحة مطالبين بتعيينهم في الوزارة أسوة بزملائهم الذين أعلن عن تعيينهم مؤخرا بعد طول انتظار يعكس مدى صعوبة العمل في جهة أخرى غير وزارة الصحة، أو أن العمل في غير هذه الوزارة ليس بتلك الجاذبية التي تجعلهم يقبلون عليه بذاك الحماس، وذلك أما بسبب الأجر المنخفض، أو غياب الأمان الوظيفي أو لعدم وجود آفاق الترقي والنمو وهو ما يتطلب من وزارة العمل والجهات المسئولة الأخرى أن تتدخل لمعالجة هذه الأمور وبشكل خاص مسألة الحد الأدنى للأجور. أن الإصرار على عدم فرض حد أدنى للأجر لكل مهنة معينة يجعل من مسألة توطين الوظائف أمرا شاقا وغير قريب البلوغ.

بكالوريوس في القانون الدولي، ودبلوم علوم مصرفية. مصرفي سابق، تولى عدة مناصب تنفيذية، آخرها المدير العام الإقليمي…