آخر تحديث: 23 / 10 / 2020م - 11:53 ص

رحلة إلى مشهد!!!

أحمد شرف السادة

وطأت قدمي أرض مشهد العزيزة لأول مرة وأنا أحمل في عقلي وقلبي صور عدة كنت قد رسمتها عنها وعمن سأراهم أو من سيضعني القدر للتعامل معه بشكل لاإرادي مرة موقف وموقف وثالث وإذا بصدمات متتالية تنتابني وتجعل تلك الصور السابقة في خانت المثاليات وتساءلت بيني وبين نفسي.

لماذا هذا الشاب مغترب في لباسه؟ ولماذا هذه الفتاة لا تراعي الحجاب الإسلامي؟ وتبدو متبرجة للأجانب؟ ولماذا سائق التاكسي وحتى المضيف في الطائرة يشعرونك بعدم تمتعهم بأخلاق المهنة؟

فضلا عن الأخلاق الإسلامية؟ أني أرى النساء في بلادي أكثر حشمة والشباب أكثر التزاما وأما مظاهر اللباس وتسريحات الشعر التي رأيتها فهي لا توحي إلا بمقولة «خالف تعرف» أو بعقدة النقص _والعياذ بالله_.

في أحد الأروقة الطاهرة للمرقد الشريف لذلك الأمام المعصوم حفيد آبائه السبعة ووالد أبنائه الأربعه_ عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام_اسند ت رأسي على أحد الاعمده وترادفت في فكري تلك الأسئلة ويبدو إن عمق التفكير قد ظهر على معالم وجهي فاقترب مني أحد السادة يبدو انه في الخمسينيات من عمره والذي لم أنتبه لوجودي بجانبه وأخذ يلاطفني ويبادرني التحية والسلام وشيئا ف شيئا عرفني على نفسه بكونه «أغا أبو الحسني» وسألني كأنك متضايق من أمر ما؟ أبديت مختلج في صدري من أمور لها طابع التحسر والتأسف خصوصا وانه متمكن من اللغة العربية مما شجعني على الاسترسال في الحديث معه لشعوري تجاهه بارتياح نفسي وتذكرت حينها مقولة «الأرواح جنود مجنده ماتعارف منها أئتلف وما تناكر منها أختلف» دعاني لتناول القهوة في احد المقاهي الجميلة التي تحيط بها الطبيعة الخلابة وقال لي مار أيك بأن نقوم برحلة سياحية منوعه؟ فوافقت الرأي.

زرت معه أحد المساجد التي تقام فيها صلاة الجماعة نساء ورجالا. وبعد انتهاء الصلاة رأيت مجموعة من الشباب في مقتبل العمر وهم يجلسون حلقات حلقات يرتلون القرءان بكل خشوع فقال لي: لاتنسى هذا الموقف يا ولدي. ثم زرنا منطقه سياحية أخرى في أعلى أحد الجبال وإذا بها تنتهي بعدة قبور لشهداء جهاد البناء جلست حولها أمهات وفتيات الالتزام واضح على محياهن وهن يقرأن القرءان والأدعية حول تلك القبور ثم قال لي بعد أن قرأنا الفاتحة: تذكر هذا الموقف يا عزيزي.

عدنا سويا إلى الفندق محل سكني وعندما ارتجلت من السيارة دعوته للضيافة فقال لي: نرتب ذلك لاحقا لأني غدا في الصباح سأكون مشغولا مع العائلة حيث سندلي بأصواتنا في انتخابات الدورة العاشرة لرئاسة الجمهورية وسأكون على اتصال معك قلت له: أنتظرك بشوق يا سيد وكان الفضول يدفعني أن أرى بأم عيني مايقوله عن الانتخابات ولحسن الحظ كانت هناك مايشبه الحسينية بالقرب من الفندق وعليها لافتات توحي بأجواء من هذا القبيل وفعلا عزمت ومنذ الصباح على المرور من قرب على تلك الحسينية ولكني لم أرى زحاما كثيفا ولكن بعد انقضاء ساعتين لم أستطع المرور لشدة تزاحم المقترعين فشدني ذلك المنظر وانتابتني مشاعر من الأسف والتحسر على واقعنا حيث رأيت جميع الطبقات المختلفة من النساء والشباب والكهول والفتيه يقفون في طوابير ومعالم العزة والفخر مرتسمة على وجوههم.

فجأة رن جرس هاتفي النقال وإذا صديقي أبو الحسني يقول لي: سلام.... أنا هنا أراك من بعيد هل لديك مشكلة؟ وتحتاج إلى شيء؟. أخبرته بسبب مجيئي واتفقنا على اللقاء نهاية اليوم تلبية لطلبي بضيافته وفعلا حضر في الموعد المحدد حاملا معه حقيبة صغيرة وبعد العشاء قال لي هذه بعض الكتيبات التي تحمل في طياتها بعضا من تاريخ الثورة الاسلاميه وبدء حركه السيد الأمام والموءامرات التي أحكيت منذ أكثر من 30 سنة ضد الدولة الإسلامية وبمختلف المستويات تصفحها بقدر ماتستطيع وإذا رغبت في الحديث حولها في أي وقت فأنا مستعد. فاتفقت مع السيد أبو الحسني على كتابة عناوين عريضة لتلك المؤلفات لقصر إجازتي وفعلا تصفحتها لعدة أيام حتى اقترب موعد اللقاء والذي اتفقنا أن يكون مساء الخميس ليلة الجمعة بعد الانتهاء من مراسم دعاء كميل والذي كنت أظنه في إحدى باحات الحرم الرضوي إلا أنه اقترح مكانا خاصا بمدرسة ابتدائية قريبه جل الحاضرين هم من دون سن الخامسة عشر سنه يقيمون مراسم الدعاء بالتناوب بينهم وبحضور معلميهم وفعلا شعرت بعد الحضور في تلك المراسم بمشاعر مميزة دفعت السيد أبو الحسني للبدء بالحديث معي لقوله بأن هذه الأجواء الطيبة ستخلق سلوكا ايجابيا إذا ماتوا فرت العناصر الأخرى. ثم بادرني بالقول هل قرأت تلك الكتب؟ فأجبته: لقد انتهيت من قراءة بعضا منها وتصفح البعض الآخر فقال لي: مارأيك أن نتناول قدحا من الشاي في أحد المقاهي للتباحث حول الموضوع؟ فوافقت على الفور وأتذكر أن اسم ذلك المقهى درباري وهو مكان أنيق ونظيف به جانب تقدم به «الشيشة لمن يرغب» على شكل جلسات منفصلة بعد الجلوس قال لي: أريدك ياعزيزي أن تستعيد رحلتك السعيدة هذه ومامر فيها من مواقف وما الذي توصلت إليه؟ أجبته سيدي أنه سؤال ليس بالسهل وأخذنا الحوار طويلا إلى أن انتهى الحديث بنا إلى خلاصة تصوير ماحدث وما يحدث على ملة إيران «حسب تعبيره» كالذي يحدث على أسرة كبيرة تعيش في مجتمع كبير إشارة إلى «دول العالم» تريد أن تثبت إلى نفسها وللآخرين أن لها قيمة وحضارة وأطروحة جديدة وسط الأطروحات الأخرى إلا أن تلك الأسر المتعودة على أسلوب التسلط والهيمنة لاتقبل بذلك مما يجعلها تتفنن في اختراق أفراد تلك الأسرة بكل السبل فبداية تكون المواجهة مباشرة وانفعالية وإذا لم يجدي هذا الأسلوب تلجأ إلى أساليب أخرى فالمهم عندها الفوز بحرب القيم والمبادئ فهي تعيش بروح الاستعلاء والتعالي وعندما لاينفع الهجوم المباشر على أفراد تلك الأسرة يتم اللجوء إلى أساليب أكثر مكرا ودهاء وخبثا أشبه ماتكون بغسل الأدمغة وباستخدام شتى الأساليب ذات المزايا التي تخاطب الغرائز والهوى وحب الدنيا والتعلق بها.

ولكي نضع النقاط على الحروف نجد أن دول الاستعلاء والتكبر وجدت أن الذي حدث في إيران كبقعة جغرافية إستراتيجية هامة منذ عام تسعة وسبعين وتسعمائة وألف ميلادي أفقدها توازنها ومصالحها بشكل استدعى أن تشن حربا عسكرية مباشرة وبأدوات مختلفة وبمستويات متعددة فلم تنجح في هدفها ثم لجأت إلى المقاطعة الاقتصادية والعسكرية والعلمية مؤملة أن تحقق الخنوع والخضوع إلا أن حساباتها كانت مخطئة جدا فعوض ذلك ظهر الإبداع والتميز والتقدم على جميع الصعود حتى قال الأمام رضوان الله عليه مقولته المشهورة «الخير فيما وقع.»

فكلما فرضت عليها العقوبات كلما تقدمت الأمة علميا واقتصاديا فخلق هذا الوضع عند الأعداء رد فعل وحشي أكثر دهاء ومكرا جعل خططهم تتلون بألوان جميلة وبملمس مخملي ناعم ولا شك يا ولدي إنهم يستغلون أي تباين في الآراء والمواقف ويجيرونها لصالحهم معتمدين على المكنة الاعلاميه الضخمة التي تلعب على وتر الشباب والفتيات والمأكل والمشرب والرفاهية والترف يكفي أن أذكر لك يا عزيزي انه قبل سنوات ذكر لي شاب من منطقتكم انه دخل للتبضع في أحد المحلات التجارية وسأل البائع هل عندكم «كورن فليكس»؟ فعلق رجل يقف إلى جانبه بأنه بعد الانقلاب أي الثورة لاتوجد مثل هذه المواد وكأنه يقيم الدماء التي بذلت من أجل تأسيس حكم أسلامي بوجود «الكورن فليكس»!؟ واليوم لم يسقط الأعداء ايضآ التلويح بين الفينة والأخرى بورقة القوة العسكرية وبموازاة ذلك لا يألون جهدا في تسخير أدواتهم الإعلامية من فضائيات وأقمار صناعية وشبكة عنكبوتيه لتأليب الرأي العام واستغلال المواقف الشخصية وخلط الأوراق ودس السم بالعسل والتشدق بشعارات براقة لخلق جيل جديد منزوع من القيم التي من أجلها جاهد وكافح الشعب وقياداته المختلفة وقدموا الشهداء والتضحيات.

وهنا أطرقت برأسي واسترجعت تلك المواقف التي رأيتها وبدأت شيئا فشيئا أستوعبها بشكل آخر وأحللها بطريقه أخرى فقلت للسيد: حديثك جميل جدا يثير في نفسي الدافعية للقراءة أكثر عن تاريخ جهاد علمائنا ومراجعنا والتعرف على خطط الأعداء. وكم كنت أتمنى أن تطول رحلتي إلا أن الدارسة سوف تبدأ الأسبوع المقبل ورحلة العودة يوم الخميس.

فقال السيد أبو الحسني: بني الحبيب يجب أن لا نتسرع في تحليل الأمور بشكلها الخارجي فهذا الشعب قد انعم الله علية برشحه من رشحات الإيمان وهم ليسوا كلهم ملائكة. وأتمنى أن أراك قريبا في مدينة قم المقدسة حيث أقطن هناك لمواصله الدراسة والتدريس لتقرأ المعالم الأخرى ونقوم بزيارة لبعض الشخصيات وتقول كل مافي خاطرك وهواجسك. فتفقنا على وضع خطة لزيارة قم المقدسة في الأشهر القادمة بعد أن زودني برقم هاتفه.

تلك رواية قالها لي أحد الطلبة أثناء زيارته لمشهد في العطلة الصيفية والى أن تتم رحلته القادمة إلى مدينة قم المقدسة لنا حديث أخر.