آخر تحديث: 27 / 10 / 2020م - 2:59 ص

جردة حساب لثورة 25 يناير المصرية

يوسف أحمد الحسن * صحيفة الدار الكويتية

أصاب ذلك المفكر العربي كبد الحقيقة حينما قال ان مصر هي قلب العالم العربي وهي مقدمة القاطرة التي تأخذه إلى مختلف الاتجاهات.. فقد تقدمت العرب في التعليم في العصر الحديث والتي ما لبث أن شمل البلدان العربية، وتقدمته عندما حاولت التغيير في حركة الضباط الأحرار في القرن الماضي، فرأينا كيف انتشرت الفكرة في غير دولة بنفس الاسم وبأسماء أخرى. وعندما بدأت حركات الربيع العربي في تونس ثم انتقلت إلى مصر ونجحت في الخامس والعشرين من يناير 2011، فقد تفاءل النشطاء العرب بالحدث المصري وبإمكان انتقاله إلى بلدان أخرى. ولذلك فقد كانت العيون مصوبة تجاه القاهرة والقلوب تتوق إلى أي حدث يحصل هناك طوال الشهور الماضية من عمر ثورتها. ومن هنا تظهر أهمية مصر التي طالما كانت قلب العروبة النابض.

والآن وفي الذكرى السنوية الأولى لهذه الثورة فإن جردة حساب سريعة لما حققته تضعنا بجلاء أمام واقعها ومستقبلها.

فأهم ما حققته الثورة المصرية هي قدرتها على إسقاط رئيس بقي حاكما لمصر لثلاثة عقود، وكان عازما على تمديدها حتى وفاته ثم توريثها لابنه جمال. وكان مما يميز هذه الثورة وطنيتها وسلميتها حتى اللحظة الأخيرة، وحتى عندما كانت هناك محاولات لجرها إلى العنف.

وكان من مكتسبات الشعب المصري حرية التعبير التي ظفر بها وكشفت مدى التعطش لها بعد حرمان طويل منها. ولذلك فعندما زرت ميدان التحرير قبل عدة أشهر لم يكن عسيرا علي أبدا اكتشاف الزخم الهائل الذي يلف مختلف شرائح الشعب المصري الذي تحول فيه الجميع إلى محللين سياسيين من الدرجة الأولى - كل حسب خلفيته - بدون وجود أسقف للنقاش أو النقد. فقد كان الميدان يعج بمختلف الأفكار والتوجهات، وكل كان يعبر عن وجهة نظره حتى يخيل للمرء أن العالم يبدأ وينتهي في هذا الميدان، وكان بالفعل يجسد أن مصر «أم الدنيا»، ويجعلنا نتساءل أين كانت هذه الجموع وأين كانت هذه الأحزاب قبل عدة أشهر أيام حكم مبارك.

كما حفل العام الأول بأول انتخابات حرة ونزيهة بنسبة مشاركة مرتفعة عبر عنها مستشار اللجنة العليا للانتخابات عبد المعز إبراهيم حينما قال إنها «أعلى نسبة مشاركة منذ عهد الفراعنة». وقد حققت هذه الانتخابات ما هو معروف من فوز الإسلاميين بنحو ثلثي مقاعد مجلس الشعب «62 في المئة»، وتراجع بعض الأحزاب العريقة، وإخفاق شباب الثورة في الحصول على مقاعد معتبرة رغم دورهم الجوهري في إطلاق واستمرارية الثورة حتى إسقاط مبارك.

لكن العام الأول للثورة كان أيضا حافلا بالعديد من المشاكل والعقبات التي عادة ما تكتنف مسيرة أي ثورة تمر بفترة انتقالية حساسة. فالمجلس العسكري الذي بلغ بشعبيته العلياء وظلت الجماهير تردد طيلة أيام الثورة «الشعب والجيش يد واحدة»، وكانوا يحتضنون جنوده وضباطه ويلقون عليهم الورود، تحولوا بعد ذلك إلى أعداء للثورة عند البعض أو على الأقل عقبة أمام تقدمها. وقد كيلت للمجلس العسكري وللجيش مختلف التهم بعد أن حصلت أحداث دامية سقط فيها العديد من الشهداء والجرحى التي اختلف الجميع في تحديد المسؤول عن سقوطهم. وتحولت الشعارات من مؤيدة للجيش إلى معادية له أو للمجلس العسكري على الأقل في ميدان التحرير. ورغم أن المجلس العسكري قد وقع في عدد من الأخطاء مثل التأخر في محاسبة ومحاكمة رموز نظام مبارك، والتأخر في استرداد الممتلكات المنهوبة، إلا أن العديد من الأحزاب السياسية برأت الجيش من تهم عديدة منها القتل وألصقتها بمندسين أو مخربين حاولوا تشويه سمعته وسمعة الثوار وضربهم ببعض، وبالتالي تشويه سمعة الثورة وإيصال الجماهير إلى درجة من اليأس يحنون فيها إلى العهد السابق وربما يقبلون بأي حلول وسط لا تأخذهم إلى التغيير الشامل.

ورغم بث البعض لإشاعات عن تمسك المجلس العسكري بالسلطة لأطول مدة ممكنة أو محاولته الحصول على امتيازات بعد تخليه عنها في نهاية يونيو القادم - كما صرح بذلك الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر بعد لقائه مع أعضاء المجلس، إلا أن المسار العام لحركة الثورة المصرية لا يشي بهكذا توجه، خاصة مع الزخم الثوري العالي الذي لا يزال يصبغ الشارع المصري، واستعداده للمواجهة مقابل الاستمرار في الخيارات الشعبية التي وصل إليها عبر صناديق الانتخابات..

فالديمقراطية مع مشاكلها لا تزال عنده أحلى من الدكتاتورية مهما ظهر عليها من استقرار وهدوء ظاهري. هي كالدواء الذي يعالج المرض لكن تبقى له آثار جانبية مؤقتة. ويعلم الناضجون من شباب الثورة ومن الأحزاب السياسية أن أهداف الثورة لا تتحقق في عام واحد وأن هذه فقط بداية المشوار الذي يحتاج إلى تضافر الجهود والمحافظة على السلم الأهلي ومزيد من الوعي من أجل اكتمالها.