آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 11:14 ص

الطبيب والتغريب

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة الشرق

تعد فنون التواصل Communication skills من المهارات المطلوبة في توصيل المعلومة الصحية للمرضى وذويهم، ومن الركائز المهمة في الخطة العلاجية.

لكن هناك مشكلة طرأت على مجتمعاتنا بسبب التداخل اللغوي والثقافة الغربية أثرت على أساليب التواصل وعقّدتها لمَنْ لا يجد مرونة بلغته لاستيعاب اختلاف اللهجة أو اللغة أو الثقافة مع مَنْ يتحدث معه. وتزداد تلك العقد عندما تكون العلاقة بين الطبيب ومريضه، لأنها تتطلب استيعاب المشكلة وتشخيصها وتقديم النصح للتعامل معها.

كانت لإحدى زميلاتي تجربة سيئة أساسها التواصل في أحد المستشفيات المحلية الكبرى، حين نقل لها خبر إصابتها بمرض عضال، فالطبيب نقل لها الخبر بصورة جافة مهنية بحتة، بدون أدنى مراعاة، وذلك بحجة أنها ما زالت شابة وبحاجة لطريق طويل للعلاج ولم يهتم لتأثير المرض والعلاج على حياتها الأسرية والمهنية. مع العلم بأن هذا الطبيب درس في أحسن الجامعات الخارجية، والمشفى الذي يعمل به لا يعترف إلا بالشهادات الغربية لتقدير العاملين فيه، إلا أن طبيبنا لم يقتد بمنهج المدرسة الغربية في الطب، التي تهتم بلغة التواصل مع المرضى وذويهم وتقدم لهم الأسلوب الأمثل للتعامل مع المشكلات الصحية.

كما حدثتني صديقة بأنها عندما سافرت للعلاج في دولة غربية، كان من أولويات العلاج، التي قدمت لها تسهيل التواصل مع الطبيب بوجود مترجم مؤهل لغوياً ونفسياً أيضاً، وحرص الفريق الطبي على التواصل معها ومع أسرتها بطريقة ساعدتها على تقبل المرض والسير نحو العلاج مهما كان صعوبته.

ربما تكون تلك مشكلة فردية تعتمد على شخصية مقدم الخدمة، التي لا تقاس ضمن قبوله في وظيفة ما إلا بحدود تواصله مع جهة المقابلة، التي تختلف جذرياً عن التعامل مع المرضى حتى باستخدام اللغة، فالمقابلة أحياناً تجرى بلغة إنجليزية حتى لو كان مَنْ يجريها عرباً، خصوصاً في المستشفيات المتخصصة التي تعتبر الإنجليزية والشهادات الغربية أساساً في القبول فيها للحصول على منصب مرموق. ويتضح أن التأثر بالغرب من خلال علومه ولغته دون الاهتمام بجوهر العلاقة والتواصل بين المريض وطبيبه، التي يهتم بها بالغرب أيضاً، علماً بأننا نسبقهم - بالطبع - أن ديننا الحنيف أوصانا بأن االكلمة الطيبة صدقة.

يدفعني ذلك للتساؤل: هل نظام التدريب له دور في تخفيف التفاوت الفردي في مهارات التواصل التي أراها من أساسيات تقديم الخدمة للمتعاملين سواء كانوا مرضى أو ذويهم، أو بالعلاقة مع زملاء العمل والمجتمع؟

فعلى سبيل المثال أولت زمالة طب الأسرة أهمية كبيرة في فنون التواصل ضمن منهجها التدريبي ووضعتها ضمن أحد معايير التقييم للحصول على شهادة الاختصاص، وذلك حتى لا يخضع تعامل الطبيب مع مريضه للاختلافات الفردية المتوقع تفاوتها بين الأشخاص. كما تُجرى تطبيقات عملية لتدرب وتقيّم الطبيب في كيفية التعامل مع المريض بمختلف حالاته النفسية والمرضية، وأيضاً كيفية تبليغ المرضى أو أسرهم الأخبار السيئة التي تخص حالتهم الصحية.

فن التواصل ضرورة مهنية في مهنة الطب، ومع الأسف فإن ثقافة التغريب في المجتمع الطبي تميل للأخذ من الغرب القشور، اسم الشهادة ومنشأها، اللغة الإنجليزية والتحدث بها، التي باتت تنتشر حتى بين الخريجين الجدد أو طلاب الطب، الذين تخرجوا في جامعات محلية، فتراه يتحذلق لغوياً بلكنة غربية وهو يتعامل مع زملائه المتحدثين بالعربية أو مرضاه، وبات التركيز على استعمال اللغة الإنجليزية والحصول على الشهادات الغربية أهم من مضمون المعلومة وتوصيلها والممارسة الصحية الآمنة وتحقيق حاجة المرضى.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي