آخر تحديث: 8 / 8 / 2020م - 9:06 م  بتوقيت مكة المكرمة

آل محيف: 60 ألف صورة هي هديتي لهذا المجتمع الكريم

جهينة الإخبارية حوار: سلمان العيد - مجلة الخط – العدد 41
الحاج علي عبدالله آل محيف
  • بيتي بات معرضا دائما لوجهاء وعلماء وأدباء سيهات
  • أولادي يتابعون مسيرة التصوير ولكن بتقنيات أخرى

حينما ذهبت إلى منزله، أو معرضه الدائم للصور، في حي العمال «الطابوق» بمدينة سيهات، وجدتني أمام عدد هائل من الصور المعلقة، فضلا عن أضعاف أضعافها في الألبومات بمختلف الأحجام، حينها تبادرت لي مجموعة أسئلة واستفسارات، أهمها كيف تم إعداد هذه الصور، ومن هو ذلك المصوّر الذي يملك من الوقت والمال لكي يجمع أكثر من 60 ألف صورة، يعرض بعضاً منها على جدران منزله، في إطارات أعدّها من حسابه الخاص؟

تصوير علي عبدالله آل محيفتلك هي قصة الحاج علي عبد الله آل محيف، هذا الرجل الذي دخل منتصف عقده التاسع وهو يحمل روحاً عالية، وموهبة اعتبرها الكثير من الناس بأنها موهبة خاصة بالشباب، بل بصغار السن.. وإذا كانت هذه الهواية مزدهرة في عصر الإنترنت أو العصر الرقمي أو عصر الكاميرات شديدة الدقة، فكيف بشخص يتعاطى مع هذه الهواية قبل أكثر من60عاماً، فلا شك في أنه رجل سبق عصره.

الهواية بين أرامكو والبحرين

آل محيف  وعلى ضوء حديثنا معه ومع عدد من أبنائه وأقاربه  يبلغ من العمر 85 عاما، فهو على وجه الدقة قد ولد في العام 1930 كان قد التحق للعمل في شركة أرامكو يوم كان عمره 18 عاما، وكان ذلك في العام 1948 إذ منها ”ولدت“ الكاميرا الأولى التي اشتراها من أحد الأميركان ب 25 ريالاً، مع أن راتبه لم يكن يتعدى ال 6 ريالات، لكنه  من أجل هذه الهواية المتمكنة منه داخليا  قام بتوفير المبلغ من راتبه، حتى تمكن من شراء الكاميرا، فكانت أولى خطواته في هواية التصوير.. وفي هذا الشأن أوضح بأن العمل في الأرامكو أضاف له الشيء الكثير، حيث كان يواظب على تصوير زوار الشركة، وشاءت الظروف أن يتلقط صورة للمغفور له الملك عبدالعزيز خلال زيارته إلى الشركة، وللمنطقة الشرقية، وولي عهده الامير «الملك» سعود، والملك فيصل وعدد من الأمراء والوزراء.. وشاءت الظروف أن المنطقة الشرقية لم تكن تضم في جنباتها أي معمل لإخراج الصور بعد تحميضها، وكان من يريد ذلك يذهب إلى البحرين، وكان إلى أمريكان يذهبون إلى هناك من أجل هذا الغرض.

ولفت آل محيف إلى أن الظروف خدمته أيضا، فقد كان يعمل في المنطقة الشرقية، لكنه مقيم مع والدته في البحرين، التي انتقلت إلى هناك بعد وفاة والده، واقترنت بشخص يحمل الجنسية البحرينية، والشركة كانت تمنحه تذاكر للذهاب إلى البحرين، فكان يستغل فترة وجوده في البحرين للقيام بتحميض الأفلام هناك.. موضحا بأن الكاميرا باتت جزءا من حياته الخاصة، لا يسافر بدونها، وكان يمارس هوايته في التقاط الصور، فقد زار العراق والاردن وسوريا ومصر والتقط صورا نادرة لمعالم هذه البلدان، إضافة إلى معالم المنطقة الشرقية، ما زالت موجودة في متحفه القائم في منزله، وإن اندثرت تلك الآثار ولم يعد لها وجود.

تصوير علي عبدالله آل محيفولأنه كان يقصد البحرين كل اسبوع، وذلك في فترة ما قبل إنشاء الجسر، فيذهب لها بالطيران أو عن طريق البحر، فيرجع المنطقة الشرقية محملا بنتائج الزيارة، هي مجموعة صور فوتوغرافية، لشخصيات أو لمواقع أثرية، أو مواقع حديثة، ومع مرور السنوات وبعد أن كانت المنطقة الشرقية تحاكي التطورات العالمية، ومع ظهور معامل التصوير «استوديوهات» بات يتعامل معها مباشرة.

مصادر الصور

لقد كان الأمر لافتا للنظر، إذ تجتمع 60 ألف صورة فوتوغرافية، بعضها ملون، وبعضها كبير، ما عرض على الجدران لا يمثل سوى عينات من تلك الموجودة على صفحات الألبومات، فمن أين اتت وكيف تم جمعها، فكانت الإجابة منه بأن بالإضافة إلى كونه مصورا، ويملك كاميرا ينتقل بها من مكان إلى آخر، فهو يقوم بعملية الجمع، فلا يترك مناسبة يحضرها الا ويلتقط لها صورة، ويطلب نسخا من إصحاب المناسبة بتزويده بالصور، فوق هذا نقل هذه ”الهواية“ إلى أولاده، الذين أكدوا بدورهم وجود هذه الهواية لديهم، وهم ماضون فيما ابتدأه والدهم.

كما كان يذهب الى معمل طبع الصور «الاستيديو» يوميا، ويقوم بطبع الصور بعد تحميضها، وحينما لم يكن في المنطقة الشرقية أي معمل لطبع الصور في المنطقة كنت أذهب بالكاميرا الى البحرين، وهناك يتم استخراج الأفلام وطبعها.

والمفاجأة في الأمر أن آل محيف الذي لا يقرأ ولا يكتب، فهو في هذا الجانب ”أمي“، لكنه يملك ثقافة واسعة، تجعله يرصد الصورة الجميلة، ويلتقط المعنى الجميل في الصورة، وهو أيضا يتعاطى مع كل جديد في هذا العالم، فهو اقتنى كاميرا مستعملة من امريكي، لكنه اشترى أخرى وثالثة ورابعة، حسب تطورات الزمن.. وكان يتابع آخر التقنيات في هذا الشأن، فبعض الصور تم التقاطها بالأسود والأبيض، لكنه قام بتلوينها من خلال بعض المعامل التي تقدم هذه الخدمة، هذا قبل مجيء التقنيات الرقمية التي تجري جملة عمليات جراحية على الصور، وقبل ظهور التصوير الملون.

تصوير علي عبدالله آل محيفأضافة الى مجهوده الذاتي في التقاط الصور على مدار خمسين عاما، فهو يحظى بإهداءات من هنا وهناك، من قبل زملاء الهواء، ورفقاء الدرب، والاصدقاء، فضلا عن المؤسسات التي لا تتوانى في تزويده بأي صورة يرغب في اقتنائها، وفي كثير من الأحيان كان يدفع مبالغ مادية ليست قليلة للحصول على الصور، وتكبيرها وتلوينها ووضعها في إطارها الخاص، هذا فضلا عن أن علاقاته الواسعة مع معامل تحميض وطبع الصور أتاحت له مجالا للحصول على بعض الصور المتوافرة لديها، بعضها مجانا كونه عميلا لهذه المعامل، او بعضها بمقابل مادي، يتوقف على أهمية الصورة.

آليات الحفظ والعرض

أما كيف يحتفظ بالصور فقد أوضح بأن الاحتفاظ كان يتم في الألبومات، ولكن  بموجب اقتراح لأحد الاصدقاء  قام باختيار صور الشخصيات، والعلماء، والأدباء، وأصحاب الوجاهة الاجتماعية بأن قام بتكبيرها، ووضعها في إطارات «فريمات» وقام بتعليقها في عدد من غرف المنزل بحي العمال بمدينة سيهات.. وخصص جانبا من المنزل الى صور الأموات من شخصيات سيهات، وجانبا آخر لصور الشخصيات التي لا تزال على قيد الحياة، وهناك صور يعود عمرها لأكثر من مائة سنة، فلديه صور لوالد المؤسس الامام عبدالرحمن الفيصل، فضلا عن صور لشخصيات قديمة جدا، وكذلك احتوى المعرض الدائم على صورة لزيارة الملك عبدالعزيز لمدينة الظهران، بعد الإعلان عن استخراج النفط، وأخرى للملك فيصل في زيارة تفقدية لمنشآت الشركة، وصور لمواقع معروفة في القطيف، بعضها لم يعد موجودا، وبعض هذه الصور لم يكن قد عاصرها الحاج آل محيف، لكنه حصل عليها بوسائله الخاصة مثل الشراء واعادة التصوير كما سبق القول.. لذلك بات المجلس بمثابة معرض للصور، بعضها قديم، وبعضها حديث، وكما قال أحد أبنائه بأن سيدة من سيدات المجتمع في سيهات طلبت اقتناء إحدى الصور، وابدت استعدادا لدفع مبلغ من ريال الى مائة ألف ريال.

هذا المعرض حظي بزيارة عدد من المهتمين منهم مجموعة ميجيكل لينس للمصورين الشباب، ووفد من سلطنة عمان خلال فترة دورة الخليج لكرة القدم الأخيرة التي اقيمت في الدوحة.. كما أن المنزل يحظى بزيارة العديد من المثقفين والأدباء وهواة التصوير والتأريخ.

تصوير علي عبدالله آل محيفوحتى يتم الاحتفاظ بكل هذه الصور، أضافة الى الألبومات، والعرض في المجلس والغرف الداخلية، فإن عددا من أولاده قاموا بعملية تخزين اليكتروني إلى تلك الصور، فقد تم طبع 5000 صورة بتقنية المايكرو فيلم، كما تم تصميم صفحة على الفيسبوك وهناك عمل جار لتفعيلها، من اجل الاحتفاظ بالصور، وإتاحتها للعموم في الوقت نفسه..

وكذلك الاشتراك في بعض المعارض لتقديم الصور امام الناس، منها موقع تراث سيهات على شبكة الانترنت، ومهرجان بر الوالدين، حيث اخذنا صور الشخصيات التي انتقلت الى المولى جل شأنه، وشاركنا بها في المعرض، وكانت المفاجأة أن عددا غير قليل من الناس «ابناء سيهات» لا يملكون صورا لوالدهم او لجدهم، وبعضهم جلبوا له صورا يملكونها، وليست بحوزته، وغير موجودة في معرضه الدائم.. وكما سبق القول فإن واحدة من النساء طلبت صورة وابدت استعدادا لدفع أي مبلغ مقابل ذلك.. لكن هذا الإغراء لم يكن ليعني شيئا لدى هذا الرجل المؤرخ.

الصورة تحكي

إن ما يلحظ على المعرض الدائم للحاج على آل محيف، أنه عرض تاريخ المنطقة الشرقية، وتحديدا سيهات، من خلال الصور، كما يقوم آخرون بعرض هذا التاريخ بالآثار، او الكتابة، أو الرسم، فتجد صورا لأجيال مختلفة من المواطنين، تختلف أشكالهم وطريقة ملابسهم.

والملاحظ ان كل صورة يكتب عليها اسم صاحبها، ولو سألته عن قصة تلك الصورة لأعطاك نبذة مختصرة عن الصورة، وعن صاحب الصورة، بل وحتى الوقت الذي التقطت فيه تلك الصورة،

تصوير علي عبدالله آل محيففعلى سبيل المثال كانت هناك صورة قديمة لنادي النسور، الذي بات إسمه نادي الخليج باقتراح من الملك فيصل يرحمه الله.

تلك هي حكاية المحيف الذي يواصل ثلاثة من أولاده هذه المسيرة، ولكن بصورة مختلفة، وبتقنيات أحد، وبوسائل حفظ أكثر تطورا، فلم يعد هناك حاجة لركوب البحر للوصول الى البحرين، خاصة بعد إقامة جسر الملك فهد، هذا فضلا عن انتشار تقنية التصوير في كل زاوية من زوايا المملكة، بل كل شخص يملك هاتفا جوالا يحوى على كاميرا رقمية ذات مستوى عال، كما لم تعد عملية الحفظ مكلفة كما كانت في السابق، فوسائل الحفظ الإلكترونية الحديثة باتت أكثر حيوية وتأثيرا.

تلك الهواية التي جعلت آل محيف محط إعجاب وتقدير وحب قطاعات واسعة من المجتمع، التي ما فتأت تتفاعل مع هذه الهواية، بالزيارة والاطلاع، وتقديم المقترحات، فضلا عن تقديم الهدايا وهي صور لم تلتقطها كاميرا المحيف، الذي يؤكد بأن هذه الصور هي هديته إلى هذا المجتمع، الذي تفاعل معه، طوال السنوات الماضية.