آخر تحديث: 5 / 8 / 2020م - 3:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

نذير الماجد: لم تعد للمجتمع السعودي خصوصية أو هوية مغلقة

جهينة الإخبارية صحيفة الحياة
نذير الماجد
نذير الماجد

وهو يهرب من التعريف بنفسه ويرفض كل وصايا التصنيف ويتمرد عليها، يؤكد الكاتب نذير الماجد أنه يكسر الروتين الاعتيادي، وأن الكتابة الصحافية مجرد حشو ممل، وهذا ما يشوه المشهد، مشدداً على ضرورة اللجوء إلى الكتابة التصادمية الجريئة التي من شأنها خلق حال ثقافية ناضجة وهزة تحرك السكون. وفي حواره مع «الحياة» يوضح الماجد أن مواقع التواصل الاجتماعي أسهمت في سد «جوع» المواطن بالتعبير عن آرائه، لكنها ظلت عاجزة عن إيجاد حال ثقافية بدلاً من «الدردشة والمراسلة»، فإلى الحوار..

كيف تعرّف تجربة الشخص «نذير الماجد»؟

السؤال إشكالي، وعى رهانه الخطر الخطاب الفلسفي منذ اللحظة الإغريقية، مروراً بالخطاب الفلسفي والصوفي في الثقافة الإسلامية، وصولاً إلى الخطاب الفكري المعاصر، فأن نعرف ذواتنا أو نتأولها على الأقل، ذلك هو السؤال الإشكالي والمفتاحي في كل خطاب فلسفي. لا أعني أن كل ما يمت إلى الذات عصي على التحديد، فمن الطبيعي أننا ندرك أن لدينا جسداً يتسم بملامحه الثابتة، وأن لنا اسماً وسحنة خاصة وصوتاً خاصاً متفرداً تماماً مثل بصمة اليد، ما أعنيه هي تلك المنطقة المعتمة والهاربة تماماً، والتي تتسم بطبيعة سائلة ومخاتلة ربما تكون هي الروح أو الوعي.. لا أدري، لكنها ما انفكت تعجز الخطاب المعرفي، على رغم أنها تمثل مكوناً أساسياً في هوية كل فرد.. دعيني أبدأ من تعريف الفيلسوف الفرنسي «جيل دولوز» لشخصية الفرد، فالشخصية ليست سوى «مجموعة من العادات»، وعليه يمكنني القول إنني تعودت على متابعة ما يستجد ثقافياً وفكرياً واجتماعياً، كما تعودت على القراءة والتدخين وأشياء أخرى، لكني أجد أن أهم عادة تمثلني الآن هي الهرب من تبعات هذا السؤال نفسه، الهرب من سطوة التعريف وتبعاته التصنيفية، إن كل ما يشغلني هو التمرد على كل وصايا التصنيف ضمن فئة أو خط أو شريحة أو حتى انتماء فكري أو آيديولوجي.. إلخ.

الحدود لا تقف اليوم عند إطار محدد، والثقافات مجموع يتحرك.. كيف تجد ثقافة الشعب السعودي؟ 

لا أعتقد أن هناك ثقافة خاصة بالشعب السعودي، اليوم في ظل تلاشي كل الحدود والسياجات الثقافية، لم يعد ثمة إمكان للحديث عن خصوصية أو هوية ثقافية مغلقة وثابتة، لذلك سأقوم بإزاحة السؤال نحو واقعة ذات طبيعة إحصائية للاهتمامات الثقافية في المجتمع السعودي، فعلى رغم أن المجتمع السعودي يمثل سوقاً تجتذب الناشرين، ما ينم عن رغبة واضحة في اقتناء الكتب، وهو مؤشر إيجابي بالتأكيد على رغم أن الإحصاءات تضعنا في مرتبة متأخرة من ناحية الإنتاج والاستهلاك الثقافي، فإن ما يمثل تحدياً ثقافياً هو ما يتعلق بالطبيعة الكيفية تحديداً، فالرهان ليس في كمية الإنتاج والاستهلاك، كمية ما يُقرأ أو يُكتب، وإنما في طبيعته ونوعه وعمقه.

تعج صحفنا والمواقع الاجتماعية بمقالات آلاف الكتاب، برأيكم هل تصنع أقلام الرأي تغييراً في الوسط السعودي؟

هناك تصور سائد ونمطي ينبغي أن نضع له حداً، فأن تكتب رأياً أو عموداً في صحيفة، هو في الرؤية السائدة مجرد إعادة إنتاج، انطباعات اجترارية لا تضيف شيئاً مهماً أو جديداً، ما أحال الكتابة الصحافية إلى نقيصة أو وشم ازدرائي، وأظن أن هذه الرؤية المبسطة والاختزالية والكسولة هي وراء تراجع هذا الجنس الأدبي وعقمه، حتى توطنت ذائقتنا على الحشو الممل لكتابات رأي هي في أحسن الأحوال محض تقارير تعاد صياغتها بين هلالين ثم تذيل باسم كاتبها، هذا النوع من الكتابة يشوه المشهد ويضعنا في حلقة مفرغة وكأنها محاولة لتعبئة الفراغ.. في تصوري أن الكتابة الكفيلة بخلق حال ثقافية ناضجة تضطلع بالتغيير هي فقط الكتابة الصادمة، الكتابة المتجاوزة والمحملة بجرعة عالية من النقد وجرأة الخطاب، الكتابة المؤهلة فكرياً وثقافياً لإحداث «هزة» تحرك المياه الراكدة، تحضرني هنا أسماء كثيرة، أتلمس فيها المغايرة والجسارة المعرفية، مثل محمد العلي وتوفيق السيف ومحمد المحمود وإبراهيم البليهي ونجيب الخنيزي وغيرهم

مواقع التواصل الاجتماعي اليوم.. هل أسهمت في تثقيف الشعب أم زادت في مشاكله؟

لدي مقاربة خاصة لوظيفة ودور مواقع التواصل الاجتماعي تنأى بنفسها عن التحديد النسقي التعميمي. بكل تأكيد، مثلت هذه المواقع نافذة لمن لا صوت لهم، وذلك في كل مجتمع مسكون «بالتابو» والمحرمات، إنها ثغرة في جدار الصمت تخفف الكبت، نحن في «جوع» إلى حرية التعبير تكفلها مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها تبدو لي أحياناً مثل صندوق «باندورا» الأسطوري، محملة بكل شرور وأعطاب الواقع الاجتماعي والثقافي، لهذا يتوجب التمييز بين وظيفتها التعويضية، السياسية والاجتماعية، وبين مضمونها العاجز عن خلق تداولية ثقافية رصينة ومتجاوزة تنأى بنفسها عن «المراسلات» و«الدردشات» وتتعمق أكثر في متاهات النص متجولة في أقبية فكر نهضوي كفيل بتشكيل الأجوبة والحلول، المؤسف أن مواقع التواصل الاجتماعي لا تقدم حلولاً للمشكلة بقدر ما هي تدوير للمشكلة

كيف يمكننا زرع مفاهيم الوحدة وثقافة التعايش بين مختلف أطياف المجتمع؟

بالحد من إكراهات الوحدة نفسها، أعني أن التعايش واقعة لا تقوم إلا بإشاعة التعدد ومنح الاختلاف قيمة، بعيداً من كل ميكانيزمات الإقصاء والشطب. وحده الإقرار بالاختلاف والتعدد يمكنه أن يمثل رافعة للتعايش، بحيث تتسع المواطنة للجميع باحتضان جميع الأطياف والمكونات، ما يستدعي من الناحية العملية سن قوانين معنية بالوحدة الوطنية وشفعها بأخرى تجرم التحريض والكراهيات الطائفية