آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:52 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الدكتور الشخص: لم نكن نتصور أن الإعلام العربي يكذب

جهينة الإخبارية حوار/ فؤاد نصرالله - مجلة الخط العدد 12
الدكتور عدنان الشخص
الدكتور عدنان الشخص

• قفزت الدموع من أعيننا ونحن نستمع إلى ذلك الخطاب عبر الراديو لأننا لم نكن نتصور أن الإعلام العربي يكذب!
• نشأت في بيت تقليدي حيث يتواجد فيه أكثر من جيل من نفس العائلة.
• كان والدي واحدا ممن يتذوقون الأدب، فقد عرف بنظم الشعر، وجلساؤه مجموعة من رواد الأدب الحديث في النجف الأشرف.
• في المرحلة الثانوية نالني شيء من التقدير والتنويه من قبل إدارة المدرسة التي رأت أن القصة التي كتبتها ذات مستوى أدبي رفيع!
• مدارسنا بالمملكة جيدة في نواحي كثيرة ولكن ينقصها بعض الأمور المهمة؛ ومنها عدم وجود تقييم دقيق لآداء الطالب.
• بانتقالي إلى بغداد أصبح التحدي واضحا، وهو ما مثل لي حافزا لكي أطلع على التيارات الفكرية إطلاعا عميقا!
• كثير من المفاهيم الرياضية لها تطبيقات هندسية، وحين أدرس لطلابي حتى الآن أستشهد لهم ببعض تلك المفاهيم فيشعرون بأن المادة قريبة من واقعهم.
• التدريس في الجامعة من أجمل المهن؛ فأنت لا تشعر بالملل نهائيا، فدائما لديك مجموعة من العقول التي تنير لها الدرب.
• يشعر المدرس باستمتاع رائع حين يشاهد ولادة حية للفكرة في أذهان الطلبة، وكل مرة يكون الوصول للإجابة بطريقة مختلفة في تفاصيلها عن المرات السابقة.
• يظل التعليم في أمريكا ضرورة تطور وعنصر محفز للترقي وتجاوز المستقر وهي صفات توجد في المجتمعات الفتية
• مشروع " الشراكة المجتمعية " نبحث من خلاله كيف يكون المجتمع داعما للمدرسة بحيث تؤدي دورا فيه شيئا من الجودة
• قياس مدى التقدم الذي سيحدث للطلاب نتيجة هذا الارتقاء هو مهمتنا في مرحلة ما بعد تطبيق مشروع الشراكة
• المحاور الأساسية لتحقيق تعليم ناجح من خلال مشروعي هي: التقييم الفاعل والاعتماد على التدريب والإدارة الواعية
• نقوم بعملية إحياء للمفاهيم التربوية المتطورة استنادا على عنصري العلم والخبرة في تناسق فريد وتجانس مطلوب.
• لدي مشروع كتاب يتعلق ب" الرياضيات والحياة " بحيث يقدم للمواطن العادي مادة معرفية بشكل ممتع ومناسب
• البحث العلمي في الدول النامية ضرورة تعادل استمرار الحياة نفسها
• لابد من الانتباه إلى دور المجتمع كمؤسسات وأفراد في تحقيق البنية العلمية المتطورة وفي مقدمة هذه المؤسسات يأتي دور الدولة
• حين تضع في ذهنك أنك تنير الدرب لعقول الطلاب فإن هناك شيئا مؤكدا هو أنك تقوم بعملية بناء مرتب للأنساق الفكرية
• مارست عملية التدريس في الولايات المتحدة وكان الطلاب أكبر مني سنا
• الثقافة الأمريكية تحترم كل إنسان مهما كانت هويته

هو عالم في مجال الرياضيات، وتربوي ناجح في مجال تخصصه، ولكنه مؤرق بفكرة نهضة الأمة، ورقيها الحضاري الذي يناسب طاقاتها وإمكانياتها وقدراتها الشابة المتجددة. كان من أوائل المعيدين في كلية البترول والمعادن قبل أن تتحول إلى جامعة شهيرة في المنطقة العربية كلها. وحين ابتعث إلى الولايات المتحدة لم يكتف بدور طالب العلم بل سعى لتفعيل الروابط الطلابية التي تربط الطالب السعودي بوطنه، وتمنع عنه أخطار الغربة وفتن الاغتراب.

إنسان مؤمن بما يمكن أن يلعبه العلم من دور في تقدم الشعوب، ولهذا كان مشروعه التربوي لتفعيل دور المدرسة عبر شراكة مجتمعية يقظة، وهو المشروع الذي يمر حاليا بطور التجريب، ولكن يقف خلفه عقل وثاب يمتلك طموحا ساطعا لا حد له. علمته الحياة قيمة العمل الأهلي المنظم، وضرورة الأخذ بمبدأ المبادرة الفردية التي يمكنها أن تمنح مشاريعنا شيئا من الجرأة والإقدام والمصداقية التي يدعمها العلم المستند بقوة على تمسك حقيقي بالهوية العربية الإسلامية التي يدرك أهميتها وضرورتها الملحة في عالم متأرجح بالقلاقل والمحن والأزمات، ففيه تتلاطم كافة التيارات الفكرية من كل حدب وصوب.

إنه الدكتور عدنان الشخص، واحد من أعمدة العلم الحديث في بلادنا، وصاحب الرؤية الفكرية الثاقبة للكثير من قضايانا العربية والمحلية المعاصرة. فهو بهذا التواجد الفعال واحد من الأكاديميين الذي لم تمنعهم أستاذيتهم من الارتباط بالحس المجتمعي الفاعل والمؤثر.

في هذا الحوار نستضيف أستاذنا الكبير الدكتور عدنان الشخص أستاذ الرياضيات بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن سابقا، ليحدثنا عن مسيرته الحياتية، وسيرته الأكاديمية، نبدأ من لحظة الميلاد. ماذا عنها: متى وأين ولد عدنان الشخص، وما هي المكونات الثقافية الأولى التي ساهمت في تشكيل فكره وثقافته؟

ابتدأت حياتي منذ عام 1371 هجرية، في اليوم التاسع والعشرين من ربيع الثاني من تلك السنة ولدت، في النجف الأشرف بالعراق، حيث كانت أسرتي الإحسائية الأصل تقيم في النجف لطلب العلم. في هذه البيئة نشأت. درست في مدارس النجف، وتخرجت من ثانويتها، ثم دخلت جامعة بغداد وتخرجت منها عام 1394 هجرية، وبعد ذلك توجهت إلى الدراسات العليا، في كلية البترول والمعادن آنذاك وقبل أن تصبح جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.

البدايات الثقافية أذكرها جيدا، فقد كان لأجواء مدينة النجف أثر كبير في تشكيل وجداني من ناحية، ولتوجهي نحو طلب العلم من ناحية ثانية، وتذوق الأدب من ناحية ثالثة؛ حيث أن البيئة مليئة بهذه المجالس، فقد كان التشجيع ملحا نحو هذه التوجهات. يبتدأ من المنزل ويتم رعايته من قبل البيئة. في المنزل كان والدي واحدا ممن يتذوقون الأدب، فقد عرف بنظم الشعر، وجلساؤه مجموعة من رواد الأدب الحديث في النجف الأشرف، ومنهم السيد مصطفى جمال الدين، والأستاذ محمد العلي، والأستاذ صالح الظالمي. بدايتي في النجف كانت برعاية الوالد والوالدة فقد جعلاني أتذوق الأدب وأقبل في حماس على التعلم، ولاشك أن هذه التنشئة المنزلية كان لها الأثر الأكبر في توجهي الحاسم لطلب العلم، فلولاها لانصرفنا إلى أمور أخرى.

د. عدنان الشخص مع والده السيد عبد الرضا الشخص وأحد أبنائه
د. عدنان الشخص مع والده السيد عبد الرضا الشخص وأحد أبنائه

وجهتني البداية لإحساس قوي بضرورة النهل من كنوز العلم خاصة وأن البيت الذي نشأت فيه هو بيت تقليدي حيث يتواجد فيه أكثر من جيل من نفس العائلة. عشت في كنف الوالد، وكنا في بيت جدي السيد باقر الشخص رحمة الله عليه، فكنت أشاهد طلاب العلم الذين يأتون للدراسة على يد الجد، وقد شاهدت أجيالا من هؤلاء العلماء، ولاحظت ما يقوم به الجد من متابعته لكتبه وأبحاثه وتحضيره مما جعلني أكبر هذه الروح المعطاءة. كنت أجده في كل يوم يجلس للتحضير لدرسه، مع أنه قد ذُكر لي بعد وفاته بسنوات أن بعض هذه الدروس قد درسها لأكثر من عشر دورات، لكن هذا لم يمنعه من أن يحضر كل يوم لدرسه تحضيرا جيدا. هذا الإحساس القوي بالمسئولية انتقل إلينا؛ فقد صرنا نشعر بحب جارف للكتاب، وحب الاستزادة في طلب العلم والمعرفة.

كنا في هذه البيئة نستمع إلى مجالس العلماء، وندوات الأدباء. كان للوالد صلات عريضة بأبناء المجتمع النجفي، فكثيرا ما يكون الاجتماع في بيتنا، ومن خلال وجودنا وقيامنا بواجبات الضيافة وغير ذلك، نستمع إلى قصيدة وبعد ذلك ننصت إلى ناقد، ثم بعد ذلك نستمتع برد على هذه القصيدة، وكثيرا ما كنا نستمع إلى القصيدة يتلوها رد شعراء آخرين «من نظم الساعة». وهكذا، بحيث نمت هذه القابلية الأدبية عند بعض أفراد الأسرة.

ساهمت الوالدة في النظم، بالرغم من كونها لم تأت من بيئة أدبية، لكنها بحكم اقترابها من ذلك الجو تشجعت على أن تنظم، كذلك حدث نفس الشيء بالنسبة لي ولأخي هاشم، فقد توجهنا لتذوق الأدب والكتابة في هذا المجال. أذكر أن أخي هاشم شارك في مسابقة على مستوى طلاب المدارس الثانوية بالنجف، وكان من الفائزين فيها، وقد شاركت ـ أنا ـ في كتابة القصة. ولذلك نالني شيء من التقدير والتنويه من قبل إدارة المدرسة التي رأت أن القصة التي كتبتها ذات مستوى أدبي رفيع.

شاهدي من هذه الذكريات أن أقول أننا نشأنا في بيت يهتم بالأدب، ويعطي قيمة لطلب العلم، وبيئة ترعى هذا التوجه وتحث عليه. عندما أشير إلى البيئة فهذا معناه أن الحوافز المبدئية كالمسابقة الأدبية التي كانت تقيمها المدارس الثانوية شهدت قبولا مجتمعيا لائقا، فقد اهتم بحضورها كبار الأدباء والشعراء، وكان من المحكمين في هذه المسابقة الشاعر المعروف الدكتور السيد مصطفى جمال الدين، وهو شاعر كبير ولم يمنعه كبر منزلته وارتفاع مقامه الأدبي أن يرعى الفتيان في ذاك الوقت؛ فنحن عندما نقول طلاب الثانوية نحدد شبابا يافعين في سن 16 أو 17 سنة، والدكتور لا يجد غضاضة في الاهتمام بهم ورعاية أدبهم. إنه يقتطع من وقته الثمين لكي يحكم وينقد ويوجه ويشارك في عملية التكريم. هذا ما قصدته من وجود بيئة تساهم في الارتقاء الثقافي والاهتمام بهذا النوع من الهوايات وتلك النزعات المبكرة لرعاية الإبداعات.

كنا نشاهد الرجل الذي يقضي ساعات طويلة في مكتبته وهو يحقق حول موضوع معين، وقد جاء إلى مدرستنا للالتقاء بالطلاب. أذكر أننا جاورنا الشيخ أسد حيدر الذي اهتم بكتابة مؤلف عن الإمام الصادق والمذاهب الأربعة. واهتم الباحث بأن يأخذ كل قضية ويقارن فيها بين رأي الإمام الصادق ورأي المذاهب الأربعة. هذه مسألة تحتاج إلى جهد كبير، كما تحتاج إلى تفرغ، ومراجعة لمصادر الكتب وأمهاتها. مثل هذه البيئة جعلتنا نقدر العلماء وندرك قيمة العلم.

تحدثت حقيقة عن بيئة النجف من خلال المنزل والمدرسة الثانوية، وعلاقات الأب والجد بالعلماء والأدباء. كنا نريد أن نتعرف على بيئة النجف خارج إطار المنزل والمدرسة؟ ثم أنك درست في المدارس العراقية في تلك الفترة. كيف كانت الدراسة وما طبيعة المناهج فيها؟ هل كانت معاصرة ومواكبة لما يحدث في الواقع من تحولات أم أنها اتسمت بالمحافظة والقولبة والتقليدية؟ هل أضافت تلك المناهج إلى تجربتك الشخصية؟

في تلك الفترة عاصرنا حقبة مهمة من تاريخ العراق، وتاريخ العالم العربي؛ وهي حقبة دخول تيارات فكرية طارئة على المجتمع، ومنها التيار الاشتراكي والتيار القومي الذي كانت تموج به الساحة السياسية. أما على مستوى المناهج والدراسة فقد كان العراق يعيش فيها فترة مراجعة المناهج. كان ما يميز المناهج في تلك الآونة هو وجود المعلم الكفء. لم تكن هناك مناهج تختلف كثيرا عما هو موجود في المملكة، لكن ما كان يميز المدرسة العراقية هو وجود المدرس المتفاني في تعليم طلابه، والذي يهتم اهتماما شديدا بأن يعلم كل طالب من طلاب الصف، على أن أسلوب التعليم كان يتسم أحيانا بالجفاء، وباستخدام الشدة والعنف، ولكن يصاحب ذلك إخلاص شديد.

أتذكر موقفا مر بي، وأنا في الصف الأول المتوسط، فقد تم حوار بيني وبين أحد الأساتذة. دار الحوار حول موضوع خارج إطار المنهج، فيما يخص بعض القضايا التاريخية وغيرها، وقد خالفت الأستاذ فيما يرى. لم يأخذ الأستاذ الموقف بشكل سلبي، وإنما أعجب بأمرين. الأول: القدرة على معارضة الأستاذ داخل الصف. الثاني: أن يملك الطالب هذه الجرأة في المعارضة. وشعر أن ما يطرح من رأي لابد أنه قد صدر من شخص ينتمي إلى بيئة مثقفة، فطلب مني أن يتعرف على والدي، وكان الأستاذ قادما من بلده مصر، أي من بيئة خارج إطار النجف. هذا يدل على أن نوعية المعلم كانت مؤثرة ومهمة في تشكيل وجدان الطالب وفي الارتقاء بمستوى التعليم بالعراق. يضاف إلى ذلك موضوع التقييم الدقيق؛ فكان يتم تقييم الطالب ويعطى علامته بدقة. لم يكن هناك تضخم في العلامات كما يحدث حاليا.

مدارسنا بالمملكة جيدة في نواحي كثيرة ولكن ينقصها بعض الأمور المهمة؛ ومنها عدم وجود تقييم دقيق لآداء الطالب بحيث صار يتساوى المحسن والمسيء إلى حد ما. كان الطالب الذي يأخذ درجة جيد بالعراق تجده في المستوى الجيد، أما الطالب غير الجيد فيأخذ علامة معناها أنه " راسب " أو " مقبول". في مدارسنا ـ حاليا ـ نشاهد شيئا من التضخم في العلامات.

هذا على مستوى البيئة المدرسية، أما بالنسبة لوجود التيارات الفكرية التي طرأت على المجتمع العراقي في ذلك الوقت، هذه التيارات الفكرية قادت المجتمع إلى توجهين. وأنا أتحدث عن البيئة الدينية. لقد توجهت جماعة أولى منها بشكل يعارض معارضة غير مدروسة لكل ما تأتي به هذه التيارات، وهناك جماعة ثانية تبنت بعض هذه التيارات، بشكل متسرع لم يتأمل فيها تأملا عميقا. نستطيع أن نضيف لهتين الجماعتين جماعة ثالثة تعاملت مع هذه التيارات الفكرية تعاملا يحاول أن يأخذ منها المفيد، ويلفظ غير المفيد، فتوجه إليها بالنقد الواقعي.

من أبرز الأسماء التي عاصرتها في تلك الفترة؟

حينما أذكر بعض الأسماء التي عاصرتها، فلا يجب أن يتبادر إلى الذهن أنني كنت تلميذا عندهم أو أنني حتى التقيت بهم في مجلس واحد، فبعضهم التقيت بهم واستفدت منهم مباشرة، وآخرين جمعتني بهم مجالس كنت فيها مستمعا فقط، وبعضهم إنما سمعت عنهم وعرفت مواقفهم من تلامذتهم.

فمن العلماء التقيت بالسيد محمد باقر الصدر واستفدت من مجلسه، وسألته مباشرة عن عدة مسائل فكرية وفقهية. وكنا نتطلع إليه على أنه قادر على إعطاء حلول إسلامية متميزة لقضايا كثيرة وبطريقة إبداعية. وكان مجلسه مملوءا بالشباب المتطلع للعمل كي يتقدم المجتمع. وكان يتميز بالتواضع الجم.

والتقيت بالسيد محمد تقي الحكيم وهو أستاذ جيل من الطلبة المتنورين، وكان من المتابعين للقضايا المعاصرة والساعين للتعاطي معها وإيجاد حلول لها. وكثيرا ما كنا نلتقي في مجلس الوالد بشخصيات مميزة مثل سماحة السيد محمد حسين فضل الله "رحمه الله" الذي يتميز بأسلوب جاذب ومؤثر إضافة إلى ثقافته الواسعة والتي مكنته من أن يبرز الكثير من مميزات التشريعات الإسلامية للشباب المتطلع للإستفهام والتساؤل.

وممن أتذكر حضوره المميز، سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمه الله. وقد يضيق المجال لاستعراض جميع الأسماء من العلماء الأفاضل الذين التقيت بهم، أو تعرفت عليهم. ولكن لا بد من ذكر سماحة الشيخ الدكتور عبدالهادي الفضلي الذي كان له علاقة وثيقة بالأسرة ممتدة لأكثر من جيل، هذا إضافة إلى بعض العلماء من أساتذة الوالد وأقرانه وتلامذته.

أما شريحة الأدباء فقد كان لنا مع بعضهم علاقة مميزة وذلك لاهتمام الوالد بالأدب والشعر على وجه الخصوص. فكان لا يخلو أسبوع من لقاء أدبي، ومن أبرز الشعراء السيد مصطفى جمال الدين وو الأستاذ محمد العلي الأستاذ صالح الظالمي وكان للسيد محمد حسن الأمين حضور مؤثر لأننا عاصرناه لمدة طويلة إضافة لما يتمتع به السيد من أريحية وتواضع جذبتنا إليه، وكان يشجع المبادرات الأدبية عند الشباب ويستمع ويوجه بإيجابية.

وممن التقيت بهم الأستاذ عبد الأمير معلا والقاص العراقي الأستاذ موسى كريدي والسيد هاني فحص الذي كنا نقضي معه ساعات طويلة نستفيد من فكره وإبداعاته النقدية إضافة إلى قدرته الأدبية.

وهناك الكثير من الأسماء التي يضيق المجال عن ذكرها جميعا، فالنجف كانت مليئة بالطاقات المتميزة والمبدعة، كيف لا وهي عبارة عن جامعة ضخمة. وهذا التراث انتقل من جيل لآخر. فالجيل الذي سبقنا فيه الكثير من الرواد والمبدعين من أمثال الشيخ محمد رضا المظفر الذي أسس جمعية منتدى النشر وكلية الفقه، وسعى كي ينشئ عملا مؤسسيا منظما لتخريج الخطباء والمبلغين القادرين على التبليغ المؤثر بما يتناسب ومتطلبات العصر ومستفيدين من الأساليب الحديثة. وكان هذا الجيل من الرواد يتمتع بالقدرة على مواجهة التحديات، لنأخذ مثالا.

لقد كانت النجف تستقبل المفكرين وكبار الأدباء الذين يزورون العراق، وقد زار العراق في فترة مبكرة من القرن العشرين بعض المفكرين مثل الكاتب المصري أحمد أمين، صاحب كتاب فجر الإسلام وضحى الإسلام وغير ذلك، واستقبل استقبالا أدبيا حافلا، وقيل له أن النجف عاصمة للفكر الشيعي في تلك الفترة، وأنك قد تعرضت للمذاهب ولم تذكر كلمة إيجابية عن وجود المذهب الشيعي. قال لهم لأنني لا أعرف شيئا عن هذا المذهب، ولم أسمع عن الكثير من إنجازاته، فانبرى في تلك الفترة ثلاثة رجال أرادوا أن يعرفوا بالمذهب. هذا يعطينا صورة عن التصدي الواقعي لتلك القضية، فالرجال الثلاثة لم ينبروا له بالنقد والتجريح، وإنما توجهوا للرجل كي يعرفوا بمذهبهم ووجود طاقات مهمة فيه عبر محاور رئيسية. فالأول كتب عن أعيان الشيعة، والثاني كتب عن تصانيف الشيعة، والثالث كتب عن العلماء والأدباء الشيعة، حتى يعــرّفوا من يريد أن يعرف شيئا عن المذهب بطريقة عملية واقعية.

ومن أبرز الأمثلة على التصدي للتيارات الفكرية الطارئة من علماء النجف هو السيد محمد باقر الصدر، فقد بحث عن الاشتراكية وكتب عن الشيوعية كتبا اعتبرت معلما في ذلك الوقت، مثل كتابي " فلسفتنا واقتصادنا "، ثم تصدى لقضايا حديثة، ومنها التعامل مع البنوك على غرار البنك اللا ربوي في الإسلام، وتصدى كثيرون لتلك التيارات بالكتابة عن مسائل مهمة مثل التربية في الإسلام، والنظام السياسي في الإسلام، والأخلاق في الإسلام. تصدى أغلب هؤلاء العلماء بروح واقعية للتيارات الطارئة فلم يرفضوا تلك الأفكار الجديدة جملة وتفصيلا، وإنما حاولوا أن يستقرئوا كيف يستطيعون أن يتفهموا الإسلام وفكره بما يمكنهم من الإجابة عن هذه الأطروحات الحديثة كالنظام السياسي وفوائد البنوك، وعمل المرأة، وفكرة الديمقراطية، والنظام التربوي، وغيرها من قضايا ملحة تحتاج إلى إضاءات من قبل علماء تلك الفترة.

دعنا نتحدث عن حياتك الدراسية فبعد أن أنهيت المدرسة الثانوية انضممت لجامعة بغداد. وتخرجت منها حاملا شهادة جامعية عن تخصص الرياضيات. ماذا عن تلك الفترة؟

الحقيقة أنني كنت أتطلع أن أقبل في إحدى الكليات المرموقة في جامعة بغداد، مثل كلية الهندسة أو كلية العلوم، لرغبتي في الالتحاق بالدرس العلمي وخاصة الرياضيات فقد كان لدي تفوق واضح في مادة الرياضيات منذ بدء حياتي الدراسية، وفعلا قبلت في جامعة بغداد كلية العلوم قسم رياضيات، وقد درست أربع سنوات تخرجت بعدها، حاصلا على البكالوريوس بمرتبة الشرف، وكنت من أوائل الطلاب الذين حصلوا على علامات مرتفعة. وعرض علي أن أكون معيدا في نفس الكلية التي تخرجت منها، ولكن رغبتي في العودة إلى وطني، وأن أعيش في بلدي كانت أقوى من كل المغريات، فعدت إلى كلية البترول والمعادن وذلك في عام 1394 هجرية.

في كلية العلوم ببغداد كان الجو مختلفا تماما، حيث كانت الأجواء الطلابية مختلطة بالتيارات السياسية، والتوجهات الفكرية، إضافة إلى أنني كشاب أتيت من بيئة محافظة تماما هي النجف كنت أستشعر تغيرا في الأجواء، وعلى سبيل المثال لا يوجد بنت سافرة تمشي في شوارع النجف، ومن تأتي من خارج المدينة وهي غير مغطاة الشعرها تلبس العباءة عند مدخل مدينة النجف، ولا يمكن أن تدخل المدينة امرأة غير محجبة. هذا ليس قانونا، فلا توجد شرطة تمنع ذلك لكنه العرف العام. من هذه البيئة انتقلت إلى بغداد وإذا بي أجد أن أكثر من 60% من الدارسين في كلية العلوم من الطالبات، والغالبية العظمى غير محجبات. كنا في بداية الأمر إذا أردنا أن نتحدث مع بنت زميلة لنا نتحدث والقلب يخفق، ونرتجف قليلا. فلم نعتد بعد على الاحتكاك المباشر بالبناتٍ، وأخذنا فترة حتى تعودنا على ذلك. وصرنا نتصرف ونتعامل مع الطالبات بشكل طبيعي. فكما تعرف أننا كطلاب نحتاج لبعضنا البعض، فقد تضطرنا الظروف لاستعارة دفاترأو السؤال عن جزئية في المنهج، وغير ذلك من أشكال التعامل المباشر.

كان يدرس لنا معلمات سيدات في بعض الأحيان، وبالنسبة لي لم يكن هذا شيئا معتادا، وبمرور الأيام صرت أراه شيئا طبيعيا لا يلفت النظر. مثل هذه التجارب صقلت شخصية الإنسان من عدة نواحي. الناحية الأولى أن انتماءنا للمجتمع العريض أصبح يتطلب أن يكون للطالب انتماء فكري، وهذا لم يكن ظاهرا في النجف، بانتقالنا إلى بغداد صار الانتماء ضرورة؛ لأن التحدي أصبح واضحا، وهو ما مثل لي حافزا ودافعا كي أطلع على هذه التيارات الفكرية إطلاعا عميقا، وبالفعل رحت ادرس كتبا عن الشيوعية والقومية وغير ذلك، كما تبحرت في الكتب الإسلامية، بصورة عميقة في تلك الفترة.

في نفس المرحلة الجامعية اطلعت على التيارات الحزبية الموجودة. ربما شاهدتها ولم أشارك فيها بالضرورة، وأدركت بعض ألاعيب الساسة، وتحركاتها المريبة، وهذه النقطة أضافت إلى رصيدي من التجارب الحياتية، وهي أمور اقتحمت حياتي ولم أكن متمرسا عليها فيما مضى.

ماذا عن الأحداث السياسية التي عاصرتها في تلك الفترة في بغداد؟

أتذكر، من أهم الأحداث حرب أكتوبر على الجبهتين المصرية والسورية سنة 1973، وقد كان النظام العراقي في ذلك الوقت غير راغب في تأييد الحرب ضد اسرائيل في تلك الفترة، وكان يظهر عدم التأييد، وحاولوا أن يدفعوا الطلبة للتظاهر ضد الحرب لأنهم اعتبروا أن القصد منها تحريك عملية السلام، وليس التحرير، وكانت هذه العبارة متداولة. وكان الكثير من الطلبة ممن يخالف هذا الرأي، وأنا منهم، كنا نرى أن بداية الحرب صحيحة، ولكن إيقاف الحرب كان محل تساؤل. وقد تسبب هذا الاختلاف في تقييم الحرب إرباكا لجموع الطلاب؛ فكل تيار سياسي كان له تحليلاته التي تختلف عن التحليلات الأخرى.

كان تيار حزب البعث لا يؤيد الحرب وهناك تيارات أخرى متعاطفة، وكان النظام السياسي الذي يقوده أحمد حسن البكر قد تمكن من تسييس الجامعات بطريقة مدروسة، من خلال عدم قبول الطلاب بالجامعة إن لم يكونوا قد انتظموا في صفوف الحزب، ونحن قـُـبلنا دون أن يفرض علينا الانتماء، وجاءت الدفعات التالية لنا ليشملهم هذا الشرط الواجب حيث لا يقبل بالجامعة إلا من كان مسيسا، وحتى داخل الجامعة رأينا أن غير المسيسين مضيق عليهم.

من الأحداث المهمة كذلك أننا عشنا الفترة التي شاهدنا فيها صعود الناصرية، وتراجعها، خلال فترة الستينيات. أتذكر حينما خطب جمال عبدالناصر في سنة 1967 بعد الهزيمة، خطاب الاستقالة، وأنا طالب بالصف الأول الثانوي، وذلك بعد انكسار جيشه في سيناء، قفزت الدموع من أعيننا ونحن نستمع إلى الخطاب عبر الراديو، لأننا لم نكن نتصور أن الإعلام العربي كان يكذب في تلك الفترة. حتى تلك اللحظة كنا نتصور أن الانتصارات العربية قد ملأت الآفاق، وأن عدد الطائرات التي أسقطت للعدو الصهيوني أكثر من عدد الذباب الموجود في سيناء. حين خطب عبدالناصر واعترف بالهزيمة تساقطت الدموع من عيوننا، ونحن مذهولين، فلم نكن نتصور أن هذا الزعيم العربي الذي كان خطابه يمس شغاف قلوب معظم العرب في تلك الفترة ينكسر وينهزم أمام عدوه بمثل هذه الصورة المحزنة. هذه واحدة من الأحداث التي لا يمكن للإنسان أن ينساها.

كان كل حدث سياسي يحدث في واقعنا العربي يتفاعل معه الطلاب من خلال المظاهرات، أو يعبرون عن مشاعرهم بطرق مختلفة مثل الكتابة على الجدران أو توزيع منشورات، وهي مسألة لم يكن من السهل مشاهدتها في مكان آخر غير العاصمة العراقية.

لنعود إلى التحاقك بكلية البترول والمعادن بالمملكة.

قبل تخرجي من كلية العلوم بسنة جئت في زيارة خاصة إلى الظهران، وذلك كي أتعرف على أجواء الكلية، وبالفعل أعجبت بها، ووجدت أن هذه هي ضالتي في طلب العلم، وفي الحصول على مستوى علمي راق، جيد، خاصة أن ذلك الالتحاق سيساعدني في العودة إلى بلدي. وفعلا كنت قد خططت لما بعد التخرج كي ألتحق بكلية البترول والمعادن رغم أن أساتذتي في كلية علوم بغداد طلبوا مني البقاء لمساعدتي في الحصول على وظيفة معيد في جامعة بغداد.

الدكتور عدنان الشخص والأستاذ فؤاد نصر الله
الدكتور عدنان الشخص والأستاذ فؤاد نصر الله

تخرجت من كلية علوم بغداد خلال شهر يونيو سنة 1974 ميلادية «1394 هـ»، وأتيت إلى الظهران وتقدمت لوظيفة معيد في قسم الرياضيات، وقبلت على الفور. وربما كنت أول معيد يقبل في قسم الرياضيات بالكلية. كان رئيس القسم شخص أجنبي، ولكن عميد الكلية كان هو الدكتور بكر بن عبدالله بن بكر. تم إجراء مقابلة معي، وأجريت لي عدة اختبارات، وأعجب رئيس القسم بإنتاجي العلمي، وهذا سببه أن كلية العلوم بجامعة بغداد كان فيها تركيز وعمق وجودة في الآداء. قد ينقصها شيء واحد قياسا بكلية البترول بالظهران، وهو أن التدريس كان يتم بالإنجليزية في كلية بغداد، ولكن لم نكن مهيئين كي نحاضرباللغة الإنجليزية؛ إذ لم تكن التهيئة باللغة الإنجليزية في بغداد بمستوى التهيئة في كلية البترول بالظهران. وتم معالجة هذا الأمر من خلال إعطائي دورة مكثفة في اللغة الانكليزية.

كم كانت مدة هذه الدورة؟

لا تزيد عن شهرين فلم أكن احتاج إلا للمسات خفيفة فقد كان لدي إلمام تام باللغة الإنجليزية، فالدراسة في قسم الرياضيات بجامعة بغداد بالإنجليزية، فالكتب إنكليزية والشرح يتم بنفس اللغة، لكننا لم ندرس " كورسات" لغة إنجليزية بشكل مكثف. فكانت قدراتي التخاطبية ليست بالمستوى العالي، لكن كنا نستطيع أن نفهم أي محاضرة باللغة الانجليزية في مادة التخصص بل نستطيع أن نكتبها بشكل جيد. فالكورس الذي أخذته في كلية البترول هو نوع من التقوية للقدرات التخاطبية، لا أكثر.

درست وأنت معيد بجامعة البترول؟

نعم، حوالي سنتين ونصف درست ودرّست، ولكن بالطبع لم أكن أدرّس نصابا كاملا، ونتيجة تدريسي في عهد متقدم وجدت أن بعض طلابي صاروا الآن مسئولين كبارا في شركة " أرامكو " وغيرها، وهم من الشباب الذين درستهم، وأنا معيد.

كان عمري 22 سنة وأنا أدرس لطلاب أعمارهم 18 سنة وأكثر، فقد كان قسم الرياضيات بحاجة إلى مدرسين. فقد احتاجوا إلى مدرس كمبيوتر وصعب عليهم الحصول على مدرس في هذا التخصص، فطُلب مني تدريس المادة. في هذا الوقت كان قسم الكمبيوتر ضمن قسم الرياضيات العام، ففي معظم جامعات العالم في ذلك الوقت كان قسم الكمبيوتر ضمن تخصصات قسم الرياضيات الأساسية، ثم انفصل عنه بعد ذلك وأصبح قسم الكمبيوتر أوسع من قسم الرياضيات، ويضم شعبا متنوعة أكثر تخصصا.

متى حصلت على درجة الماجستير؟

حصلت على الماجستير سنة 96 هجرية وبقيت سنة، ثم بعد ذلك ابتعثت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، للحصول على درجة الدكتوراة. في جامعة بتسبرج ولاية بنسلفانيا ـ وهي جامعة عريقة، شبه حكومية، فهي ليست أهلية تماما، وليست حكومية تماما ـ درست في قسم الرياضيات وهو قسم كبير جدا. والحقيقة أنني كنت قد أزمعت الدراسة في جامعة دوك في ولاية نورث كارولينا، وقبل بدء الدراسة قمت بجولة لبعض الأصدقاء، وكانت مدينة " بتسبرج" من المدن التي استرحت لها، فأحببت أن أبقى في تلك المدينة، وأن أدرس في جامعتها، وبالفعل منحت القبول بشكل فوري.

درست في تلك الجامعة منذ سنة 1397هجرية، إلى سنة 1404 هجرية، حوالي ست سنوات وبضعة أشهر. كان يمكن أن أنهي بعثتي قبل هذه الفترة غير أنني تريثت قليلا، وذلك أنني فضلت أن أحصل على شهادة هندسية، إضافة إلى شهادة الدكتوراة في الرياضيات. أردت أن أحصل على شهادة ماجستير في الهندسة المدنية، وفعلا بدأت في ذلك، ودرست سنة ونصف، بالإضافة إلى دراسة الدكتوراة في الرياضيات، واكتشفت أنني لو قررت أن أواصل الدراستين فإن ذلك سوف يعيقني كثيرا، فقطعت دراسة الهندسة واكتفيت بدراسة الرياضيات.

خسرت ما بذلته من جهد في التجهيز لرسالة الهندسة؟

هي ليست خسارة كاملة؛ فالإنسان يكتسب من التجربة، ودفعت من عمري سنة ونصف أخرتني عن زمن التخرج الواجب، لكنني غير نادم لأن كثيرا من المفاهيم الرياضية لها تطبيقات هندسية، وحين أدرس لطلابي حتى الآن أستشهد لهم ببعض المفاهيم الهندسية، فيشعرون بأن المادة التي تدرس لهم مادة قريبة من واقعهم، ومشتبكة مع حاجاتهم. بالنسبة لي كانت تجربة جيدة أضافت إلىّ، ولم تنقصني شيئا.

ماذا بعد حصولك على درجتك العلمية؟

في أواخر سنة 1984 ميلادية عدت لجامعة البترول والمعادن، والتحقت بقسم الرياضيات. وهناك انخرطت في التدريس وإعداد الأبحاث في الجامعة، واستمريت في عمل جاد، دؤوب حتى تقاعدت سنة 2008 م.

وماذا عن تجربة التدريس في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن؟

التدريس في الجامعة يعتبر من أجمل المهن؛ لأنها من المهن المتجددة باستمرار، فأنت لا تشعر بالملل نهائيا، فدائما لديك مجموعة من العقول التي تنير لها الدرب في المادة التي تدرسها لهم. فعلا يستمتع المدرس حين يبدأ درسه بمجموعة من الأسئلة التي تبدو صعبة، والطلبة غير قادرين على الإجابة عنها، ثم ينار أمامهم الدرب فيقبلون على تلمس الحلول. وقتها يشعر المدرس باستمتاع رائع، فلحظة تولد الفكرة في ذهن الطالب، يشعر بها أستاذ الجامعة في كل محاضرة. هذه متعة لا تعادلها متعة؛ ولا يشعر الأستاذ بالملل حتى وهو يعيد نفس الدرس مرة تلو أخرى لأنه في كل مرة يشاهد ولادة حية للفكرة في أذهان الطلبة، وكل مرة يكون الوصول للإجابة بطريقة مختلفة في تفاصيلها عن المرات السابقة.

حين تضع في ذهنك أنك تنير الدرب لعقول الطلاب فإن هناك شيء مؤكد، هو أنك تقوم بعملية بناء مرتب للأنساق الفكرية بصورة ممتعة ومتجددة.

نعرف أنكم درّستم للطلاب في الولايات المتحدة الأمريكية. ما تفصيلات هذه الفترة؟

عندما كنت أدْرس الدكتوراة في الولايات المتحدة الأمريكية طلب مني القسم أن أساعد في تدريس بعض " الكورسات"، وفعلا مارست عملية التدريس بعد أن وجدتها تحقق لي فائدة من ناحيتين. أولا هي عملية ستزيد دخلي المادي لأننا نحصل على راتب مجز ٍ كأجر على ما نقوم به من أعمال، وثانيا هي تجربة توسع مداركي وتضعني في حالة دائمة من حيث اختبار قدراتي.

كنت أدرس غالبا في فترة " المساء "، وتلك الفترة يؤمها الموظفون ممن يريدون الحصول على شهادة جامعية، من خلال برنامج التعليم المستمر، وأغلب من كنت أدرسهم كانوا أكبر مني سنا، نساء ورجالا، فهم موظفون ويعملون ولكن لسبب أو لآخر فاتهم ركب التعليم الجامعي، فيقبلون على الدراسة بعد انتهائهم من أعمالهم. بعض هؤلاء الدارسين كنت أجد ثقافتهم عالية ووظائفهم جيدة، لكنهم يريدون تحسين مستواهم التعليمي. أتذكر واحدة من الطالبات كان يبدو عليها أن وضعها الوظيفي جيد، فسألتها: لماذا التحقت بالتعليم المسائي وفي هذا القسم بالذات؟ أخبرتني أنها تخرجت من قسم أدبي، وقد اكتشفت بعد توظيفها أن الترقي إلى وظائف جيدة يتجه للتخصصات العلمية، فهي تريد الدراسة في الجامعة مرة ثانية في تخصص علمي. كانت تلك السيدة في حدود سن 25 إلى 30 سنة، ومعنى هذا أن الطريق أمامها مازال ممتدا، وهي ترغب في تحسين وضعها الوظيفي.

من الأمور التي أصابتني بصدمة جميلة ومدهشة هو أنني درست في الماجستير، وكانت إحدى زميلاتي عمرها 51 سنة، وابنها يدرس معها في نفس الجامعة، وهي تواصل الدراسة في همة وحيوية ونشاط، وهو أمر لم يكن معتادا بالنسبة لي.

في بلادنا العربية عندما يصل الشخص إلى سن الثلاثين أو الخامسة والثلاثين يقول لنفسه: " لقد توقفت عن أن استزيد دراسة وعلما ". وجود هذه المرأة في هذه السن مثل لي صدمة مدهشة، جديرة بالتأمل. الأمثلة التي مرت علي خلال تدريسي بعض " الكورسات" في المساء كثيرة ومتنوعة، ومنها توصلت إلى أن التعليم في أمريكا يظل ضرورة تطور وعنصر محفز للترقي وتجاوز المستقر، وهي صفات توجد في المجتمعات الفتية التي لا تصاب غالبا بالشيخوخة الجسدية ولا الكهولة الفكرية.

أتعتقد أن صدمة بغداد لم تجعلك تشعر بالصدمة من جديد حين ذهبت للولايات المتحدة الأمريكية؟

هذا تحقق في بعض النواحي منها مسألة الاختلاط التي تعودت عليها في بغداد جعلتني أتقبل بسهولة نفس الأمر حين وجدته بصورة أكثر تعقيدا عنها في العاصمة العراقية، لكنني وجدت أشياء جديدة في وجودي في أمريكا منها احترام الثقافة الأمريكية لكل إنسان مهما كانت هويته، وهذا شيء لفت نظري كثيرا. فهذه القدرة على تقبل الآخر تجعل المجتمع قابلا للتطور.

هل كانت الجنسية السعودية معروفة هناك آنذاك؟

نعم، كانت معروفة وموضع احترام وتقدير، حتى أن التأشيرة التي كنا نحصل عليها من الولايات المتحدة الأمريكية كانت تختلف عن تأشيرات غيرنا من الطلبة حيث تقترب في امتيازاتها من التأشيرة الدبلوماسية. هذا من الناحية الرسمية أما عن الناحية الاجتماعية فقد وجدت أن الأمريكان يقدرون الأطفال كثيرا، وهذا عكس ما يحدث عندنا فإذا وجدنا طفلا يبكي أو يصرخ نحاول قدر الإمكان إسكاته، حتى لا يزعج من حوله، فإذا بنا نعاتب من الأمريكان ليس على صراخ الطفل، وإنما على ما نقوم به من محاولات إسكاته، مثلا.

مثل هذا المشاهد وغيرها غيّرت لدي بعض المفاهيم وحركت بعض القناعات. ومن الأشياء التي انتبهت إليها حبهم الجم للعمل، حيث أنني كنت ألاحظ نسبة من يعمل بجدية قياسا إلى من لا يعمل أو يعمل بتكاسل. وجدت أننا كعرب لا نعمل بنفس الجدية والالتزام، وكنت أسأل نفسي دائما هذا السؤال: " ما سبب تقدمهم الحضاري؟ ".

لابد أن نكون كمراقبين حريصين على رقي مجتمعنا بأن نبحث هذه القضايا، فنلاحظ عناصر القوة في هذه المجتمعات الأوربية والأمريكية واليابانية كي نحاول نقلها لمجتمعاتنا.

هم يشتغلون بجدية حتى مع انعدام الرقابة عليهم، وقد اشتغلت مع طلاب أمريكان، فوجدت أنهم ليسوا أكثر تفوقا منا، تأملتهم فوجدت عندهم ميلا قويا للتعلم والعمل بجدية ـ مع ملاحظة وجود تفاوت بينهم كل حسب جده واجتهاده ـ وهذا هو الشائع بينهم. كان هناك بعض الطلبة من الباكستانيين والهنود أو غيرهم من المتفوقين جدا، وبعضهم الآخر مستواه منحدر جدا، ونفس الأمر يصدق على الأمريكان. لكن ما الذي يميز المجتمع الأمريكي ليكون مجتمعا قويا، فتيا، متطورا؟

لاحظت أن نسبة من يشتغل بجدية أعلى بكثير من نسبة من يمارسون العمل بجدية في البيئات العربية التي عملت بها.

الجانب الآخر في حياة الدكتور عدنان الشخص لم نتطرق إليه بعد. أنت أستاذ في علم الرياضيات لكننا فوجئنا بك تلقي محاضرات في مجال علم النفس والاجتماع والثقافة كما وجدناك تقدم أطروحات مهمة في قضايا المجتمع. ألا تحدثنا عن تصورك لهذا الدور؟

هذا جانب مهم في الحقيقة، وشعرت بأهميته منذ اليوم الأول لانخراطي في التعليم الثانوي، وهو الاهتمام بالشؤون العامة خارج حدود الذات، وخارج حدود القريبين. إنه الاهتمام بالمحيط الاجتماعي من خلال العلاقات والصداقات، فكنت كثيرا ما أهتم باللقاءات مع الأصدقاء، ومحاولة توجيه أقربائنا وأصحابنا إلى ما فيه الخير للآخرين.

في الولايات المتحدة الأمريكية وجدت أن هذه الأمور تمثل ضرورة، ففي تلك الفترة التي ابتعثنا فيها ابتعث عدد كبير من أبناء المملكة، من طلاب ما بعد الثانوية الذاهبين للمرحلة الجامعية، وجدت أن الكثير من الشباب عندما يلاقي هذه الصدمة الحضارية يتأثر بشكل سلبي، وهذا يتطلب أن نحافظ على هؤلاء الشباب حتى يرجع كل إلى بلده وهو محافظ على هويته: الوطنية والعربية والإسلامية، وألا يكون ـ لاسمح الله ـ معول هدم ثقافي وفكري في مجتمعنا. نعم، ليكن الشاب رائدا من رواد التطوير والتنوير في الجوانب الإيجابية، ولكن عليه أن ينتبه حتى لا يجلب معه أية انحرافات مما قد يشاهده في المجتمع الأمريكي المنفتح.

تطلب هذا أن نهتم بتجميع الشباب والتعارف فيما بينهم. وقد ذهبنا إلى تلك التجمعات ووجدنا بعض الجمعيات التي تعمل في نفس المجال، مثل جمعية الطلبة العرب وجمعية الطلاب المسلمين، وبحكم سني الأكبر منهم وجدت نفسي أقف إلى جانب هؤلاء الطلاب وهم يواجهون مشاكل أكبر من استطاعتهم، وهذا بالطبع يحتاج إلى شيء من التوجيه فكنا نهتم بتوجيه هؤلاء الطلبة. أُقحم الشخص منا في بعض هذه القضايا إقحام الضرورة، وصرت أقوم بواجبي في إطار النصح والإرشاد. بعد عودتي إلى الوطن وجدت أن هذه قضية مهمة جدا للتواصل بين المبعوث ومجتمعه.

إذا أردت أن أنغلق فقط على عملي وبحثي وتدريسي وجامعتي فقد أعمق المسافة بيني وبين مجتمعي في حين يعتبر وجود المثقف داخل مجتمعه وسيلة من وسائل تطوير ذلك المجتمع، ودفعه نحو الأمام، وهو حق لذلك المجتمع علينا؛ لأن المجتمع هو الذي وفر لنا فرصة السفر والتخصص وهو الذي أتاح لنا فرصة استثمار تفوقنا العلمي باتجاه معين، ومن حق المجتمع الفعلي أن نعطيه شيئا من الاهتمام.

قررنا أن نعطي الآخرين شيئا من خبرتنا، وما نستطيع أن نعطيه هو في مجال التربية، وفي مجال التوجيه الطلابي، وقد تواصل هذا الأمر بعد عودتي إلى المملكة، من خلال لقاءاتي المختلفة مع مدارس طلاب الثانويات في توجيههم نحو التخصص، وكذلك طلاب الجامعات الذين يلتقون في مهرجانات ومؤتمرات سنوية، وكان دورنا المساعدة في التغلب على المشكلات التي يمكن أن يواجهها الطالب في الجامعة. هذه المسألة جعلتني في بعض الأحيان موضع استشارة من عدد من الطلبة، ومن خلال استشارة الطلبة لي يلزمني أن أكون متهيئا حتى أعطي المشورة المناسبة.

هناك الجانب المختص بشأن تشكيل مؤسسة تعليمية وتدريبة رفيعة المستوى. ماذا عن تفصيلات هذا المشروع الطموح؟

وجدت أنه لابد للإنسان من مشروع تربوي، إما تأليف أو تدريب، أوجهد مؤسسي، وتأملت الاوضاع حولي فوجدت أن ما ينقصنا أكثر هو أن يكون لدينا عمل مؤسسي للنهوض بمستوى التربية في المملكة، وحتى لانغوص كثيرا في التنظير يجب أن يتجه الإنسان إلى مشروع محدد، وليكن هذا المشروع واقعيا حتى لو كان صغيرا، إلا أنه يجب أن يكون مشروعا ناجحا، وبهذا فقد ساهمت في إنشاء مدارس أهلية، ووجدت أن عملية تطوير التعليم ليست عملية صعبة، ولكنها تحتاج إلى عناصر معينة، من أهم هذه العناصر هو وجود المعلم المناسب، ووجود الإدارة التي تتابع هذا المعلم، ووجود فرصة للمعلم كي يرتقي من خلال التدريب.

فكرت قبل حوالي سنتين في مشروع " الشراكة المجتمعية "، بين المجتمع والمدرسة، كيف يكون المجتمع داعما للمدرسة كي تؤدي دورها بحيث تقدم شيئا من الجودة؟ وكيف تنشر المدرسة التنوير في المجتمع المحيط؟

في ظني أن هذا المشروع بالإمكان تطبيقه ضمن الظروف الحالية، حيث أن تكلفته وأعباءه المالية ليست كبيرة. لذلك توجهت كي أطبق هذا المشروع على بعض المدارس حتى يكون نموذجا يحتذى من خلال الاشتراك والقرب من المدرسة، ومحاولة الارتقاء بآداء المعلم وفي هذه الحالة ستؤدي المدرسة وظيفتها بكفاءة أعلى وبجودة مضمونة.

قياس مدى التقدم الذي سيحدث للطلاب نتيجة هذا الارتقاء هو مهمتنا في مرحلة ما بعد التطبيق. قدمت هذا المشروع إلى إدارة التعليم في المنطقة الشرقية، وكان عنوان الأوراق التي تقدمت بها هو " مشروع الشراكة الفاعلة بين المدرسة والمجتمع المحيط لتحقيق الجودة "، وقد وافق سعادة مدير عام التعليم على تطبيق المشروع في بعض المدارس المنتقاة، وابتدأنا التطبيق ولاحظنا بعض المؤشرات الإيجابية وننتظر إلى انتهاء العام الدراسي حتى نستطيع أن نستخلص أهم العناصر التي يمكن أن يتطور من خلالها التعليم بوجود هذه الشركة.

ما العناصر الأساسية لمشروع الشركة الفاعلة كما حددتموها؟

عناصر هذا المشروع تتلخص في ثلاثة محاور رئيسية. المحور الأول هو أن يكون هناك تقييم فاعل، بمعنى أن يقيم آداء المعلم بصورة فاعلة، وهو ما يستوجب وجود تقييم عادل لجميع جوانب العملية التربوية التي يؤديها المعلم.

يجب أن يكون هناك تقييم لآداء الطالب بصورة فاعلة، وهذا يتطلب ألا نميع المقاييس التربوية حينما نقيم الطالب.

المحور الثاني هو الاعتماد على التدريب. فالتدريب على رأس العمل من الأمور التي نحتاجها، واعتبرها شخصيا من أهم عناصر الارتقاء في القدرات البشرية، وقد جربتها بعض الشركات، وحصلت على نتائج ممتازة مثل " أرامكو". وهي شركة رائدة استطاعت أن ترتقي بآداء الموظف السعودي وغيره، بشكل ينافس آداء الموظف على المستوى العالمي. من أهم عناصر الارتقاء لديهم هو التدريب على رأس العمل. فلماذا لا يكون لدينا تدريب فاعل على رأس العمل في المدارس؟

قد يقال أن هناك تدريب، ولكن ينقصه أمران مهمان. الأمر الأول أنه ليس تدريبا حسب الحاجة، بمعنى أن التدريب الناجح ينطلق من تقييم دقيق؛ وبالتالي فإنني أعرف أن هذا المدرس يحتاج إلى مثل هذه الدورات في مجالات بعينها، وتعطى له هذه الدورات بناء على الحاجة. الأمر الثاني أن يقدم التدريب بناء على الرغبة، فما يرغبه المدرس من دورات يحصل عليها. قد يرغب في دورة ولا يحصل عليها، وهذا أيضا ليس تدريبا فاعلا.

وقد يجبر على دورة لا يرغب فيها؟

هذا صحيح فالدورات تنشأ من احتياج المعلم وبناء على التقييم الدقيق له؛ وهنا نلاحظ ارتباط حقول الخبرة في المؤسسة التعليمية.

المحور الثالث أن تكون هناك إدارة فاعلة، مما يجعلها قادرة على أن تستقريء المؤشرات، وتتابع تنفيذ البرامج بشكل متطور وبصورة مستمرة، وحتى يستطيع المدير قيادة هذه العملية يجب أن يعطى بعض الإمكانيات من حيث الحوافز. النظام الحالي لا يعطي المدير هامشا في الحوافز، فهو يستطيع أن يقدم تقريرا صادقا وأمينا لكن في نهاية العام فإن من يحصل على درجة عالية أو متدنية يحصل على حوافز الإثابة بينما يجب أن يكون هناك بعض الحوافز بيد المدير، والتي يقررها بناء على جهود المدرس. المدير او الرئيس المباشر هو أكثر شخص يمكنه أن يحدد هل هذا المدرس يستحق حافزا بناء على آدائه طول العام من عدمه.

هذا يعطي الرئيس المباشر سلطة اكبر ليتمكن من ضبط العملية التعليمية؟

إضافة إلى ما يحققه هذا النظام من تنافس شريف بين المعلمين أنفسهم يكون مردوده لصالح الطالب. فالمدير المباشر لابد أن يكون له دور في منح الحوافز. وأتذكر أنني جربت هذا النظام في مدرسة أهلية، وكانت الحوافز لا تتجاوز 1% من ميزانية المدرسة، لكنها لعبت دورا في الارتقاء بمستوى آداء المعلم.

هذه الحوافز غير الزيادات السنوبة، وتعطى للمتميزين وحدهم. مثل هذه الحوافز رغم ضآلة قيمتها إلا أن الجميع كان يتطلع إليها، فبالإضافة لقيمتها المادية كان لها قيمة معنوية كبيرة؛ فإن من يحصل على هذه الجائزة أو هذا التمييز أو هذا المقدار من المال الإضافي الذي يعد مكافأة سنوية لتميزه في أمر ما كان يشعر معها بأنه قد حاز مكافأة معنوية لا تقدر بمال.

فالمشروع قائم على التقييم الفاعل، والتدريب الفاعل، والإدارة الفاعلة. بالطبع تحتاج هذه العملية إلى تمويل، وقد وجدت استعدادا طيبا من خلال بعض الداعمين من رجال الأعمال كي يطبق المشروع، ويمول لعدد محدود من المدارس، حتى نعطي نتائج الدراسة إلى الوزارة، وإلى إدارة التعليم، وفيها نشير إلى أنه بالإمكان القيام بتفعيل حقيقي ومدروس لدور المدرسة الحكومية، كي تؤدي عملا متميزا، وتحقق تعليما متطورا، يتجه نحو الجودة الشاملة، وهذا العمل لا يتطلب الكثير من المال.

هل تعتقد أن هذا المشروع سيحقق النجاح المرجو، ويتقدم بالعملية التعليمية في المملكة نحو التطوير الحقيقي الذي لا ينشغل بالمظهرية والاحتفاء بالشكل؟

أعتقد أننا نسير في الطريق الصواب لأننا نقوم بعملية إحياء للمفاهيم التربوية المتطورة استنادا على عنصري العلم والخبرة، في تناسق فريد وتجانس مطلوب. وأظن أننا سنحقق نتائج طيبة إن شاء الله في نهاية العام.

تحدثت مرة عن بعض القضايا الفكرية التي تشغل بالكم ومنها قضية البحث العلمي في البلدان العربية. ماذا عنها؟

لابد في البداية الاعتراف بأن تقدم الأمم لا يأتي اعتباطا ولا ينشأ من فراغ، ولا يتشكل نتيجة مصادفة سعيدة. البحث العلمي في الدول النامية ضرورة تعادل استمرار الحياة نفسها. وفي هذا الصدد لابد من الرجوع إلى تقرير التنمية الإجتماعية للأمم المتحدة، والذي نص على أن المجتمعات الفقيرة أسهمت بنسبة 3% من الاقتصاد العالمي نتيجة طبيعية للفقر العلمي بها. هذا يردنا بقوة إلى تواضع المخصصات المالية في أغلب الدول العربية والتي لا تتعدى 0، 3 % من إجمالي ميزانياتها، وهذا التقتير المادي يسهم في التأخير العلمي والتباطؤ التكنولوجي.

لاشك أننا نلمس مثل هذا التراجع في العناية بالإنجازات العلمية وهو ما يعود إلى انشغال المجتمع والإعلام عن دور العلم في تطويرالحياة. لابد من الانتباه إلى دور المجتمع كمؤسسات وأفراد في تحقيق البنية العلمية المتماسكة، والمتطورة، وفي مقدمة هذه المؤسسات يأتي دور الدولة التي من أبرز مهامها الأصيلة تسليط الضوء على العلم ودوره في تطوير تنمية الكفاءات العلمية.

ولاشك أن هذا يربطنا بما سقناه في حوارنا معكم حول دور الدولة في تجديد كافة نظم التعليم مع التركز على دائرة البحث العلمي منذ المراحل الابتدائية، والطريق لتحقيق ذلك ينبغي أن يبدأ باستبدال أساليب التعليم التلقينية التقليدية بأساليب تربوية حديثة تشجع التفاعل الخلاق بين الطالب والمعلم، وهو الأمر الذي ترتكز عليه عملية تنمية روح الفكر والبحث والإبداع مع إفساح مساحة مناسبة للتجريب والابتكار خاصة أن طلابنا يتميزون فعلا بالذكاء والذهن المتقد والقابلية للتفاعل مع المادة التعليمية إن قدمت لهم بشكل مناسب.

يجب على الدولة ـ إذن ـ تقديم برامج محفزة على التعليم كما في تجربة كثيرمن الدول التي رصدت جوائز للبحث العلمي، ومكنت القطاع الخاص من تقديم بعض المساعدات التمويلية إلى جانب تشجيع الأبحاث، ونشرها على نطاق واسع، ومحاولة تطبيق ما يمكن منها للارتقاء بالمستوى الحضاري للأمة.

وهو ما نسعى لتحقيقه من خلال مشروعنا الذي أشرنا إليه في مجال حيوي ومهم هو مجال التعليم.

استنادا إلى مجال تخصصك في الرياضيات مع إقبالك على المشروع الذي تعكف على إنجازه في هذه المرحلة كيف ترى عطاءاتك في مستقبل الأيام؟

ما أرغبه حقيقة هو أن أحقق شيئا من مشروعاتي الفكرية المؤجلة. لدي الآن أكثر من مشروع فكري وثقافي، ولكن ضيق الوقت أو سوء تخطيطه يمنعني من مواصلة العمل بصورة حثيثة.

لدي مشروع كتاب جاهز للنشر يتعلق بما نسميه ـ نحن المثقفون ـ ب" الرياضيات والحياة"، بحيث يقدم هذا الكتاب إلى المواطن العادي، غير المتخصص، ولكن من خلال تواصله مع مادة الكتاب المعرفية يمكنه أن يستوعب بعض تطبيقات الرياضيات في الحياة بشكل ممتع ومناسب.

لدي بعض المشروعات الفكرية المتعلقة بالثقافة، أو ببعض القضايا المجتمعية، مما يكون له أثر مباشر على مجتمعنا السعودي بل والعربي. بعض هذه المشاريع انطلقت من مشاركات ومحاضرات كنت قد ألقيتها هنا وهناك. شعرت بعد أن انتهيت من تقديمها للجمهور العريض أنه يمكن للإنسان أن يثريها، فيجعلها على شكل كتاب، وهي تحتاج أيضا إلى وقت حتى يمكننا أن ننجزها في أقرب وقت إن شاء الله.

الدكتور عدنان الشخص شكرا لكم على هذا الحوار الممتع، وشكرا لكم على الاستضافة الكريمة.

الشكر لكم ولمجلة " الخط " التي أحمل لها كل احترام وتقدير.

كتب