آخر تحديث: 26 / 5 / 2019م - 3:43 ص  بتوقيت مكة المكرمة

محمد الحمزة!

حسين العلق *

كثيرون هم من يرفعون جدران العزلة في مجتمعاتنا، وقليلون جدا من يبنون جسور التواصل بيننا. والملفت ان من يجتهد في رفع جدران العزلة وينضح بخطاب الكراهية للآخرين المختلفين عنه دينيا أو فكريا، بات لا يستحي من بيع بضاعته الكاسدة على السذج والبسطاء، فيما يكاد لا يتمنى من يبني جسور التواصل والمحبة والاحترام المتبادل بين البشر إلا السلامة على نفسه من هجوم الخصوم وألسُن الغوغاء. فلا صوت يعلو فوق صوت الكراهية!

في هذا الجو الموبوء تغدو أي محاولة اختراق لجدران الكراهية بمثابة ”المغامرة“!. وهذا بالفعل ما تحكيه قصة الباحث الاجتماعي السعودي محمد الحمزة الذي اختار أن يجري بحثه الميداني لدرجة الماجستير في مدينة صفوى بمحافظة القطيف شرق المملكة، وفي هذا ”مغامرة“ ربما لا يدرك كنهها غير السعوديين الذي استطاعت قوى التطرف الديني أن تضرب بأطنابها في جميع مفاصله، حتى غدا مجرد اجراء بحث اكاديمي ميداني لباحث قادم من مدينة الرياض إلى مدينة ”شيعية“ في القطيف إلى مغامرة كبيرة بنظر الكثير من أحبابه والمحيطين به فضلا عن المشرفين على رسالته.

محمد الحمزةلا يملك المستمع لتجربة الباحث الحمزة إلا أن تعتريه الدهشة. فعلى الرغم من استماعي لتجربته مرتين ضمن لقاءين مختلفين في القطيف، إلا ان عناصر التشويق والاثارة والطرافة ظلت تنساب بين طيات حديثه الجميل.

وبإيجاز شديد لتجربة هذا الباحث ”الجريء“ جدا بالمعايير السعودية، فقد جاء إلى منطقة القطيف ليجري بحثا ميدانيا، وخلفه إرث هائل من التوجس والريبة والخوف الذي نجحت قوى التطرف في زرع بذوره المسمومة، فما انتهى من بحثه الميداني في مدينة صفوى حتى تغيرت نظرته تلك رأسا على عقب!.

يقول الباحث الحمزة في أحد أحاديثه أنه لم يكن يتوقع في أولى زياراته للمنطقة أن يجري أكثر من لقاء استقصاء عابر يغطي من خلاله بعض أوجه بحثه الميداني ليعود بعدها أدراجه إلى الرياض، لدرجة يقول فيها أنه ترك زوجته وأطفاله في السيارة والمحرك في وضع التشغيل، حتى يفرغ من مقابلته، إلا انه تلقى حينها أولى المفاجئات مع إصرار مضيفيه أن تنزل زوجته وأطفاله ليقضوا وقتهم خلال المقابلة معززين مكرمين عوضا عن البقاء في السيارة. ليدوم اللقاء الأول إلى عدة ساعات.

إن من أطرف ما يقوله الباحث الحمزة أنه وضمن زياراته الميدانية المتلاحقة فيما بعد، حرص باستمرار على اللقاء المباشر بالناس العاديين في المجالس والديوانيات والمزارع والمقاهي، فيما أجل إلى وقت لاحق اللقاء بالشخصيات الاجتماعية والمثقفين، من هنا جاءت استنتاجاته الاجتماعية كاشفة وأكثر واقعية.

دعني أقول بصراحة بأننا جبناء!. يستطيب كل منا عن جهل وغباء ورعونة، أن يرشق المختلفين عنه والمغايرين لرأيه بشتى أنواع القذائف الطائفية والحزبية والفئوية وكل ما يشين من سفاسف الكلام، لكننا أجبن من أن نحرص على الوقوف على حقائق الأمور أو استجلاء الوقائع من مصادرها المباشرة، مكتفين بالفهم المعوّج وكل ذخيرتنا مجرد القيل والقال وفضول الكلام.

ان الدرس الأهم في تجربة الباحث الحمزة تكمن في تجاوزه جدران العزلة وحواجز الكراهية التي بناها الطائفيون ومعايشته عوضا عن ذلك لوقائع الأمور على الأرض. وهذا بالضبط ما نفتقده جميعا ضمن علاقتنا البينية على كل المستويات.

مع إطلالة شهر رمضان المبارك، كم يحتاج بلدنا لأمثال محمد الحمزة حتى يتحول الرجل إلى ”ظاهرة“ تتجاوز العزلة وتزيل صواعق الكراهية؟!.

كاتب سعودي