آخر تحديث: 8 / 8 / 2020م - 6:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

الشيخ الصفار: الصوم برنامج تأهيلي للروح والفكر

جهينة الإخبارية حوار: عبد الباري الدخيل
الشيخ حسن الصفار
سماحة الشيخ حسن الصفار

سماحة الشيخ حسن الصفار.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا وسهلا بكم في هذا اللقاء، كما نهنئكم بحلول الشهر الكريم رمضان المبارك، أعاده الله علينا وعليكم باليمن والغفران والبركات.

رمضان في الذاكرة

ما الذي تتذكره من أيام هذا الشهر الفضيل؟

أيام الطفولة والصبا كنا نشعر برونق خاص لشهر رمضان المبارك، فيدخل قدومه البهجة على قلوبنا، إذ نعيش فيه مع عوائلنا أجواء جديدة تختلف عن الأجواء الرتيبة الدائمة.

ومن ضمن الصور الراسخة في ذاكرتي وخيالي عن رمضان الطفولة والصبا، مشهد التعبد والتهجد والدعاء في المنزل من جدتي ووالدي ووالدتي يرحمهم الله، حيث المواظبة على قراءة القرآن الكريم بصوت مسموع في الصباح والظهر، وكذلك صلاة النوافل والسنن وخاصة في ليالي القدر، ولا يغيب عن ذاكرتي أبداً الدعاء الطويل الذي يتلوه والدي كل مساء بعد الإفطار مباشرة «دعاء الافتتاح» حيث نصغي له جميعاً ونتابع معه فقرات الدعاء، حتى حفظناه تقريباً وتستغرق قراءته للدعاء ما يقارب النصف ساعة.

ما طقوسك الرمضانية الخاصة.. فلنبدأ بعاداتك الغذائية؟

لست من النوع الذي يتناول وجبة رئيسية عند الإفطار، بل اقتصر على فردات من التمر وقليل من الشوربة والسلطة غالباً، وأتناول الأطعمة الأخرى بعد ساعات، لذلك أعتذر عن تلبية الدعوات للإفطار في شهر رمضان، وأشارك في بعض دعوات السحور، والتي تمثل جزءاً من برنامج التواصل الاجتماعي.

أسعى لاستثمار أوقات الشهر الفضيل في جانب البناء الذاتي، بالتقرب إلى الله تعالى أكثر ببعض النوافل والبرامج العبادية، وأخص وقتاً أكثر من بقية أيام السنة لتلاوة القرآن والتدبر في آياته الكريمة، ومراجعة أفكاري ومواقفي وسلوكي على ضوئها. وكذلك الحال بالنسبة للأدعية المأثورة في مختلف أوقات هذا الشهر الكريم. كما تتكثف لدي البرامج الاجتماعية والثقافية بين استقبال الزائرين كل مساء بعد العشاء، ثم الانطلاق للقاءات الاجتماعية والزيارات وإلقاء المحاضرات والندوات.

البعد الاجتماعي

يتميز شهر رمضان على غيره من الأشهر العبادية ببعده الاجتماعي المشهود، كيف يمكن توظيف هذا البعد بحركة أكثر وعياً؟

مجتمعاتنا الآن في مرحلة نهوض وتحفز للإصلاح والتغير، ومن ضرورات هذه المرحلة الانفتاح والتواصل بين التيارات الاجتماعية في تنوعها الفكري والسياسي.

إن عوامل تاريخية كالخلاف المذهبي، وأخرى سياسية كتطورات الأحداث في المنطقة، أنتجت حالة من التباعد والفتور في العلاقة بين فئات مجتمعاتنا، ولابد من تجاوز هذه الآثار، فصناعة المستقبل وبناء الوطن ومواجهة الأخطار والتحديات، لا يتم كل ذلك إلا بالتوافق والتلاحم الوطني، والانفتاح والتواصل هو الذي يخلق أرضية الوحدة والتوافق.

إن من بركات شهر رمضان الكريم ما ألفته مجمعاتنا من توفير فرص التلاقي والتواصل الاجتماعي.

والمطلوب استثمار هذه الحالة وتطويرها بوضع برنامج للتواصل بين التوجهات المذهبية والفكرية والسياسية.

مثلاً أن يتزاور ويتواصل علماء الدين من السنة والشيعة، وكذلك قادة التجمعات السياسية، والتيارات الفكرية.

على أن يكون ذلك تأسيساً لتواصل دائم وليس حالة موسمية فقط.

كما أن مجالس ومحافل الخطابات الدينية الرمضانية ينبغي أن يستفاد منها في تعزيز حالة التواصل، بمشاركة علماء وخطباء من مختلف التوجهات، وبالتأكيد على ثقافة التسامح والانفتاح.

كيف يمكن المحافظة على المخزون الروحي والفكري لشهر رمضان إلى ما بعد شهر رمضان؟

للمحافظة على المخزون الروحي والفكري لشهر رمضان المبارك، فانه يجب أن يتحول إلى برامج عملية في حياة الإنسان، وإلى قناعات فكرية راسخة.

وما نجده في الأحاديث والروايات من التركيز على أهمية التوبة والاستغفار، في أوقات الشهر الكريم، ومن ممارسة عمل الخير في أيامه ولياليه، ومن تكثيف تلاوة القران والأدعية المأثورة، إنما هو من اجل تثبيت برامج صالحة في سلوك الإنسان اليومي، وانجاز عصف ذهني يراجع به أفكاره وآراءه، ليتوصل إلى الرأي الأصوب.

وذلك يعني أن يكون شهر رمضان محطة تزود وتعبئة بالوقود الروحي، والصفاء الفكري، الذي يموّل ويغذّي حركة الإنسان طيلة السنة.

لكن الغريب جداً أن يصبح شهر رمضان وكأنه حالة استثنائية تنتهي بكل تفاعلاتها فور إعلان عيد الفطر. حيث تعود حليمة إلى عادتها القديمة - كما يقولون -.

إن انتهاء فترة التدريب تعني إتقان المهمة التدريبية، وكسب مهارتها، لتصبح جزءاً من كفاءة الإنسان ورصيده.

فليحرص كل واحد منا على الحفاظ على مكاسب الشهر الكريم في أعماق نفسه وجوانب عقله وبرامج سلوكه.

شهر الله

حتى نعرف كيف نتوقف عند محطات الزمن، كيف نستقبل هلال شهر الله الكريم؟

يجب أن نستقبل شهر الله الكريم بالاستعداد لجرد الحساب مع الذات، فكما لكل مؤسسة موعد سنوي لجرد حساباتها ومراجعة أمورها، كذلك على كل إنسان مسلم أن يتوقف عند هذه المحطة الزمنية المباركة لمحاسبة نفسه، والأحاديث الشريفة تأمرنا بمحاسبة أنفسنا كل يوم وليلة، لكن شهر رمضان بخصائصه ونفحاته هو أفضل محطة للمحاسبة والمراجعة والتقويم السنوي.

ليكتشف الإنسان خبايا ذاته، ويتأمل صورة نفسه الحقيقية، ليرى نقاط ضعفه، ومواقع قوته، ثم يبدأ التخطيط لتلافي نقاط الضعف، وتنمية مواقع القوة ويضع له برنامجا لسنته القادمة.

فبالاستعداد للمحاسبة والمراجعة والتقويم، والعزم على التطوير والتخطيط والبرمجة يجب أن نستقبل هذا الشهر الكريم.

شهر الله محطة زمانية يتخذها المسلمون للتزود بالوقود الروحي والمعرفي والثقافي وغيره، ليتجهوا إلى الله والآخرة. كيف نؤسس هذه البرامج الرمضانية؟

البرامج الروحية والمعرفية لشهر رمضان المبارك يجب أن تخضع للدراسة والتقويم والتطوير، لا أن تكون روتينية تقليدية نتوارث أساليبها دون أخذ المستجدات والاحتياجات بعين الاعتبار، ولا شك أن مستجدات كثيرة تحدث، ومشاكل عديدة تحصل في المجتمع، وليست أوضاع اليوم كالأمس، ولا معاناة هذا الجيل كالجيل السابق.

ونحن نرى كيف أن الجامعات والمدارس التعليمية تراجع مناهجها كل عام أو بين عام وآخر. فلماذا نحن نصر على نوعية معينة من الأساليب والبرامج دون تغيير أو تطوير. إن المحتوى والجوهر يجب الحفاظ عليه، أما الأسلوب والطريقة فلا بد وأن يخضع للتطور حسب المتطلبات.

كيف نصنع إنساناً جديداً لا عهد له بالإنسان القديم «إنسان ما قبل رمضان»؟

كل تغيير في حياة الإنسان يعتمد على إرادته، وعلى إتباعه الطريق الصحيح للتغيير، وفي شهر رمضان المبارك ومن خلال أجواء الصلاة والصيام والدعاء وقراءة القرآن يجب أن نستثير في أنفسنا قوة الإرادة، وأن نحرر إرادتنا من الشهوات والأهواء وهذا هدف أساسي للصوم: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».

والتقوى هي التحرر من الشهوات والأهواء، فإذا حرر الإنسان إرادته وقرر استخدامها في الاتجاه الصحيح فذلك هو طريق التغيير والتجديد في حياته ولشخصيته.

أما إذا ضعف أمام الشهوات وخضع للتقاليد والعادات واستجاب لدواعي الكسل والتراخي فإنه سوف لا يستفيد شيئا من بركات هذا الشهر العظيم، وحتى لو صام فسينطبق عليه الحديث الشريف: ”كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش“.

هناك صومان في شهر رمضان: صوم فردي وهو جولة روحية فردية مع الله عز وجل، وهناك صوم جماعي على مستوى الأمة الإسلامية وهو نقلة جماعية إليه عز وجل. ترى ما هي حقيقة هذين الصومين؟

الجانب الجماعي في العبادات الإسلامية له أهمية كبرى حيث لم يتزك الله تعالى الحرية للإنسان أن يصوم أي فترة في العام بل جعل الصيام في شهر محدد لتكون فريضة الصيام جماعية على مستوى الأمة.

وكذلك فإن الحج في أيام معلومات ليكون موسماً للتلاقي في أجواءه على مستوى الأمة.

والصلاة وإن كانت في الأصل تؤدى إفرادياً لكنها في يوم الجمعة والعيدين تؤدى جماعية «على تفصيل فقهي» وبشكل عام الأفضل أن تؤدى جماعة.

إن ذلك ينطلق من أن إصلاح الفرد لا يكفي ولا يحقق الغرض المطلوب من الرسالة. فالمطلوب إنشاء أمة مؤمنة تؤسس لحضارة إلهية ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ

إننا حينما نعيش الصوم على مستوى الأمة فذلك يجب أن يعزز فينا روح الانتماء لهذه الأمة وأن نتحمل المسؤولية تجاهها وأن نعيش أجواء الصوم على مستواها وليس على المستوى الفردي فقط.

الشباب وشهر رمضان

شهر رمضان.. هل يعني للشباب شيئاً مميزاً ومعنى خاصاً؟

الشباب والشابات يعيشون فترة استيقاظ الرغبات واشتداد ضغوطها، فمرحلة الشباب حساسة جداً لجهة تبلور الأحاسيس والعواطف، وبلوغ الشهوة أوجها في نفس الشباب والشابة.

ومما يجعل الشباب في حاجة أكبر إلى قوة الإرادة، لمواجهة ضغط الرغبة والشهوة. إن ذلك يشبه حاجة قائد السيارة وهو ينحدر بها من طريق مرتفع إلى قوة الفرامل والكوابح وإلا تعرض لخطر فقدان السيطرة عليها.

تتسابق في شهر رمضان القنوات الفضائية ومحطات التلفزة على استقطاب المشاهدين عبر برامج المسابقات والأفلام وسواها، ويتسمر الشباب والشابات بالفعل ساعات طويلة أمامها لمتابعة تلك البرامج، ما تعليقكم على هذه الظاهرة؟

لا شك أن وسائل الاتصال والإعلام من فضائيات وإنترنت أصبحت مصدراً من مصادر المعرفة والتثقيف لا يمكن الاستغناء عنها، لكنها في الغالب تعتمد برامج الإثارة، وتحريض الرغبات والشهوات عند الإنسان، خاصة الشباب والشابات، وتقوم بدور البشير والترويج لأنماط سلوكية مخالفة لنظام القيم في مجتمعاتنا الإسلامية، وبعض برامجها قليل الفائدة إن لم يكن عديم الفائدة ويضيع وقت المشاهد هدراً.

إننا لا نطلب من الشباب مقاطعة هذه الوسائل الإعلامية، لأن ذلك يعني الانغلاق والانطواء ولكننا نلفت أنظارهم إلى ضرورة التقويم والنقد والتمييز، فلا يسلمون عقولهم ونفوسهم لما يعرض عليهم دون دراسة وبحث وتمحيص.

من المتغيرات الملحوظة على الشباب في شهر رمضان عادة السهر في الليل والنوم أطول فترة من النهار حتى يتلافوا عناء الصوم ويستمتعوا بليالي شهر رمضان ذات النكهة الخاصة فهل لكم وجهة نظر حول هذا الموضوع؟

لا أحبذ كثرة القيود والتدخل في حياة الناس الخاصة، وحريتهم في تنظيم برامجهم وعاداتهم، وخاصة إذا كان هذا التدخل باسم الدين والشرع، فالدين ليس مجرد قائمة من الممنوعات والمحظورات لتعقيد حياة الإنسان، ومكافحة ميوله ورغباته، بل إنه دين يعطي الإنسان أقصى حرية وأوسع مدى للاستمتاع بهذه الحياة. لذا يقرر الفقهاء أن الأصل في الإسلام الإباحة والحلية حتى يثبت العكس فكل شيء مباح وحلال إلا إذا ثبت استثناؤه بالمنع والتحريم من قبل الشرع.

لذا فإن عادة السهر في ليالي رمضان والنوم في نهاره إذا لم تصطدم مع الوظائف والواجبات الأخرى، فذلك أمر متروك لرغبة الإنسان وحريته.

ونشير هنا إلى بعض حالات التصادم: مثل انعكاس السهر على أداء الإنسان لعمله المكلف به في النهار، فإذا كان موظفاً ولم يأخذ حظه من النوم، وجاء إلى العمل متعباً كسلاناً، فإن ذلك يسبب ضعف إنتاجيته، وقد يجعله سيئ التعامل مع زملائه في العمل ومع المراجعين.

هنا يحصل تصادم بين هذه العادة وبين الوظيفة الواجبة، وهذا لا يصح شرعاً ولا يُقبل عقلا.

نصيحة في هذا الشهر لمن توجهها؟

أنصح نفسي وأخواني القراء الأعزاء بأن نعزم على اتخاذ قرارات التغيير والإصلاح في حياتنا في هذا الشهر الكريم، وأن نترجم صيامنا في المجال السلوكي بطي صفحة أي نزاع مع أي أحد من محيطنا الاجتماعي، فذلك أدعى لنيل مغفرة الله تعالى ورضوانه. وأن نتقرب إلى الله تعالى بحسن الأخلاق والتعامل مع الناس كما ورد في حديث شريف «من حسَّن في هذا الشهر الكريم خلقه كان له جواز على الصراط يوم القيامة».