آخر تحديث: 8 / 8 / 2020م - 6:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

الدوسري: علاقة الدواسر بأهالي القطيف باقية لم تطلها عوامل التعرية

جهينة الإخبارية حوار / سلمان العيد - مجلة الخط – العدد 43
عيسى الدوسري
  • علاقة الدواسر بأهالي القطيف باقية لم تطلها عوامل التعرية
  • التكالب على المغريات أوجد شريحة ”مقلدة“ للغير في كل شيء
  • الحياة بسيطة وجميلة لكن سلوكياتنا أفقدتها النكهة
  • التواصل والإحترام المتبادل وصفة سحرية لحل جملة من المشكلات
  • الماضي أجمل من الحاضر.. جملة أرفضها جملة وتفصيلاً

حينما اتصلت بالأستاذ عيسى بن علي بن عيسى الدوسري «زعيم قبيلة الدواسر في السعودية والبحرين»، كنت أتوقع بأنني سوف أقابل شخصا كبير السن، كث اللحية، ربما كانت النظارة كبيرة الحجم، خاصة وأن كلامه معي في الهاتف كان يوحي بذلك، لما يحمله من تقدير واحترام، وتقديس للموعد، واحتفاء واحترام للآخر، لذلك حينما جلست معه، وجدت نفسي مع كبير في السن والتجربة ولكن بروح الشباب، وكان أول ما لفت نظري في مكتبه الكائن بإحدى العمارات المعروفة على طريق الأمير محمد بن فهد هو مجموعة الصور التي التقطت له مع عدد من المسؤولين، بل وكبار المسؤولين في الدولة، لكنه مع ذلك رفض أن يتحدث معي عن سيرته الذاتية، تحت مبرر ”ما لدي فهو لي“ وعلينا ان نتحدث في القضايا العامة، وهذا ما تم بالفعل.. فقد تحدثنا عن جملة من الموضوعات يغلب عليها الهم الوطني، خصوصا العلاقات الاجتماعية التي جمعت اهالي محافظة القطيف مع اخوانهم أبناء قبيلة الدواسر، التي كانت ضاربة في عمق التاريخ، في فترات ما قبل النفط.. كل ذلك في الحوارالتالي:

عيسى الدوسري

هل من الممكن أن تعطونا نبذة  ولو مختصرة  عن بداية تجربتكم الحياتية؟

الحديث عن النفس من المسائل الصعبة، عدا القول بأني من مواليد الدمام، ولدت وترعرعت في هذه المنطقة، في وقت كانت الحياة بسيطة عادية، ذات إيقاع طبيعي، يختلف عن الذي نراه اليوم من نقلات حياتية يصعب مجاراتها وضبط ايقاعاتها.. لقد جئت إلى الحياة في الدمام، حينما لم تكن هذه المنطقة المزدهرة عمرانيا وحيوية ونشاطا، وشهدت العديد منى النقلات التي نراه اليوم، وعاصرت العديد من التطورات، على مختلف الصعد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، هذا ما يمكن قوله عن سيرتي الذاتية.

هل يعني هذا ان الحياة المعاصرة اختلفت عن الحياة السابقة؟

اختلفت من ناحية أن المجتمع اليوم بات يسير بسرعة جنونية تجاه المغريات، ومغريات الحياة كثيرة، والتوجه بات منصبا تجاه الرفاهية والاكسسورات التابعة لها، فالكثير من الناس  بكل أسف  باتت تجري وراء المظاهر الخادعة، وابتعدنا في المقابل عن الدين، وهذا الابتعاد هو وراء كل مشاكلنا اليومية على مختلف مستوياتها، لدرجة أن بعض الأمثلة التي نفخر بها، وهي مصدر عزتنا، ومصدر سعادتنا، صرنا بعيدين كل البعد عنها، فحينما نقول ”القناعة كنز لا يفنى“، نجد أن ثمة مسافة بين هذا الشعار وبين تطبيقه عمليا، فتجد التكالب على المال وعلى المغريات المادية بدون قناعة، ذلك بخلاف تجارنا السابقين الذين كانوا يملكون حسا تجاريا رفيعا، ساهموا من خلاله في الكثير من العمليات التنموية التي ننعم نحن بخيرها  بعد توفيق الله وفضله  لكن الواحد منهم لا ينافس غيره في مجال غير مجاله، فكانوا يعملون لأجل التجارة لا لأجل المال، بمعنى أنهم يعملون لتوفير سلعة وخدمة للناس، ومنها يوفرون لأنفسهم ولعوائلهم العيش الكريم، ويعمل كل واحد في تخصصه، وهو مقتنع بدوره في هذا الشأن، بينما هذا ما نفقده لدى بعض المعاصرين، الذي افتقدوا للتخصص.

عيسى الدوسري

هل يعني هذا أن الوضع جاء نتيجة تعقد الحياة؟

بالفعل الحياة تعقدت بشكل جنوني، والاتصالات الحديثة ساهمت في ذلك، إذ فتحت أفق الناس على العديد من الافكار والقيم، فالواحد منا اليوم يطلّع على كل شيء، وصار يعرف كل شيء، ويريد المزيد، وهذه الحياة لها ايجابياتها بالطبع، ولكن لها سلبياتها الكثيرة على نمط الحياة، وأحدثت نقلات خطيرة في حياتنا اليومية، منها سيادة ”ثقافة“ تقليد الغير في كل شيء، وما ينبغي قوله هنا أن الحياة بسيطة وسهلة وجميلة، ولكننا بسلوكياتنا وتصرفاتنا اليومية نجعلها صعبة ومعقدة ومليئة بالمشاكل.

من وجهة نظركم كيف يتم الخروج من هذا النفق المظلم؟

أولا، علينا أن نعيد النظر في مفهومنا للحياة بشكل عام، وأن نعمل ونتحرك متسلحين بالتفاؤل وحسن الظن، والالتزام بالفروض الدينية، وترتيب البرنامج اليومي، وأن يكون سلاحنا في الحياة هو الابتسامة، هذه القيم  بسبب تعقد الحياة اليومية  تراجعت شيئا قليلا، فصار بعض الناس متشائمين، علاقاتهم مشوبة بالظن السيء، والمكر السيء، فضلا عن أن الالتزام بالدين وقيمة وفروضه لا يتم كما ينبغي أن يصير، لذلك لا تستغرب أن تظهر لديك مشكلة اجتماعية هنا، وأزمة ثقافية هناك.

أرى أن الحديث جميل لكنه يدور حول الإطار النظري، كيف ندخل هذا الامر الحيّز العملي؟

نحن في مجتمع مسلم، بل بلادنا قبلة المسلمين، وينبغي أن نكون قدوة حسنة للآخرين، وأن نشيع في أجوائنا الاجتماعية، وبين أبناء الجيل الناشئ على وجه الخصوص ”ثقافة“ البساطة، وأن يكون ذلك شعارا لنا مهما تكن الصعاب، تماما كما كان أهالينا في الزمن السابق يعملون، فشعار ”الزايد أخو الناقص“ مقولة صحيحة، في والنقطة الثانية أن نرفع مستوى الوعي الحضاري لدينا بأن تكون حياتنا اليومية منظمة، وتسير وفق تنظيم يبعدنا عن الفوضى الحياتية التي يعاني منها الكثير من الناس، فثقافة التنظيم هي سلوكيات وعادات يتم اكتسابها بالممارسة، فعندما أعمل في إدارة فأعمل بإخلاص وجهد لوقت الدوام، وحينما أخرج بعد أن أعطيت عملي ساعاته المفروضة، أقوم بتنظيم ساعات يومي بين أهلي وعائلتي وأنشطتي الاجتماعية والثقافية بموجب جدول.. طبعا التنظيم لا يعني التعقيد، ولا يختلف مع البساطة التي تحدثنا عنها، بل هو خلاف الفوضى، التي هي أم المشاكل.

عيسى الدوسري

وهل تتوقع أن يأتي يوم ونصل إلى هذا الوضع المثالي الذي تتحدث عنه؟

لا شيء مستحيل في هذه الحياة، دعني أضرب لك مثلا لو لاحظنا دول مجلس التعاون الخليجي الست، مع بداية القرن التاسع عشر كانت فقيرة، وربما كانت مدقعة الفقر، وكانت بناها التحتية ”صفرا“، وما كان لدينا عناصر متعلّمة، تحمل الشهادات العليا، وكل ما لدينا من الكتاتيب، بينما اليوم تجد في دول المجلس الملايين من حملة شهادة البكالريوس، ومئات الألوف من حملة شهادات الماجستير والدكتوراه، ولدينا من الأطباء والطبيبات وكادر التمريض بعشرات الألوف، وصار لدينا من رجال الأعمال أسماء لامعة في سماء الاقتصاد العالمي، هذا كله تم خلال خمسين أو ستين عاما، ولو وقفت على سيرة الآباء والأجداد المخضرمين ممن عاصروا فترة ما قبل النهضة الاقتصادية وما بعدها، تجدهم واكبوا ذلك التطور، وتفاعلوا معه، واستمتعوا بتفاصيله، لكنهم ظلوا متمسكين بعاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم، فهم أغنياء وليسوا مستهترين، وبدورنا نحن نسير على سيرتهم، لكننا أضفنا بعض الإضافات، بعضها سليمة ومطلوبة، وبعضها يجب مراجعتها وإعادة النظر حولها.

لو سألتك ماذا تنصح الجيل الناشيء ماذا تقول؟

قبل أن أنصح الجيل الناشيء، أقول إننا نشيد دائما بما كان عليه آباؤنا وأجدادنا، وهذا صحيح، لكن أن نقول ”الزمن الماضي أفضل من الحاضر“، هي مقولة تحتاج إلى تصحيح وإعادة نظر، فكل زمن له خصوصيته ونكهته وجماله، وكل جيل له إنجازاته وله طموحاته، ونحن حينما نقوم بعملية تقييم لواقعنا المعاصر لا يعني نفي ما لديه من إيجابيات، ولا يعني أيضا أن الحياة باتت مستحيلة، إذ تم التأكيد قبل قليل على مسألة التفاؤل، وللإجابة على السؤال أدعو الجيل الناشيء إلى التمسك بقيم الدين وتعاليمه السمحاء، خصوصا تلك التي تقدس التسامح وترفع من شأن التعاون، والابتعاد عن المقولات الخاطئة التي تحمل اللافتة الدينية وهي تحمل في طيّاتها بذور الفتنة والتطرف وعدم التسامح.. هذا أولا، وثانيا: أدعوالجيل الجديد إلى ترسيخ مسألة حب الوطن، فحي الوطن من الإيمان، وأن يعطي كل واحد من هذا الجيل وطنه حبا كما يحب نفسه، وأخيرا أدعو الجيل الجديد إلى قبول الآخر، والتعاطي معه، حتى لو كان مختلفا معه في بعض التفاصيل اليومية، فما أحد يشبه الآخر في كل شيء.

عيسى الدوسري

على ذكر قبول الآخر، والتعاطي معه، وهي مشكلتنا في الوقت الحاضر في كل مكان، ليس في الجوانب العقائدية وحسب، بل حتى في الأدب والفن والرياضة، كيف يتم ذلك من وجهة نظركم؟

قبول الآخر يتم من خلال «التواصل والاحترام المتبادل»، ذلك ببساطة متناهية، لأن الحياة غير معقدة، والعلاقات الإنسانية تحتاج إلى أبسط الأمور، فأنت تريد مني الاحترام، وأنا أريد منك الاحترام، وعلى ضوء الاحترام المتبادل يتم التواصل، الذي سوف يكون إيجابيا وعمليا ومجديا.

لو انتقلنا الى موضوع آخر وهو العلاقة بين قبيلة الدواسر مع أهالي القطيف، كيف كان الوضع وكيف ترون صورة المستقبل؟

إن العلاقة بين الدواسر وأهالي القطيف، كانت  وما زالت  جميلة، بل وجميلة جدا، لم تطالها عوامل التعرية، كالتي طالت الكثير من الأشياء في حياتنا اليومية، فمن المعروف «في العقود الماضية» أن القطيف كانت بلادا عامرة، ونشيطة من شتى النواحي، فقد كانت بها الأسواق والمراكز والمدارس، وقبل أن تدخل الدمام مرحلة نهوضها التنموي كانت تعتمد على القطيف في كل شيء، وكانت العلاقات بين الأهالي أكثر قوية، حيث تبادل الزيارات، والتواصل الدائم، إضافة إلى وجود المشاريع التجارية المشتركة، وهنا نشير إلى حقيقة ينبغي الوقوف عندها، وهي إن أي فئات معينة تعيش في مكان واحد لا بد وأن تنشأ بينهما تقاطعات ومصالح مشتركة، حتى وإن اختلفت في بعض التوجهات الفكرية والثقافية والاجتماعية، وهذا ما كان سائدا بين أبناء قبيلة الدواسر وأهالي القطيف، فقد شكلنا  جميعا  نموذجا للتعايش الذي هو مفخرة لنا ولمجتمعنا، وللأجيال القادمة، وما زالت الروح الأخوية والعلاقات قائمة وسوف تستمر بإذن الله.

عيسى الدوسري

ولكن كما يبدو أن التعايش لم يتجاوز هذه الحدود العملية والعلاقات الاجتماعية؟

لقد كان تعايشنا منطقيا، وموضوعيا، بعيدا عن الحساسيات التي انتشرت في السنوات الأخيرة، التي لا يمكن وصفها سوى أنها نابعة من مصالح شخصية ومادية، أو من بعض ”العقد“ التي أصابت البعض منها البحث عن مكانة معينة في المجتمع، ففي الغالب أن من يدعو لقيمة اخلاقية سليمة فهو يسير وفق النسق العام، الذي يتفاعل معه الجميع، لكن من يدعو إلى ”قيم“ غير متسامحة فإنه يرغب بأن تتسلط الأضواء عليه، فيحقق حاجة في نفسه، فهي مصلحة شخصية، لكنها «للأسف» على حساب المصالح العامة، وهي بالتأكيد ضارة بالمجتمع.

ما دمنا كذلك، وكلنا نأمل في المزيد، خصوصا في هذا الوقت المليء بالحساسيات ذات البعد التقسيمي، الذي بدأ ينتشر في ربوع المعمورة، من وجهة نظركم ماذا حصل بالضبط؟

الوضع النفسي لدينا جميعا مازال على حاله، فكلنا نواجه مصيرا واحدا، ووضعا متشابها، والظروف هي هي، لكن الذي ينبغي التوقف إليه والإشارة اليه اليوم وغدا وفي كل لحظة هي أن بعض المسؤولين الغربيين نقل عنهم حينما سقطت الشيوعية قولهم لقد انتهينا من عدو وبقي لنا عدو آخر هو الإسلام، هذه المعلومة التي يعرفها الجميع، أو يعرفها الغالبية من أبناء أمة العرب والإسلام ينبغي ان توقظ فينا روحا جديدة، تميل الى التسامح، بل وتقدس كل قيم التسامح، وترفض قيم التجزئة والتفرقة وما يتبعها من مصطلحات ذات بعد يناقض المصالح العامة، فمصلحتنا تكمن في التعايش والتعاون والإخوة والاحترام المتبادل، إذا أردنا لأمتنا ولمجتمعنا الخير والصلاح.

عيسى الدوسري

هنا سؤال أكثر تحديدا وصراحة، أين تكمن الأزمة؟

 تكمن في أولوية المصالح الشخصية، التي باتت لدى البعض هي محور السلوكيات، ومحور العلاقات، ونقولها بكل صراحة أن عمق الروح الوطنية ربما تراجع لدى البعض، فصار يتصرف ويتحدث وربما يفعل أشياء مناقضة للمصالح العامة، فمثلا قبل 30 أو 40 عاما كان معظم موظفي الدولة، أو العاملين في الشركات من ذوي التعليم المتواضع، بل ربما لم يحظ أي منهم بتعليم يذكر، فأقصى ما يملك هي القرءاة والكتابة، وإذا زاد الأمر كانت شهادة الابتدائية والمتوسطة، لكن مع ذلك كان الواحد منهم يدير إدارة، وكان مخلصا في عمله من ناحية الحضور والانصراف، حيث يعمل بدون بصمة وبدون توقيع وبدون رقابة على الدوام. وكان يحرص على المال العام أكثر من حرصه على ماله الشخصي، وهو أول من يأتي للدوام وآخر من يخرج من إدارته، والسبب في ذلك أن ثمة حبا قد تمكن من ذاته لوطنه ولمجتمعه، وهذه الروح ربما تراجعت لدى بعضنا فكانت النتيجة التي نراها ونسمع عنها ونبدي استياءنا يوميا منها، ولو أن كل واحد منا حاسب نفسه، لوقف أمام هذه الحقيقة، إذ انتشر التعليم وارتفع مستوى الثقافة والوعي، ولكن الروح التي ننشدها نأمل أن تعود بشكل أفضل ونحن قادرون على ذلك.. فيحدث أن البعض يعمل ضد نفسه وضد مجتمعه وضد وطنه وهو يحسب أنه يحسن صنعا.