آخر تحديث: 9 / 7 / 2020م - 3:23 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ماذا تريد أن تقرأ..

يوسف أوال *

لست أملك ما يملكه نزار القباني من الغزل، وليس عندي الجنون الكافي لأصف إليك السراب كما يفعل محمود درويش، ولا يمكنني أن أسافر في أعماق النفس الكئيبة كجبران خليل جبران، الحقيقة هي أنني لا أفهم شيء من شعر الجواهري العظيم، ولا يمكنني أن أتخيل الأشياء كغادة السمّان، ولا أحفظ أسماء الشعراء والكتّاب، ولا أقرأ في الليلة آلاف الصفحات، أظنني حتى الآن لم أر تلك الإشارات الكونية التي تحدث عنها باولو كويلو في خيميائيته الرائعة، ويجذبني كثيراً عنوان رواية فيكتور هوغو ”البؤساء“ أتذكر أنني تغلغلت فيها كثيرًا وعشقت كوزيت وجان فالجان حتى الضياع، أحبّ الموسيقى وكثيرًا ما تخترق روحي بيانو شوبان، منذ فترة كنت أبحث في موقع اليوتيوب عن موسيقى لم أسمعها من قبل، حتى وجدت متتابعة شهرزاد للمدهش كورساكوف، أدمنتها وأظن أن سماعات هاتفي المحمول أدمنتها أيضًا، أوه نسيت لماذا أنا أكتب هذه السطور التي أكتبها وتقرؤها أنت الآن. لا بأس سأستمر في الكتابة لأن موسيقى شوبان تتحدث معي، يمكنك أن تسمع، فلتصغي إليّ، عفوًا، إلى الموسيقى!! أوه نسيت أنك لست معي.

تذكرت لماذا أكتب هذه السطور، أنا أكتب لأن كل إنسان يحتاج إلى الكتابة، أجل كل إنسان يحتاج إلى الكتابة، الكتابة لها أشكال مختلفة، فالبعض يكتب دون الحاجة إلى أقلام وأوراق، البعض يكتب في أعماق صدره بطريقة لا يمكننا تخيلها أبدًا، وأكبر دليل على هذا الأمر هو الدهشة التي تصيبنا حين نقرأ شيء ما يحرك أحاسيسنا، هذه الدهشة سببها أن هذه السطور مكتوبة فينا، ونحن من كتبها، لكننا الآن نقرؤها بطريقة أخرى، البعض منا يبوح بأشياء مكتوبة في داخله، ذات مرة قرأت لأحد الفلاسفة الغربيين كتاب يقول في مقدمته بأن الإنسان يولد صفحة بيضاء، ثم تبدأ الحياة بالكتابة على تلك الصفحة البيضاء، وهو يساعد في الكتابة أيضًا، التجارب تكتب، والألم، والدموع، والحرمان، والفرحة، والسعادة، كل شيء يكتب في تلك الصفحة البيضاء، الكتابة ليست محصورة على أحد، والكتابة ليست كما يتصورها البعض على شكل فتاة عارية، الكتابة ليست استعراض لبعض الصور الخيالية، الكتابة شيء فضفاض يتسع إلى أشياء كثيرة، أهمها الدموع، هل جربت أن تكتب دموعك؟ أممممم أنا جربت.

سيسخر البعض من تلك المحاولات التي نكتب فيها لأول مرة، ستبدو الحروف كالأفاعي لا تهدأ متشابكة ومتحركة، وستبدو لغتنا العربية هشة جدًا بسبب الأخطاء الإملائية والنحوية والبلاغية، اللغة الحقيقة مكتوبة في داخلك، والكاتب رزقه الله القدرة على نسخ بعض من تلك النصوص المكتوبة في الأعماق، كل شيء قد تراه هو عبارة عن نسخة أو صورة لشيء لا تراه.

تشعر بالتيه؟ أنا أيضًا أشعر بما تشعر! حروفي مبعثرة ونسختي ليست مُستهلكة، فلست أحد الأشخاص الذين تحدثت لك عنهم في بداية هذا النص الشاحب والغريب لحد ما. يقولون بأن أصعب الأشياء هي البدايات والنهايات، وأنا في الحقيقة لا أدري كيف بدأت في كتابة هذه الفوضى العارمة، ومن الطبيعي جدًا أن لا أدري كيف أنتهي منها. سأرفع أصابعي عن حبات الكيبورد.

كاتب سعودي - تاروت