آخر تحديث: 23 / 10 / 2020م - 11:53 ص

العنوان المقدس

أحمد شرف السادة

أبو عامر هو رجل في زمن الجاهلية كان قد اعتنق النصرانية وتحول إلى رجل رهباني له نفوذ واسع في جماعة الخزرج وعندما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة المنورة وكان المسلمون قد انتصروا على المشركين رأى أبو عامر أن الناس قد انفضوا من حوله وبقي وحيدا فقرر محاربة الاسلام فهرب إلى كفار مكة للتخطيط لمحاربة النبي فقام بدعوة قبائل العرب وخطط معهم لمعركة أحد إلا أنه بعد أن دوّى صوت الإسلام أكثر هرب أبو عامر هذا إلى الروم ليستعين بهرقل لقتال النبي ﷺ فأرسل رسالة لمنافقي المدينة ليؤسسوا مقرا ليكون منطلقا لمؤامراتهم لكن كيف يقوموا ببناء هذا المقر والمسلمون هم الغالبية العظمى في المدينة؟

لم يجدوا بدا إلا أن يؤسسوا مقرا لهم تحت غطاء وعنوان مقدس فاختاروا عنوان المسجد وجعلوا ذلك العنوان أكثر جاذبية بدعوى أنه لمساعدة المرضى والعاجزين وفعلًا تم بناء المسجد واختاروا شابًا حافظًا للقرآن «مجمع بن حارثة» لإمامة المسجد إلا أن الوحي الإلهي أخبر النبي ﷺ عن نيتهم فأمر بحرق ذلك المسجد وهدمه ليس ذلك فقط بل وتحويله إلى محل لجمع النفايات.

إلى هنا تنتهي قصة مسجد ضرار الذائع الصيت

وأترك الاستفادة من قصة هذا المسجد للقارئ اللبيب.

من الثقافات التي تتخذ مدى كبيرًا في أوساط كثير من المجتمعات هي ثقافة العناوين المقدسة إننا هنا لانبحث في مسألة تقديس مسار الحق المطلق مثل الكتب والشرائع السماوية وأنبياء الله العظام فذلك أمر طبيعي ومنطقي لكننا نبحث في أمر يعاد تصنيعه من جديد وهو موضوع تقديس العنوان ولكي يقدس هذا العنوان يعطى له اسمًا جاذبًا وبراقًا فالعنوان الجاذب على سبيل المثال الحضارة التقنية للمجتمعات وإغراقها بما يستجد يوميًا بالإلكترونيات لكن هل هذه هي الحقيقة أم أن هناك أهدافَا أخرى؟

العنوان الجاذب لوحده لايكفي

إن عناوين تحظى بقداسة قد تكون دينية أو اجتماعية أو أكاديمية أو ما أشبه لا يجب النظر إليها كعناوين مقدسة فالمسجد أو العمامة أو رجل الدين أو الدكتور أو الفيلسوف أو الخبير أو الوجيه أو الشيخ أو الأستاذ أو غيرها تحدد بأمر هام للغاية وهو النهج والاخلاص وتطبيق القول على الفعل لوجه الله الأقدس فليس هناك أمر مقدس يعمل من أجله كوجهه سبحانه وتعالى فليس المهم العنوان فقط بل المهم هو المبدأ فالمسجد عنوان مقدس لكن قد يستخدم لغير هدفه بل قد يكون ذلك المسجد معول هدم وتدمير للمجتمع كما هو في ثقافتنا حول مسجد ضرار والذي لا زال موجودًا إلى يومنا هذا لأن التاريخ يعيد نفسه وإن بمصطلحات ومسميات جديدة «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ....»

مصطلح الجهاد كعنوان مقدس وجاذب لروح الشباب والحماس لكن قد يتاجر بهذا العنوان لدرجة أن يسل السيف علنًا لقتل الأبرياء وقطع الرؤوس واستحياء النساء ودفن الأطفال وتشويه الدين باسم ذلك العنوان المقدس ولا نتيجة من ذلك سوى تزييف الدين وصبغه بصبغة كريهة وبصورة منفرة بل ولإثبات فشل تحكيم شرع الله والإطروحة الاسلامية الأصيلة في الحكم حاليًا ومستقبلًا حتى ارتفعت الأصوات المطالبة بفصل الدين عن السياسة وأصبحت تلك الأطروحات يطالب وينادى بها كنصائح للدول العربية والإسلامية وما يدرينا فقد يتطور الأمر بأن تقر تلك الدعاوى كقرارات ملزمة في المنظمات الدولية.

العمامة والزي الديني وطالب الحوزة كلها عناوين مقدسة في أوساط الناس إلا أن ذلك الزي المجرد وذلك العنوان الجاذب لا يكفي إن لم يكن بجانبه خدمة الناس بشكل حقيقي وإصلاح لذات البين والإخلاص لله وطلب مرضاته ونشر للمعارف الإسلامية أما إذا تبين أن حب الدنيا والمال والشهوات والطمع والجشع والظهور الاجتماعي والأنا المفرطة هي مميزات لصاحب ذلك اللباس وأن العلم الذي يمتلكه أو مجموعة المصطلحات التي حفظها قد تحول إلى صنعة من الصناعات فإنه بذلك يخدم أعداء الأمة من حيث يشعر أو لا يشعر.

العلم أيضًا عنوان مقدس سواء كان علم للأديان أم علم للأبدان أم علم للبنيان أم أي تخصص آخر المسألة ليست الحصول على العلم فقط فكم من شخص حاصل على العلم وعلى أعلى الشهادات وأدق التخصصات لكن ليس لعلمه أثر ايجابي بل قد يتحول ذلك العلم إلى ظلمات وجهل فقد يتعلم أناس غير صالحين الكيمياء والفيزياء والهندسة لكن ليس في علمهم أي بركة وخير لأنهم غذّوا عقولهم فقط ولم يغذّوا أرواحهم. إن الإعداد الروحي لحامل العلم أيا كان نوع ذلك العلم أمر غاية في الأهمية لأن العلم إذا خلى من تهذيب النفس والإخلاص سيختل العطاء.

المعلم في المدرسة أو المعهد والأستاذ في الكلية والدكتور في الجامعة ورئيس مجلس الإدارة في المؤسسة أو الشركة أو الجمعية والوزير في وزارته كذلك ينطبق عليهم نفس الأمر فهما كعناوين لها مكانتها الاجتماعية والمهنية لا شك في ذلك لكن لم تتوفر فيهما عناصر الإخلاص والتطوير والتجديد والعمل المؤسساتي ستصبح الألقاب والعناوين مجرد كلمات ولن تكون هناك بركة وخير وصلاح فيما يقومان به.

وأعداء الأمة يصنعون عناوين يراد لها أن تكون مقدسة لتحقيق النجاح لمخططاتهم وليس ببعيد عن ذهن الجيل الواعي والمتابع لأحداث أمته من عنوان الجيش الذي لا يقهر والميركافا فخر الصناعة العسكرية إلا أن السواعد المخلصة وأمام هذه العناوين قد حطمتها وأذلتها.

من ذلك الغيض من الفيض من الأمثلة تتبين حقيقة كالشمس وهي أن التقديس يبقى للمبدأ والعطاء والاخلاص وعلى الجيل أن يمتلك الوعي الحقيقي ويوحد كلمته ويزيل عوائق تلك اللحمة ليعرف العدو ويميز بين العنوان المقدس والمستحق للتقديس والعنوان المجرد.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 5
1
ندى ال سيف
[ صفوى ]: 2 / 9 / 2014م - 12:40 ص
نعم هذا الكلام الصحيح يجب ان تكون القداسة لفكر و ليس لشخص ،،، احسنت استاذي
2
محمد الفرج
[ عوامية ]: 2 / 9 / 2014م - 10:03 ص
نعم مشكلتنا تقديس اسماء تقديس اشخاص تقديس ورق !
3
حكيم الحاجي
[ الدمام ]: 2 / 9 / 2014م - 10:50 ص
في مقتبل عمري كنت أقرأ عن سيرة الأمام الخميني (قدس سره) ولفت نظري في سيرته أمران :
1. عدم أعطاء حاشيته أي أهمية أكثر من حجمهم الطبيعي
2. حث طلابه على أن يكونوا شخصيات علمية ناقدة ومفكرة وباحثة عن العلم والتعلم وأن لا يسبق خط التعلم والعلم خط تهذيب النفس وتطهيرها من الكدورات والامراض الاخلاقية

وهناك مرتكز أساسي في نهجه السلوكي هو التركيز على القيام لله فقط وليس لتاريخ ولا للمجتمع ولا لأي أعتبار دنيوي ولا وجهاهتي.

أتصور لو أننا فهمنا هذه القضايا لما وقع الكثير منا في اشتباهات سلوكية !
4
فاطمة الناصر
[ الاوجام ]: 2 / 9 / 2014م - 10:54 ص
للأسف المشكلة في المُقدِسْ ، وليس في المُقدَسْ .. !
5
ابو علي
[ قطيف الاباء ]: 2 / 9 / 2014م - 11:06 ص
حقيقة واقع نعيشه احسنت ايها الكاتب