آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 6:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

«قصيدة النثر وفلسفة الإضافة»

حسين الخليفة

المعروف في التراث النحوي البلاغي أن المضاف قد يراد من إضافته إلى المضاف إليه إكسابه قيمة تشريفية عالية، كأن يقال: بيت الله، شهر الله.. وقد يراد من القيمة المضافة التحقير والتقليل من الشأن، مثل قولنا: أنف الناقة، عبدة الشيطان.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما القيمة التي اكتسبتها القصيدة حين أضيفت إلى النثر؟ أهي قيمة إيجابية أم قيمة سلبية؟

أهي إيجابية والغرض منها أن تستلهم القصيدة من النثر بعض سماته النوعية من قبيل: التكرار والتوازي والتكثيف، كما هي في القرآن الكريم ونهج البلاغة وأدب عبد الحميد الكاتب والجاحظ والتوحيدي والنفري وأمثالهم؟

أم هي مجرد إضافة شكلية لا تنشغل بالسمات السابقة، وكل همها أن تنسلخ من المحددات العروضية، فقولك: «قصيدة نثر» يساوي قولك: «قصيدة بلا وزن وبلا قافية»، مثلما تقول: «بيت بلا أعمدة، بلا جدران، بلا أسقف»، فهو مدهش لانسلاخه من كل صفات البيت مع كونه - شئنا أم أبينا - هو البيت، وهي مدهشة لانسلاخها من كل صفات القصيدة، مع إعلانها بأنها هي هي القصيدة.!

وقد اقُترِح للتخلص من «فنتازيا الإضافة» تلك، أن نطلق عليها لفظ «نثيرة» بدلاً من «قصيدة نثر»

ويُلاحظ على هذا الاقتراح - انطلاقاً من مقولة «خير الكلام ما قل ودل» - أنه أوفق من الاسم المضاف، لأنه حقق الغرض بلفظ واحد لا بلفظتين، فكلمة «نثيرة» فيها حروف كلمة «النثر»، وكلمة «قصيدة» حاضرة بالوزن الصرفي في كلمة «نثيرة»...

وفي المصطلحين «قصيدة نثر/ نثيرة» نلاحظ أن الواضع - عاطفيا - مشدود ومنحاز إلى القصيدة، فلا يستطيع أن يتنازل عن وصف «القصيدة» إلى صالح «هذا الفن الجديد»، وكأن الإرث العظيم لكلمة «القصيدة» كفيل بأن يطعم المولود الجديد من ثمار شجرة الخلد ويعده بملك لا يبلى.

وتماشياً مع المصطلح الأول الذي أخذ مشروعيته من الشهرة والشياع مثلما تأخذ الأخطاء الشائعة مشروعيتها، فلا يقوى صاحب «قل ولا تقل» ولا كل اللغويين من منع تردادها ودورانها على ألسنة الناس..

أقول - تماشياً مع مصطلح «قصيدة النثر» الذي لا بد أن نعطيه كل حقه مضافاً ومضافاً إليه - إننا ينبغي علينا أن نسمي كاتب قصيدة النثر «شاثراً»، لا شاعراً ولا ناثراً، فلا نظلم الشعر ولا نظلم النثر، ونعدل بين المتضايفين.

وإذا كان في عالم الشعر الموروث من حصل على لقب أمير الشعراء، أو شاعر العرب الأكبر، فإننا ننتظر أن يخرج لنا أتباع «قصيدة النثر» علماً يسمونه أمير الشثراء، وآخر يحوز على لقب شاثر العرب الأكبر.

وفي الوعي العقدي الشعبي عند الناس، أنه «ما من ثانٍ إلا وثُلِّث»، فنرى المتنبئين يوظفون المرتكز المذكور فيعدون بحرب عالمية ثالثة.. وأنا أعد بالسلم والمحبة والسلام، وبتنوع الشراب والطعام

وأتمنى أن أرتاد المكتبات العامة والخاصة، فأجد رفوفها مصنفة إلى خانة الشعر وخانة النثر وخانة الشثر.

وتبقى عندنا خطوة مهمة يجب علينا أن نخطوها، ليصبح هذا الأمر واقعاً ملموساً، وهي أن نبحث عن عرّاف أمين ونطلب منه أن يحضّر الجن ويخبرهم باستحداث وظيفة جديدة تحت مسمى «شيطان شثر» وما عليهم إلا أن يُشعروا الباحثين عن عمل عندهم ليشغلوها ويُعيِنوا أخوانهم من بني آدم على إبداعهم الجديد

وعلى كل شاعر منا أو «شاثر» بعد الفراغ من البحث عن عرَّاف أن يستحضر البيت الشهير ليترنم به بصيغته الجديدة فيقول:

إني وكل شاثرٍ إذا شَثَرْ...... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر.!