آخر تحديث: 9 / 7 / 2020م - 3:23 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أرجوك ساعدني

يوسف أوال *

أحد الجيوش بعد انتهاء أحد الحروب قام بأسر مجموعة من الجنود وزجهم في أحد السجون المؤقتة في قرية ما، ثم رحل ذلك الجيش عن تلك المدينة المحتلة بعد مدة قصيرة غادروا المكان دون أن يحرروا الأسرى من السجن، وفي هذه القرية ثلاثة رجال معروفون بفعل الخير والمحبة للناس، أحدهم رجل فقير، والثاني رجل غني يملك بستان كبير، والثالث شيخ كبير مشهور بالحكمة، وفي أحد ألايام مرَّ الرجل الفقير على ذلك السجن فوجد المساجين يرتجفون من البرد القارص، فانزعج من هذا المنظر وقال سأجمع لهم الأغطية لكي يشعروا بالدفء، ولكي لا يموتوا من البرد، فعلاً قام هذا الرجل بجمع الأغطية لأكثر من ثلاثة مئة سجين خوفاً عليهم من البرد ورحمة في قلب هذا الرجل، وفي اليوم التالي مرَّ الرجل الغني، صاحب البستان الكبير على ذلك السجن، وشعر بالحزن لما رأى المساجين يتضورون من الجوع ويوشك بعضهم أن يموت من العطش، ودون أن يفكر ذهب إلى بستانه وجمع لهم الأطعمة والشراب، وتعهد أن يقوم بإرسال الأطعمة لهم كل يوم، وفي أحد الأيام مرَّ الشيخ الحكيم على هذا السجن، وشعر بالأسى على منظر هؤلاء المساجين، فتقدم إلى بوابة ذلك السجن المكشوف وأخذ يتأمل وجوه المساجين ويتأمل المكان ويفكر كيف وصل هؤلاء إلى هنا، وحاول أن يتحدث مع أحد المساجين إلا أنه فشل في فهم ولو كلمة واحدة، إذ كانت لغة المساجين غريبة بعض الشيء على ذلك الشيخ، فأخذ يتمشى حول ذلك السجن وهو غارق بالتفكير والحزن، فصار يبحث حول السجن عن خيط يوصله إلى حل لغز هذا السجن المتروك بلا حرس ولا سجان، فلم يصل إلى أي نتيجة وعاد إلى بيته وهو يفكر في أمرهم، وفي الصباح الباكر توجه إلى أحد الحدادين واصطحبه إلى ذلك السجن وأمره بصنع مفتاح إلى ذلك الباب، وقام بتحريرهم.

الرجل الأول فكر في مساعدتهم وساعدهم، الرجل الثاني فكر في مساعدتهم أيضاً وساعدهم، الرجل الثالث فكر في مساعدتهم وساعدهم، مالفرق بين هؤلاء الثلاثة ولماذا تميز الشيخ الكبير على الرجل الفقير وعلى صاحب البستان، الإجابة واضحة جداً وهي لأن الشيخ الكبير قام بتحريرهم من ذلك السجن.

قد ترغب في مساعدة أحدهم وتأخذك الرحمة إلى مساعدته، فتقوم بمساعدته لكنك تساعده ولا تساعده في آن واحد، تماماً مثل الرجل الذي أعطى المساجين الأغطية في بطن الشتاء، وتماماً مثل صاحب البستان حين قدم لهم الأطعمة وأنجاهم من الموت جوعاً وعطشاً، الفرق الحقيقي بين الرجلين وبين الشيخ الكبير هو أن الشيخ الكبير قام بمساعدتهم بعد التفكير في حاجتهم الحقيقية، القلب الذي يحمله ذلك الشيخ الكبير كان أكبر من أن يفكر في الماديات فقط، كان أعمق في التماس حاجتهم، كان أكثر حكمة، كان أوسع رحمة.

أن تقوم بالمساعدة هذا عمل عظيم بحد ذاته، لكن هناك فرق كبير بين أن تساعد الآخرين بما يحتاجونه فعلاً وبين أن تساعدهم بما يحتاجونه عرضاً.

عن الإمام الحسين : «واعلموا أن حوائج الناس إليكم، من نعم الله عليكم.. فلا تملوا النعم، فتحور نقماً».

كاتب سعودي - تاروت