آخر تحديث: 9 / 7 / 2020م - 3:23 ص  بتوقيت مكة المكرمة

متهمون بالحرية

يوسف أوال *

بالنسبة للوحيدين مثلي ليس هنالك فرق كبير بين أن تجف الدموع على خدك، أو تحيا من جديد فوق أصابع من تحب، وليس هنالك فرق بين أن يكون ظلك خلفك أو أمامك في هذا الكون الكبير، وليس هنالك فرق بين أن يصمت العالم أو يصرخ في وجهك، وليس هنالك فرق بين أن تحترق الرسائل المنسية أو تصل، وليس هنالك فرق بين أن تبقى وحدك كقطرة ماء في محيط متجمد أو كورقة شجرة سقطت بين آلاف الأوراق في سكون الخريف، ليس هنالك فرق بين أن تصغي لك الآذان أو تصغي لك الجدران، ليس هنالك فرق بين أن تكون جزء من العالم أو يكون العالم جزء منك، ليس هنالك فرق بين ضجيج المدن المكتظة بالمسافرين وبين موسيقى بيتهوفن أو شوبان، ليس هنالك فرق بين صوت إنذار الحروب وبين صوت أذان الأعياد، ليس هنالك فرق بين الورد وبين القنابل، ليس هنالك فرق بين الأمن وبين الخوف، ليس هنالك فرق بين بيوت اللاجئين وبين قصور المترفين، ليس هنالك فرق بين فاتورة الأسلحة المدفوعة إلى يد الإرهاب وبين شهادة وفاة طفلة اختنقت من دخان الإنفجار، ليس هنالك فرق بين أن تكتب أنت وأقرأ أنا وبين أن أكتب أنا وأنت تقرأ، وليس هنالك فرق بين أن تبكي أو لا تبكي، أليس كل هذا مؤلم؟ لا عليك أنا مكسور بالكامل، أنا ولدت في هذا العالم وكتب عليّ أن أكون حزين، أنت اجمع همومك ودموعك وضعها تحت وسائدك، ونم يا صديقي الأثير، سيقولون حين تغرق في صمتك لقد انتهت الكلمات من عالمك، أو انتهت الكمات منك كما تنتهي الفصول الباردة بكل خشوع، هم لم يعرفوا أنها للتو قد بدأت، للتو اشتعلت، للتو تحررت الفراشات الحائرات من قيود الكلام، للتو هاجرت جميع النوارس إلى ما لم ترسمه الخرائط، للتو صارت جيمع الكلمات لا تُكتب، كيف تكتب ونحن متهمون بالحرية إذ أنه خلف كل باب ألف بندقية ومتى ما فتحنا باب الحقيقة مزقتنا البنادق بالبارود وصار السجّان يُطارد آثارنا حتى في المنام، نحن متهمون بالحرية جربوا أن تفتحوا تلك الزنزانة يُقال أن فيها شاعرًا وكاتبًا، اقتربوا من هذه القضبان فإن خلفها المعلمَ والطبيبَ والرسام، جميعهم فقدوا حقهم في الكلام، نحن متهمون بالحرية فمنذ ولادتنا مشروطٌ علينا الصمت ومجبرون على تمثيل دور المهرج، معلمون على الإحباط والرتابة، نحفظ الشعر الذي يروق للوزارة، ونكتب في مادة التعبير ما يمليه علينا المعلم، نحن متهمون بالحريةومن يفكر في معارضة قرار الوزير سيكون من المخربين، وسيصبح إرهابيًا، وسيُدفن في السجن، أو سيُسحق فوق الرصيف، وليس بعيدًا أن نقرأ على قبرة سورة الإخلاص للحكومة، نحن متهمون بالحرية فأبي مسجون من ولادتي، وأمي ممنوعة من الزيارة، وجميع عائلتي محرومون حتى من البكاء على أخي، الذي قد قتله أحد الجنود المدججين بالسلاح في مسيرة الورد، تقول أميأنها سمعت أحد الجنود يردد الحكومة أكبر بينما كان أخي يردد الله أكبر، فسلام للذين اغتصب حقهم في الحرية والسلام، وسلام للذين يخرسون ضجيج أرواحهم بالصمت والكتابة، سلام للذين يملأون فراغ قلوبهم بالبكاء، سلام للذين نحبهم، سلام للغائبين، سلام للذين تعبت الأرض من خطاهم خلف السراب، سلام للذين بنوا بلا كلل ولا ملل قصوراً مرصعة بالأوهام، سلام للذين فقدوا حقهم في الكلام، سلام للوحيدين، سلام للعاشقين، سلام للمغتربين، سلام للفاقدين، سلام للذين ينتظرون أشياء لم تأتِ حتى الآن، سلام للدموع، سلام للرسائل النائمة فوق الغبار، سلام للكلمات المبعثرة، سلام لا ينتهى إلا بالسلام.

كاتب سعودي - تاروت