آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 6:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

«حقوق المؤلف بين النباهة والاستحمار»

حسين الخليفة

يطيب لي أن استعير تعبير «النباهة والاستحمار» من علي شريعتي الذي جعل التعبير المذكور عنواناً لإحدى كتاباته، وهو غالباً ما يطعم لغته الهادفة بأسلوب السخرية والتهكم بغية التأثير على جمهوره الذي يتصل معه من خلال بنية نصية خطابية تبتعد عن لغة التخصص الجافة.

ولأن عنوان المقال قد جعل حقوق المؤلف بين خطي النباهة والاستحمار؛ فإن الأمر يدعو إلى تشخيص واقعي لمستوى الخطين كظاهرتين اجتماعيتين معاشتين.

وإنه لمن حسن حظ الجانب الغربي في الكرة الأرضية أن يختار خط النباهة في تعامله مع حقوق المؤلف.

فالمؤلف يأخذ مكافأة تعبه - عندهم - استحقاقاً لا استجداءً، وهم يدركون ويثمنون تعبه المتواصل وعمله المضني في سبيل تقديم نتاج علمي أو أدبي يساهم في تقدم المجتمع ورقيه... هم يدركون أن الكتاب الذي يكتبه ما هو إلا صورة مكثفة لإجهاد فكري طويل وما هو إلا سيل من المصادر التي حصل عليها الكاتب ببذل من جيبه ووقته... وهم يدركون أن قيمة النسخة المباعة من كتابه هي بما حوته من فكر، لا بما فيها من ورق مصقول وغلاف مزخرف أو مذهب، فإن مواد صناعة الكتاب لا تساوي - غالباً - واحداً بالمئة من قيمة الكتاب المعنوية.. ولذلك فإن الجانب الغربي قد أعطى المؤلف حقوقه استحقاقاً لا تفضلاً، والمؤلف بقي ينتج ويبدع ويحيا الحياة الكريمة وهو راض بما يقدم وبما يأخذ.

أليست هذه «نباهةً» تحسب للغرب حضارياً؟!

أما في عالمنا الشرقي، فالمؤلف يتحمل عبء شراء المصادر والمراجع من قوت يومه، كما يتحمل أن يبقى في داره حبيس أوراقه وأقلامه، يطوي الساعات والساعات في سجنه الاختياري، ثم بعد فترة من الزمن تراه يشكو من ضعف بصره وقد يفقده كما يفقد مكوثه الطويل القدرة على تنظيم السكر في الدم أو يفقد القدرة على تنظيم ضربات قلبه، بالإضافة إلى الأمراض الكثيرة التي تنتج عن عدم الحركة وعن طول المكوث.

هذا المؤلف الشرقي المسكين لا يأخذ حقوقه بقدر قيمة الكتاب المعنوية كما يأخذها المؤلف الغربي بعد حذف قيمة القرطاسية لصناعة الكتاب وقيمة تسويقه من قيمته الإجمالية... بل هو يأخذ على أحسن الفروض أو العروض النوعية «10» بالمئة نسخاً من الكتاب، فيعطى مئة نسخة، لأن الناشر يدعي أنه طبع ألف نسخة، وإذا كان كاتباً ذائع الصيت سينال خمسين نسخة زيادة على المئة..!

الكاتب المسكين سيوزع نسخه هدايا، وسيجد من الصعوبة بمكان أن يشتري نسخاً من كتابه ليقدمها إلى من يحب بعد نفاد صدقة دار النشر ال «100» أو ال «150» على أفضل العروض وأسخاها..!

إن هذا الكاتب الذي نال نسخاً من كتابه هو محظوظ جداً في عالمنا الشرقي، فهناك من الكتاَّب من لا ينالون شرف أعطية دار النشر، ولا يوفقون بناشر يطبع لهم على حسابه الخاص، فيضطرون إلى الطبع الكامل على حسابهم بمبالغ كبيرة تجعلهم يفكرون كثيراً في تكرار التجربة، وسيكون التوزيع المجاني مصير النسخ كلها بين الأصدقاء وغير الأصدقاء، بين الأهل لذلك وغير الأهل.

وفي المقابل نجد أن القيمة المعنوية التي أضافها دار النشر الشرقي إلى قيمة قرطاسياته التي يستخدمها في صناعة الكتاب هي التي فتحت له باب الإثراء الفاحش على حساب حق المؤلف المسكين.

صاحب دار النشر يسكن القصور المشيدة ويركب السيارات الحديثة جداً ويضع له برنامج سفرات سياحية إلى بلاد المعمورة في كل عام.. هذه النعمة التي نزلت كمائدة من السماء على الناشر الحصيف كلها من حقوق الكاتب المعنوية، الكاتب الذي يقضي وقته حين يفرغ من الكتابة في التنقل بين مختلف عيادات الأطباء في المستشفيات «المعادل الموضوعي» للمتاحف والمنتجعات السياحية للناشر المتفضل على كاتبنا بأعطية النسخ المئة السخية.

وقد يرضخ الكاتب الشرقي إلى لأمر الواقع وتتولد عنده قناعة نفسية تبريرية مفادها أن نشر الثقافة هو المهم وأن التضحية نتيجتها السمعة الدنيوية والثواب الأخروي، وكثيراً ما يكون صاحب دار النشر هو الذي يشجعه ويحثه على مزاولة الكتابة في سبيل نشر الثقافة وتعميم الوعي..

ولو كان دار النشر جهة خيرية صرفة تصرف ريع الكتاب الربحي على الفقراء والمحتاجين لكان الأمر في محله إن كان الكاتب قد اختار السير في العمل الخيري.

غير أن المال الذي يجمع ببركة جهد الكاتب سيذهب «حلالاً طيباً» إلى جيب الناشر، لتتكون أمامنا صورة تناسب عكسي تضحك الثكلى، صورة كاتب يزداد سقماً ومرضاً وفقراً وشيخوخة مبكرة وصورة ناشر يزداد ثراءً وصحة وشبابية من جراء الراحة والاستجمام والعيش الرغيد..!

هل سيكون الكاتب الشرقي معذوراً - حينئذ - إذا طفح به الكيل وقرر العزوف عن الكتابة، أو إذا اختار أن يكتب ويكدس فيترك الحياة مخلفاً لورثته حفنة من المخطوطات قد تكون فيما بعد محل تقدير أو محل امتعاض من أب لم يورث أبناءه سوى العوز والفقر..؟!

لقد غادر الحياة رائد القصيدة الحديثة شاباً يعاني من السقم والفقر المدقع، وما زالت دور النشر تثري من نتاجه الأدبي...

غير أنه قد رضي بالمقسوم، وما زالت كلمة «الموتُ أهون من خطيَّة» توقر أسماعنا، كما يوقر أسماعنا تضرع شاعرنا بدر شاكر السياب حين خاطب إلهه قائلاً:

«لك الحمدُ مهما استطال البلاء».

أرأيتَ أيةَ «نباهةٍ» اختارها الغربيون لتكون منهج تعامل مع عقول أبنائهم

ثم أرأيتَ أيَّ «استحمار» يعاني منه الكتَّابُ الشرقيون..؟!!.