آخر تحديث: 8 / 8 / 2020م - 6:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

الفنانة نصرالله: الخوص مادة تراثية قيِّمة تبحث عن تجربة لونية وفكرية تتوظف فيها

جهينة الإخبارية حوار: مريم آل عبدالعال - القطيف
الفنانة التشكيلية ليلى نصرالله في مرسم مهرجان النخلة
  • الخوص ما زال يبحث عن تجربة لونية وفكرية يتوظف فيها.
  • عندما تطورت فيه وجدت من الجهات الحكومية الاهتمام فواصلت.
  • ربما حينما تنتهي بي الحياة سأكتب على الحصير الذي سأرقد عليه.
  • أرى بأن غياب بعض الفنانين أو الأشخاص عن هذه الخامة يظلمها.
  • هذه الخامة أمانة على أعناقنا ينبغي أن نحفظها.
  • نحن الفنانات كنساء ما زالت حركتنا في الفن ضعيفة.
  • علينا أن نقدم هذا العطاء لمنطقتنا ونبرزه فيها.
  • الخوص مادة تراثية قيِّمة فيجب دراستها بشكل صحيح أسلوباً ومضمون.

ليلى نصرالله - أعمال الخوصرافقها منذ طفولتها في «عتومة الليل»، كان يبحث عنها فوجدت نفسها فيه، الخوص حكاية الشغف، علاقة أبدية أخبرتنا عنها ابنة جارود الفنانة التشكيلية ليلى نصرالله والذي ارتبط معها فجعلته رمزاً يشار لها في أعمالها، وهوية فنية مثلت تراث القطيف فيها، فأجادت توظيف الخامة وطورتها إلى أن أقامت معرضها الأول معه «حكاية ذاكرة» بعام 2010، كما أنها طرحت تجربتها في البرازيل هذا العام وأثارت بها إعجاب المتلقي هناك، وحالياً تستعد لمعرضها الثالث.

كان لنا معها لقاء شاعري حدثتنا فيه عن إلهام الخوص وعوالمه خلال مشاركتها بمرسم النخلة بمهرجان النخلة بالقطيف.

ََ

لماذا اختارت ليلى الخوص في أعمالها الفنية؟ ومن أين استقت إلهام تحويل الخوص لتحفة فنية؟

الفنان لابد أن يبحث عن هوية عن شيء يثبت ذاته فيه فكان ذلك حلم يستحوذ على تفكيري لأني أريد من المتلقي أن يعرف أعمالي قبل أن يقرأ اسمي عليها، واليوم فعلاً أصبحت أجد أكثر من فنان يخبروني أن صاروا يميزون أعمالي، ولكن مهما قدم الفنان لا زال يبحث فإن انتهى توقف عطاؤه ”فإن أردت أن تصبح موجوداً فابحث عن الجديد“ فكان الجديد بالنسبة لي هو ”الحصير“ والسبب يرجع إلى طفولتي في اجتماع «عتومة الليل» حين تجتمع جدتي وعماتي وخالاتي والجارات على سف ”الخوص“ السعف وتعليمه وكنت اتسلى برسمهن وحين انتهي أهدي من رسمتها لوحتي، أدمنت الجلوس معهن ولاحظت عندما أمازحهن أو أصافحهن أثر الخوص على أياديهن، تأثرت بهذا الاجتماع جداً؛ في هذا الملتقى الذي كن يجتمعن فيه سواءاً لهواية أو لتجارة، إلا أننا اليوم نجد في مجتمعنا أن أي مهنة تؤثر في جسدنا نبتعد عنها إلا أمهاتنا وجداتنا، وحرفة سف الخوص ما زالت مهنتهن وما زال الخوص مؤثر في أياديهن، وذاكرة الخوص منطبعة عليها، ولذلك أسميت معرضي ”حكاية ذاكرة“ فالنتوء والبروز كان حكاية الملمس الذي تركه لنا الخوص.

ليلى نصرالله - أعمال الخوص

كيف كانت بدايتك في إنتاج هذا العمل الفني من الخوص بهذه الجودة والجمال؟

بدأت فيه بتجارب بسيطة تشكيلية ثم تحول على الخام، وكان هاجسي أن لا يفهمه المتلقي، وما حدث هو العكس فقد أحبه كثيراً، وتركت خامة الخوص بشكلها الفني فيه انطباع قوي جداً، وعندما تطورت فيه وجدت من الجهات الحكومية الاهتمام واصلت.

ماذا قدمتي من معارض عن الخوصيات؟ وماهي الخطوة القادمة؟

للآن قدمت معرض واحد عن تجربتي مع الخوص وهو ”حكاية ذاكرة“، والآن استعد للمعرض الثالث وكان المفترض أن يقام في شهر شعبان ولكن جاءتني دعوة من وزارة الثقافة الدولية والإعلام للسفر للبرازيل وعرض التجربة هناك، فسافرت لمدة أسبوعين وكان صدى المتلقي عن الخوص جداً رائع، فهي خامة جديدة، نعم كانت هنالك أعمال غير أعمالي ولكن كانت أعمال الخوص نالت تفاعل كبير من قبل الناس وأثارت تساؤلاتهم، وكان جميل بالنسبة لي أن أميز هناك من خلاله، فإن شاء الله في المعرض القادم أن أطرحها فيه بدون أي عارض يؤجلها.

كيف تقومين باختيار الخامة المناسبة للعمل سواءاً الخوص أو الحصير؟

الخوص أقتنيه من سوق الخميس بالقطيف، والآن أتعامل مع ”أبو حسين“ من التوبي، أيضاً أمي وأهلي، في الواقع عندما نتعود محبة شخص قريب منا لأمر ما، نربطه بذاك الششيء بحيث أننا ما أن نصادف هذا الأمر نتذكره ونقتنيه له، وهذا ما أجده من أهلي وأولادي، فقد أصبح الخوص هويتي والشيء الذي ارتبط بي في ذاكرة الكثيرين، لذا لم أتعلق به لوحدي إنما أحبه أحبتي أيضاً، وحتى عندما أسافر أجد أن الخوص يرتبط بي وليس العكس، ولابد أن أجد دليلي له بمعنى أصح نحن ألفنا بعضنا البعض، فهو يدلني عليه وأنا أبحث عنه، وأنا وجدت فيه طريقي الصحيح ”أن تلتقي من تحب في أي مكان“.

من المؤكد للخوص معنى عندما توظفينه في لوحاتك فيختلف هذا المعنى من لوحة لأخرى، ماهي تلك المعاني؟

طبعاً له معنى، ولكن الخوص ما زال يبحث عن تجربة لونية وفكرية يتوظف فيها. قبل فترة كلمني أحد الفنانين يشجعني على أن أطور الفكرة أكثر وأبحث فيها وأعطيها، وذلك صحيح فما زلت أبحث عن مكنون ومضمون يختص به لكي أزيده قوة، فأحياناً نطرح تجربة تسلب قيمة الفكرة فلابد أن يُدرس بشكل صحيح حتى لا أتأسف بعد الطرح في قد اكون أضعفت قيمة المادة الخام، ولأن الخوص مادة تراثية قيِّمة فيجب دراستها بشكل صحيح أسلوباً ومضمون.

ليلى نصرالله - أعمال الخوص

كيف هي علاقتك مع النخلة؟

لم أتربى في بيئة نخلاوية أو زراعية، ولكن الآن حينما عشت حياتي قريبة منها وبدأت أدرس مسمياتها ومشتقاتها، شعرت بأن هذه العلاقة عظيمة، على الخصوص حينما نرجع لها في نهايتنا مع هذه الحياة الدنيا، وكنت أخبر زوجي ”الناس تكتب على أكفانها، لربما حينما تنتهي بي الحياة سأكتب على الحصير الذي سأرقد عليه بعد مماتي“ وكان جوابه: ”أتوقع ذلك منكِ“ هذا أمر رائع أن يضل الحصير مرتبط بي.

من الرائع أن أجد الفنان أو المتلقي بدأ يخوض تجربتي فهذا يعتبر إنجاز، لا يحزنني ذلك، فأنا أدعوهم وأشجعهم لدراسة النخلة فهي موجودة في كل مكان، أن يعيشوا حياتها كإنسان أو روح شامخة فما أصبرها على الثقة والثبات.

هل قدمتي ورش فنية أو دورات تدريبية في هذه التجربة؟

لا، في الخوص لم أقدم ورش لحد الآن، وقد أنوي ذلك بعدما أتأكد من أنني قدمت كل ما لدي، عندها باستطاعتي أن أعطي، وقد صادفت مدربات يخبروني عن نيتهم بخوض تجربتي، وأنا أشجعهم لأنني لا أعتبرها حكراً على نفسي، فأنا أرى بأن غياب بعض الفنانين أو الأشخاص عن هذه الخامة يظلمها، فلماذا أظلمها على حساب الاسم والذات، فأنا أطرحها بإسلوبي والآخرين يطرحونها بأساليبهم، وفعلاً وصلني أن أحد الفنانين الكبار من الخارج خاض تجربتي وذلك أسعدني أن فنان كبير ينزل لمستواي هذا يعني أن التجربة تمشي في طريق صحيح. أيضاً خاضها فنانين كتجربة ولكني خضتها كطموح لمعرض، والآن قولبتها بالرزن أنا الوحيدة التي طرحتها بهذا الأسلوب وهي عملية تحويل الحصير إلى صلب، والآن أعمل على تطوير الفكرة وإدخالها أيضاً في النحت.

ماهي العملية التحويلية التي تقومين بها لتحويل الحصير لهذا الشكل؟

أقوم بدايةً بعمل قالب للحصير على حسب الشكل الذي أريده، وأقوم بإلباسه حصير ثم أضغطه فيه، واستخدم الرزن وهو مادة زجاجية تصلب الأشياء، ثم أعمل على القص وأرش ”الفيبرجلاس“.

يخبرني البعض أنها عملية لا تناسب إلا الرجال، ولكني لا أعتقد أن الفن محكور على الرجال دون المرأة، فهو ملك للجميع لذا علينا أن نتشاركه.

هل هناك خامات أخرى وظفتها فنياً عدا الحصير؟

ليلى نصرالله - أعمال الخوص

حالياً فقط الحصير، فأساساً حينما يأخذ الفنان خامة موظفة في مجال معين قبل ذلك يصعب توظيفها، ولكن حينما أوظف خامة مفتوحة مجالاتها كالحصير فبالإمكان فتح مجال للإبداع فيه، فمثلاً الزبيل فلن أستطيع أن أضيف له إلا إن تخليت عن قيمته الموجودة وفرغت منه أمور كثيرة لكي أوظفه لصالحي، ولكني أردت أن أبدأ من البداية، بدل البحث أؤسس عملي حتى أوفر على نفسي الجهد.

هل هناك صعوبات تواجهينها في اقتناء الخوص والحصير؟

لعل الخوص اليوم بدأ بالانقراض بشكل أكبر من السابق قبل سبع سنوات فقد كان موجود ومتوفر في سوق الخميس بالقطيف، ولكن اليوم أسعاره ارتفعت في السابق كان في حدود 100 ريال أما اليوم 300 ريال، والخامة اختلفت.

ما هي أسباب ارتفاع سعر الخوص والحصير اليوم عن السابق؟

قد يكون يعود السبب لندرته أو لعزوف الناس عن مهنة السف، في السابق نعتمد على جداتنا وأمهاتنا ولكن الآن فئة قليلة تشتغل فيه، اليوم فتياتنا تلجأ لطرق أخرى فلا نجد من تهتم لتعلم السف، وعلى ذلك صارت يطرح في السوق الحصير البحريني وهو يختلف عن القطيفي في اللون والحياكة والوزن، فالحصير له مسميات كثير، هو عالم آخر، نجد فيه طرق كثير وللأسف أن أهالينا لم يلاقوا الدعم لإبرازها، ولعل أكثر جهة أجدها مهتمة بالخوص هي شركة أرامكو فهي تدعم هذه الخامة بشكل قوي، كما انها تبحث عنها أينما تكون، ولا أعلم السبب وراء ذلك؛ لعلهم يريدون بذلك نقل التراث، ومن المؤسف أيضاً أن نترك هذه الخامة في كل مكان في حين أن علينا أن نقدم هذا العطاء لمنطقتنا ونبرزه فيها.

ليلى نصرالله - أعمال الخوص

ما هو الحل برأيك لعزوف الناس عن مهنة السف والتي قد تندثر قريباً مع الجيل القادم؟

الحل هو أن تكون هناك دورات تدريبية ومراكز تدريس لهذه الخامة، مع تطوير الإنتاج، ففي مصر مثلاً توجد أكاديمية تدريس الخوص وصناعة الحقائب وبعض المستلزمات النسائية بطرق جميلة جداً، فالاتجاه لإنشاء مثل هذه المراكز لدينا سيحقق التوظيف والتدريس والتوعية والتطوير فيها.

يجب علينا أن نلتفت إلى أن هذه الخامة أمانة على أعناقنا ينبغي أن نحفظها، وأن نظهرها بشكل أقوى مما هي عليه.

هل تنوين فتح معرض ثابت ورسمي لأعمالك بحيث تُعرض بشكل دائم فيه؟

نعم أنوي وهذه أمنيتي وطموحي إقامة معرض ثابت لأعمال الخوص وبشكل واعي وجديد يناسب المتلقي.

نحن الفنانات كنساء ما زالت حركتنا في الفن ضعيفة، ويرجع ذلك للعادات والتقاليد والعرف، فلابد من موازنة الحياة حتى أمسك الأمور بشكل صحيح بين المنزل والفن.

كم تعطي الخوص أو الفن بشكل عام من وقتك؟

لا أعتقد بأن هناك وقت معين، وقد أترك العمل وأعود له بعد فترة، فمثلاً الآن قد أستغني عنه لفترة بعد أن أعطيته من نفسي، ولكن حينما تحين مرحلة التشطيب فأنا غيبته عني لفترة لذا أراه برؤية ثانية، العمل الفني إنسان عندما تجالسيه تراه برؤية مختلفة وحينما تبتعد عنه تراه أيضاً برؤية أخرى، وحينما تعود له تراه بين الرؤيتين، وأنا لا أؤيد الأعمال السريعة، إنما أؤيد العمل الذي يمر بحالة دراسة صحيحة من الفنان بحيث يعمل عليه بجد واجتهاد.

لدي أعمال أقوم بفكها من تغليفها وأعاين فيها مراحل الضعف، وأنا متأكدة من أنني أشاهدها برؤية مختلفة.

هل تتخيلين العمل قبل اعتماده أم هو إلهام؟

أحياناً أكو قد قرأت عبارة ما حتى لو كان بيت من الشعر فتجول ببالي فكر لعمل فني، وقد حدث أن اجتمعت بصديقات الطفولة فأحسست بشيء من الطفولة يمشي معي رغم اختباءه ورغم اختلاف البيئة، لذا قمت برسم مجموعة من الجياد ملتفين حول بعض، وكانت فتيات المرسم يتساءلن عن فكرة اللوحة فأخبرتهم بأنها تمثل شعوري بان الصداقة شيء جميل، لذلك قد أرسم نتاج إلهامي من قصيدة أو مسلسل أو فيلم أجنبي.

مالذي تفعلينه عندما يزورك الإلهام؟

أمر متعب جداً، في الحقيقة أتعب عندما يزورني الإلهام على الخصوص عندما أكون نائمة، ففي إحدى المرات بدأت في أحد أعمالي ولكنه فشل وكنا نعتمد في منزلي نظام احترام موعد النوم إلا أنني لم أستطع النوم ليلتها، كنت أشعر أنني ما زلت أعمل لدرجة أنني أحسست بيدي متسخة حينها لم أتحمل وقمت لإكمال العمل.

الإلهام مسيطر لدرجة أنني أغيب في حالة اللاوعي معه، الفنان أحياناً لا يكون ملك نفسه بل ملك أعماله.