آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

إلى متى الدماء في القطيف؟

خالد النزر

سيجيبني أحدهم: إلى أن يتوقف هؤلاء الشباب عنالخروج في مظاهرات أو رفع شعارات أو القيام بتعديات على رجال الأمن. قد يختلف المختلفون ويتفق المتفقون حول توصيف ما يقوم به هؤلاء الشباب في القطيف.

ابتداءًمن القول بأنهم يخالفون نظام الدولة بالتظاهر, وصولاً إلى القول بأن هؤلاء مجموعةمن المخربين الذين يخلون بالأمن ويهاجمون رجاله.

والسؤال هو مهما كان جرم وتهمة هؤلاء, ألا يمكن التعاطي معهم بشكل أقل دموية؟ وزارة الداخلية التي وفرت هذه المدرعات والمصفحات التي تجول في شوارع القطيف تعلوها فوهات الرشاشات, ألم توفر مياه حارة لتفريق المتظاهرين؟ غازات مسيلة للدموع؟ رصاص مطاطي؟ أشياء من هذه الأمور التي نسمع عنها في الدول الأخرى حين تتعاطى مع هكذا أحداث؟.

لقد دخلت على موقع "اليوتيوب" وبحثت باسم "منير الميداني" وهو أحد الذين سقطوابرصاص رجال الأمن قبل أيام, فوجدته مراهق يُـقتل وهو أعزل أثناء قيامه مع مراهقين آخرين بإلقاء الحجارة على هذه المدرعات وهو أمر لا نؤيده بالطبع, ولكن هل يقابل الحجر بالرصاص الحي؟.

وهؤلاء الذين تتحدث عنهم بيانات وزارة الداخلية بأنهم مجموعات مدفوعة من الخارج, أو مخربين يهاجمون رجال الأمن سواء بحجر أو بالمولوتوف أو حتى بدبابة, ألم تستطع الإمكانيات الأمنية والتكنولوجية والاستخباراتية من أن تتوصل للقبض عليهم أو على أحدهم خلال كل هذه الأشهر المتواصلة من الأحداث الدامية في القطيف؟ ورغم كل هذه الكثافة الأمنية ونقاط التفتيش داخل المدينة وقراها؟ ليكون الحل الوحيد لما يجري في القطيف هو الرصاص الحي؟

أعلم أن الكثير لا يعجبه كلامي هذا, وقد يتهمني بأنني أدافع عن ما يجري في القطيف وبهذه الكيفية التي هو عليها.

فأقول لا يا سادة لست كذلك بل وليس غالبية عقلاء القطيف والشيعة عموماً مع هذا الحراك في هذا التوقيت وبهذه الكيفية وبهذه الشعارات وهذه الخطب العنترية التي تدفع ببعض المراهقين إلى فوهات المدافع لتمشي لاحقاً في جنازاتهم.

لذلك علينا العودة إلى الوراء قليلاً لنتساءل من الذي دفع بالأمور إلى هذا الحد؟ ومن الذي ساهم في رفع الأصوات الشاذة فوق كل الأصوات العاقلة والمتزنة؟ ومن الذي جعل لغة الرصاص هي اللغة السائدة؟ لقد تحدث العقلاء ومن لهم علاقات وتواصل مع رجالات الأسرة الحاكمة والمسئولين في الدولة ومنذ زمن بعيد, عن مشاكل حقيقية يعاني منها المجتمع القطيفي والشيعي عموماً أهمها التمييز المذهبي الذي ليس أول مظاهره عدم وجود أي مديرة مدرسة شيعية في القطيف أو مديرة ومدير شيعي في الأحساء, أو رفض شركة معادن في الجبيل مؤخراً لجميع المتقدمين الشيعة بحجة عدم كفاءتهم.

وليس بآخرها السماح بعقد ندوة قبل يومين بعنوان "حقيقة المعتقد الرافضي وخطره على المجتمعات السنية" في مركز سعود البابطين في العاصمة الرياض. فلا أول ولا آخر لمظاهر هذا التمييز والحديث يطول في هذا.

لم يكتفوا بإيصال المشاكل والمشاعر بل اقترحوا الحلول العملية التي تحتاج لقرار سياسي واضح في هذا المجال, أقلها أن تـُسن قوانين واضحة وصريحة لتجريم ومحاسبة كل من يتعامل مع مواطن سعودي بقول أو فعل من منطلق مذهبي أو قبلي أومناطقي.

لقد طرحوا موضوع انتشار السلاح في محافظة القطيف والشباب الذين تزهق به أرواحهم في مشاجرات وما شابه, وضرورة التحرك الفعلي للقضاء على هذه الظاهرة. فبقي السلاح على حاله بازدياد حتى استيقظنا عليه اليوم!. وطرحوا وطرحوا ولم يدخروا فرصة سانحة دون الحديث عن المشاكل التي يعاني منهاالمجتمع الشيعي في هذه البلاد.

وأنا هنا أتحدث عن اطلاع ومعرفة وليس عن نقل الناقلين لأنني حضرت بعض تلك اللقاءات التي كان منها ما تم حتى في مقر وزارة الداخلية مع الأمير محمد بن نايف في أحداث البقيع, وكان من المتحدثين الشيخ حسن الصفار والسيد منير الخباز والسيد هاشم السلمان والشيخ عبدالله الخنيزي والدكتور عدنان الشخص وغيرهم ممن تحدثوا بكل صراحة وشفافية عن الوضع العام للشيعة في هذه البلاد, والذي قام الأمير مشكوراً بتلبية الحاجة الآنية وقتذاك في نزع فتيل الفتنةالحاصلة, إلا أن الحديث الذي دار لم يكن منحصراً في تلك الحالة فقط.

وليس هذا أول ولا آخر لقاء تطرح فيه مثل هذه الأمور والمشاكل الحقيقية سواء في العاصمة أو في إمارة المنطقة الشرقية أو مقرات محافظتي الأحساء والقطيف. هذا ناهيك عن الخطابات والمعاريض والرسائل والبيانات والخطب وغيرها من جميع وسائل التواصل الإنساني بين البشر.

بل وحتى عند بداية خروج مثل هذه المظاهرات قبل عام تقريباً في الأحساء والقطيف قام علماء الشيعة السعوديون ووجهائهم بتكثيف التواصل مع المسئولين وتم تبادل العديد من وجهات النظر وحصلوا على العديد من التطمينات. فعلى سبيل المثال خرجت مظاهرات في الأحساء تطالب حينها بإطلاق سراح الشيخ توفيق العامر الذي اعتقل دون محاكمة.

وبعد تكثيف التواصل من تلك الشخصيات مع المسئولين.أصدروا بياناً يوجهون فيه هؤلاء الشباب إلى الهدوء, وهو بيان وقع عليه أكثر من90 من كبار رجال الدين ومن جميع التيارات والتوجهات في الأحساء والدمام جاء فيه:"ولأن بروز الشباب في هذا المخاض الخطير أحد أهم مميزات المرحلة الراهنة فإننا نشيد باهتمامهم بالهم الوطني الكبير وبحقوق مجتمعهم، ونأمل بأن يجعلوا المصلحة والحكمة والتروي إكليل جمال لمساعيهم الخلاقة"18/4/1432هـ.

هذا غير التوجيهات المباشرة وخطب المساجد. وبالمناسبة أغلب الموقعون على هذا البيان كانوا قد طالبوا الدولة بالإفراج عن هذا الشيخ وأصدروا بيان بذلكولكن دون جدوى.

المهم أنه بعد ذلك البيان بالفعل هدأت الأحساء وتم إطلاق الشيخ وطابت الخواطر. ولكنها لم تطب طويلاً, حيث تم سجنه بعدها بفترة قصيرة وهو نزيلٌ حتى يومنا هذا في سجن الحائر. فما هي الرسالة التي وُجهت إلى أولئك الشباب؟

وماذا أصبحت نظرتهم لعلمائهم ووجهائهم وحكمائهم وإلى تلك الدعوة منهم؟ ناهيك عن نظرتهم للسلطة ومتخذين القرارات فيها.

في القطيف نفس السيناريو حصل مع بداية هذه الأحداث فكثير من اللقاءات مع المسئولين تمت وكثير من الكلام قيل. وأيضاً صدر بياناً عن أكثر من 35 من كبار رجال الدين في القطيف من جميع التيارات والتوجهات, جاء فيه: "فإننا نرجو من إخواننا وأبنائنا الأحبة الأعزاء شاكرين جهود الجميع التروي والتأني وإعطاء الجهود المبذولة من قبل الجميع في تحقيق المطالب المنشودة للطائفة وتهدئة الشارع من أجلالتعاون الأخوي للوصول إلى إنجاز مطالبنا الحقة بالطرق المتاحة" 17/5/1432.

وبالفعل هدأ الشارع بعدها واستقرت الأمور, ولكن استمرت نفس المعاملة حتى وصلت لاعتقال المسنين والمرضى من آباء بعض المطلوبين وهو ما نعتقد بأنه تصرف فردي وليس من السياسة العامة للدولة.

غير أنه على إثر هذا الاعتقال تمت مهاجمة مركز شرطة العوامية من بعض الشباب فيها وهو أمر بالطبع مستنكر ومستهجن. وعموماً هذا الحدث هو الذي صدر بشأنه ذلك البيان الصارخ منوزارة الداخلية الذي يتحدث عن إيعاز من دولة خارجية وتسليم الإرادة لتعليمات وأوامر الجهات الأجنبية, ثم يـُختم البيان بعبارة: "أن الوزارة تهيب في ذات الوقت بذويهم من العقلاء ممن لا نشك في ولائهم أنيتحملوا دورهم تجاه أبنائهم, فالساكت عن الحق شيطان أخرس, وإلا فليتحمل الجميع مسؤولية وتبعات تصرفاته".

ولا نعلم أي دور بقي للعقلاء ليتحملوه؟ وأي ساكت هذا الذي سينطق بعد أن انبرى لسانه من كثرة الكلام؟ حتى أصبح لا صوت مسموع له لا من هنا ولا من هناك, وأي مسئولية وتبعات سيتحملها أكثر مما تحمله من تهميش وخذلان, ووضع ما بين المطرقة والسندان؟.

الغريب أنه رغم هذا يأتي أحدهم وفي الصحف الرسمية ليهاجم شخص كالشيخ حسن الصفار ويشكك في وطنيته بحجج واهية. أحد أبرز رموزالاعتدال على مستوى الطائفة الشيعية وعلى مستوى الوطن, وأحد أبرز رواد التواصل ومد جسور المحبة والإخاء  في جميع الاتجاهات, ناهيك عن التواصل المستمر والإيجابي مع كل من يفتح بابه له من رجالات الدولةومسئوليها, أرجل كهذا يُـشكك في وطنيته؟.

إذن من هو الوطني الحقيقي؟ للأسف بعض الأبواق الإعلامية الذين يطبلون ويزمّرون ليل نهار للمسئولين, دون ذكر لخطأ هنا أوانتقاد لسلبية هناك.

يعتقدون بأنهم هم الوحيدون الوطنيون وأن كل من يرى رأياً آخراً غير رأي المسئول وقراراته إنما هو مشكوك في وطنيته, وللأسف أن بعض المسئولينلهم نفس هذه النظرة, ويشجعون على نمو مثل هذه الأبواق المتورمة التي هي تضر بالوطنولا تنفعه.

وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ الصفار له العديد من البيانات وخطب الجمعة التي أدان بها العنف واستخدام أي نوع من أنواع السلاح أو التعدي على رجال الأمن, ويمكن الرجوع إلى ذلك لمن يرغب. لكنه في نفس الوقت أدان استسهال إراقة الدماء واستخدام القبضة الأمنية وحدها لحل مثل هذه الأزمات, كما أنه طالب الدولة والمسئولينفيها باتخاذ مبادرة تنفس بها من الاحتقان الذي يعاني منه هؤلاء الشباب, وهذا ما لميعجب البعض.

وهؤلاء بنظري فكرهم قاصر عن فهم واقع ما يحدث, فهم لم يفهموا بعد بأنالكرة فلتت, وهي ليست في ملعب الصفار ولا غيره من رجال القطيف بما فيهم من يتبعهم هؤلاء الشباب من أصحاب الخطب الرنانة, فحتى هؤلاء هم مجرد لاعبون على العواطف ومستغلون للاحتقانات والحالات النفسية اليائسة والبائسة لدى الشباب ليس إلا.

أما في واقع الأمر فالكرة حتى هذه اللحظة هي في ملعب الدولة ومسئوليها ومتخذي القرار فيها, فإما أن يوجهونها بالاتجاه الصحيح قبل فوات الأوان أو أنهم يفجرون هذه الكرة فيوجه الجميع.

في النهاية أقول بأن ما يجري في القطيف هو جزء من ملف كامل هو "الملف الشيعي", والملف الشيعي هو جزء من عدة ملفات مثل البطالة والفساد الإداري والإسكان وحقوق المرأة والسجناء بلا محاكمات, وغيرها من الملفات العالقة منذ فترة طويلة وبحاجة إلى اتخاذ قرارات سياسية شجاعة بشأنها. وحينها ستصطلح الأمور بشكل تلقائي وفي جميع المناحي.

فما يعاني منه المواطن الشيعي هو نفسه ما يعاني منه المواطنون جميعاً غير أنها تكون أشد وطأة عليه بإضافةالتمييز المذهبي.

أقول قولي هذا بكل حب ووفاء لمجتمعي ولهذا الوطن وبكل صدق معه ومع من يملكون القرار وزمام الأمور.