آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 6:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

«شذرات من مجالس العلامة الفضلي - بين الشطح الفلسفي واجتهاد التراجيح»

حسين الخليفة

من يقرأ للعلامة الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي - خصوصاً إذا كان ممن له صلة بالدرس الشرعي، سيكتشف أنه قد انتقل من عالم ألفه إلى عالم آخر من الطرح على صعيدي المنهجية وتطبيقاتها.. ومن يحالفه الحظ، فيكون من رواد مجالسه العامرة بالعطاء العلمي والشذرات النادرة، فإنه سيزداد انبهاراً بشخصية هذا العالم الذي نذر حياته خالصة للعلم والعطاء، فلا يقل حديثه الشفهي العفوي في مجالسه عن يراع قلمه السيال، وقد يظفر من يجالسه بجواهر ثمينة تُنثر عفو الخاطر، وهي نتيجة تجارب عميقة وراسخة تنم عن ثقل المسيرة العلمية التي يحفل بها العلامة الفضلي. ويطيب لي في هذه المقالة القصيرة أن أستعيد بعضاً مما تزودته من شذرات مجالسة الغنية بالعلم والمعرفة، فمن شذراته تقريره لمفهوم الاجتهاد من حيث التنظير وتطبيق المفهوم على الاجتهاد السائد،

فالاجتهاد السائد في أيامنا هذه - كما يرى العلامة الفضلي - هو أشبه ما يكون باجتهاد التراجيح عند العامة، فقد فرق فقهاؤهم بين المجتهد المطلق - وهو عادة ما يشكل منهجاً فقهياً ويكون إمام مذهب عندهم - وبين مجتهد التراجيح، فعدوا الأول مثالاً حقيقياً للفقيه المزاول للعملية الاجتهادية، أما مجتهد التراجيح فهو يبذل وسعه في الترجيح بين أقوال الفقهاء حول مسألة قد أشبعت بحثاً وتكاثرت حولها الأقوال، ولذلك يرى العلامة الفضلي أن المجتهد الحقيقي هو من يبذل جهده في استنباط أحكام لقضايا جديدة غير مبحوثة... كان هذا من تصريحاته الشفهية في إحدى مجالسه، ونقله لمصطلح «مجتهد التراجيح» هو لمجرد التشبيه وتوضيح الفكرة، وإن كان هناك من تضيق قلوبهم ذرعاً بضرب الأمثال، لكونها من مصدر مخالف، والأمثال تضرب ولا تقاس على كل حال...، كما أنه قد عبر إلى ما يقرب من هذا كتابياً حين فرَّق بين الفقه الاستدلالي والفقه الاستنباطي ورأى أن منابر البحث الخارج وكتب البحث الفقهي قد بنيت على الاستدلال لا الاستنباط، فالفقيه يقوم بطرح مسألة يستلها من رسالة عملية لفقيه سابق - والمسألة نتيجة عمليه اجتهادية - فيحاول أن يأتي بدليل المسألة ومستندها ويناقشه وقد يتبناه أو يهرع إلى أدلة فقهاء آخرين حول المسألة فيرجح رأياً أو دليلاً منها على بقية الآراء والأدلة، وهذه الطريقة تؤدي إلى وقوع البحث الفقهي وانحباسه في حيز التكرار الاجتراري مما يصيبه بالنمطية غير الإبداعية؛ ولذلك فإن العلامة الفضلي قد دعا الباحث الفقهي إلى تحديد موضوع البحث أولاً ثم الذهاب به إلى الكتاب ثم السنة لعرضه عليهما وصولاً بالعملية الاجتهادية إلى استنباط الحكم منهما، وبهذه الطريقة تتحقق العملية الاستنباطية، فيسير البحث في مساره الصحيح منتجاً فقها اجتهادياً خالصاً في جدَّته أو غير متأثر بأقوال اجتهادية سابقة - وكم من فقيه قد تنازل عن علمية نتائجه خوفاً من خرق الإجماع الذي يشكل الممارسات العملية السائدة، والخرق صعب إذا اقترب من الممارسات العملية التي اعتاد عليها الناس وألفوها.

إن البحث الاستنباطي يعطي الفقيه حرية التحرك خارج الأنماط السائدة المنطلقة من النتائج الفقهية «الرسائل العملية» ومن الكتب الاستدلالية التي تدور في فلكها وتتأثر بها في تعميقها النمطي وفي التنويعات الشكلانية عليها.

بل إن الأثر السلبي للطريقة الاستدلالية قد يصل إلى اجترار معنى معين لمفهوم موضوعي فيصيب اللاحقين بخدر لا يجعلهم يلتفتون إلى ما وقع فيه السابقون حتى على المستوى الموضوعي بسبب الهيبة والقداسة في بعض الأحيان التي يتمتع بها من سبق عادةً على من لحق من الناحية العملية التي تهيمن على الأصل النظري الذي يصنف منهج الأمامية أصولياً بأنه منهج تخطئة لا منهج تصويب..

وكمثال على المسألة، فإن العلامة الفضلي كان يفصح لمن يسأله عن رأيه في حكم التظليل للحجاج والمعتمرين ليلاً، فيجيز ركوب السيارات المسقفة ليلاً راجعاً بدليله إلى واقع موضوعي لغوي، فيبين أن التظليل غير متحقق في المسألة؛ ذلك لأن التظليل لا يكون إلا في النهار وقاية من الشمس، أما الركوب في وسائط نقل مسقفة ليلاً فهو «احتماء» من الحر أو البرد، ولا يصدق عليه لفظ «تظليل».

إن منهج العلامة الفضلي الاستنباطي هو الذي أوصله إلى نتيجة صحيحة في المسألة السابقة من الناحية الموضوعية، فلم يقع تحت تأثير دائرتي الإجماع والتسالم والقضايا الشائكة التي قد تصل بعضها إلى الشطح التخيلي البعيد كل البعد عن الواقع.

فمن شذرات مجالسه الشفهية التي شهدتها، استهجانه لفتوى تمنع من ذكر لفظة النذر في صيغة النذر لمن يريد أن يحرم بالنذر للحج أو العمرة، فلا يصح أن تقول بحسب الفتوى المذكورة «لله عليَّ نذر» ويجب أن تقول «لله عليَّ» - ولا أدري ما عليك حينئذٍ..! - بدعوى أن ذكر لفظة النذر في صيغة النذر يستلزم «الدور» وهو ممتنع عقلاً..! فيرى العلامة الفضلي أن «الدور» من المصطلحات الفلسفية التي تطبق ضمن مجالاتها الفلسفية في مباحث النشأة والوجود وما إلى ذلك ولا شأن لها في القضايا اللغوية والعرفية.

ومما يشابه الشطح السابق، ذهاب البعض إلى جواز أن يشترك الشخصان والأكثر في شيء ولكن لا يجوز بعد ذلك فض الشركة، لأن تقسيم المشترك سيؤدي إلى ظلم أحد الشركاء بحجة أن المادة المشترك فيها تحتوي على جزء لا يمكن أن يتجزأ وهو ما يسمى في المصطلح الفلسفي ب «الجوهر الفرد» ولذلك لا يجوز فض الشركة..!

حقاً إن العلامة الفضلي يستحق لقب «شيخ المنهجية» بلا منازع، فالعلوم كل العلوم بما فيها الفقه والأصول لا تزدهر ولا تأخذ مسارها الصحيح ولا تنتج نتاجا صالحاً ما لم تكن لها شِرعة واضحة ومنهاج سليم منبثقان من طبيعتها الصرفة، وإلا فإن العلم الذي لا يسير وفق سياقه سينتهي به الأمر إلى النماء المسائلي الجدلي غير المنتج وهو نماء أشبه ما يكون بالخلية المسرطنة المصابة بالجنون التي تقوم بالتهام الخلايا الصالحة فتنتج ورماً سرطانياً مميتاً.

وما دام الحديث قد جعلنا نتطرق إلى بعض مسائل الحج، فأحب أن أختم بالإشارة مشافهة عن العلامة الفضلي، وقراءة لما كتب أنه بعد ما شرع في تحقيق منسك صاحب الجواهر، استدعاه الأمر - وفق منهجه الذي لا يقنع بأن يظل حبيس الرسائل العملية والكتب الاستدلالية - إلى أن يبحث ميدانياً في معالم الحج وأماكنه، فوجد أن كتب المناسك وما في إطارها تنقل عن بعضها البعض أسماء أماكن لا وجود لها في معالم الحج..!

ولي أن أتنبأ بأن من يقرأ هذه السطور ممن استعذب الطريقة الكلامية الجدلية سيرد على مسألة التشكيك في أماكن لا وجود لها بطريقة الرد بسلاح «الدور» و«الجوهر الفرد» السابقتين، مع كون المسألة لا تخرج في نفيها أو إثباتها عن البحث الميداني قطعاً..!

إن قيمة منجز العلامة الفضلي تكمن في إبداعه المنهجي الذي سيأخذ طريقه الحتمي في التأثير وسيرسخ ويترك بصماته على ما يستجد من المنجز القرائي للتشريع، وسيتضاءل وهج «الجوهر الفرد» باحثاً عن «دور» له في عالَم لا «دور» له فيه، إلا إذا رضي أن يستريح به المطاف في «التكايا» التي تنبثق منها الشطحات.