آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

بعد التشييع الوطني للشهداء، ما هو السيناريو الأسوأ؟!

خالد النزر
اقرأ أيضاً

إن المطاردات والمداهمات التي شهدناها أمس في حي السلمانية بالأحساء، والتي أعقبها تصريح وزارة الداخلية بأن عدد المتورطين في مجزرة الدالوة بالأحساء وصل إلى 33 شخصاً، هو أمر لا يبشر بخير على الإطلاق. لا أعتقد بأن الأمر بات مجرد عدة شباب من المشحونين طائفياً نفذوا عملية بدائية - في طريقتها - ضد رواد حسينية في عاشوراء، بل هؤلاء المشحونون قد يكونون استخدموا كأدوات للبدء بتنفيذ مخطط أكبر من هذا بكثير، له خيوط متصلة بجماعات إرهابية إقليمية، تنوي بكل جدية نقل الصراع للداخل السعودي وتفجير الوضع عندنا، وهذا أمر خطير للغاية.

لا بد أن نتوقع ما هي السيناريوهات التي قد تكون وضعت من هؤلاء، لما بعد حادثة الأحساء؟. أعتقد أن أحدها سيكون هو تكرار لمثل مجزرة الدالوة ضد التجمعات الشيعية. أما السيناريو الآخر فقد يكون عملية توضع عليها بصمات شيعية، تكون هذه المرة ضد جماعة سلفية، وهنا سيكون الأمر أوقع وأشد، وسنشهد عودة أقوى وأشرس لجميع الطائفيين والمحرضين الذين بدلوا جلودهم خلال الأيام القليلة الماضية، وحينها سيلقون لهم أتباع بأضعاف مضاعفة. وفي الحالتين لا قدر الله لا يمكنني تخيل رداءة الوضع الذي سنصل إليه. وليس هذا من باب التشاؤم، بقدر ما هو دعوة لتوقع الأسوأ دوماً، والعمل والتخطيط على أساسه، كما هي دعوة لجميع أبناء هذا الوطن للتهيؤ والتحضر نفسياً خلال الفترة القادمة، فما كان قبل حادثة الأحساء ليس كما هو بعدها. ونحن متفائلون عموماً خاصة بعدما شهدناه من ردود فعل إيجابية تفاعلاً مع تلك الحادثة الألمية، ولكن لا ننسى أن الإفشال الذي حصل لمخطط أولئك الإرهابيين ومن وراءهم في إشعال الفتنة بين السنة والشيعة وتحويلها باتجاه العنف، سيشعل نارهم أكثر ليكونوا أكثر إصراراً على إعادة المحاولة. وأرى أن التهيئة والتحذير أمر لابد منه وسط هذه الصورة الوطنية الرائعة التي أبرزها تشييع شهداء الدالوة وما أحدثه من رفع للمعنويات الوطنية الوحدوية والسعادة والتفاؤل.

قبل الخوض أكثر في هذا الجانب، دعوني أتوقف قليلاً عند خطبة صلاة الجنازة التي ألقاها رجل الدين الشيعي المعروف علي الناصر السلمان، وهو رجل مسن ويعتبر الأب الروحي لغالبية الأحسائيين الشيعة وينظرون إليه كممثل لصوت العقل والحكمة، وقد قدموه كما هو متوقع ليؤم الصلاة على الشهداء. فإنه بالرغم من إسهابة في خطبته بالحديث عن الحرص على اللحمة الوطنية والولاء للدولة وقادتها، إلا أنه وجه عدة رسائل مهمة أعتقد بأنها وصلت بشكل واضح، كان أبرزها: التذكير بأن مبايعة الشيعة في الأحساء للملك عبدالعزيز تمت بمعاهدتهم على إعطائهم الأمن والأمان في دينهم - كررها ثلاثة - ثم في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وفي كل جهاتهم وبلدانهم، وأنهم لم يجرّوا سيفاً في وجهه بل تلقوه بالقبول، «علماً أن والده كان مرجعاً كبيراً في الأحساء عاصر دخول الملك عبدالعزيز». كذلك التذكير بسلمية الشيعة والعمل في خدمة هذا الوطن، وأنهم تعايشوا مع من يسيئون العلاقة بهم ولا يعترفون بحقوقهم كمواطنين، وقال أن هذه الحادثة لم تأت من فراغ وإنما من عوامل فيها الكثير من الخطأ وأن علينا التأمل في سياستنا وأمورنا ونظامنا. كما قال أن هذا الحدث لا يمثل خطراً على فئة معينة إنما على كل فئات الوطن بل وعلى رأس الدولة بتمامها - حسب تعبيره -.

ورغم التشييع الحاشد الذي شهدته الأحساء يوم أمس والذي اكتسى بالطابع الوطني والتسامي على الجراح لأبعد الحدود إلا أن هذا لا يُظهر كامل الصورة للواقع الشيعي في المملكة بعد هذه الحادثة.

فأولاً يوجد العديد من الأصوات المستاءة، أغلبها من خارج الأحساء، ارتفعت في وسائل التواصل الاجتماعي بالاستنكار لهذه الطريقة في التشييع من خطابات وطنية وتغطية الشهداء بالعلم السعودي حتى أن أحدهم على الفيسبوك قال مستهزئاً ”الحمدلله لم يتم قراءة النشيد الوطني في التشييع“!، وآخر تهجم على إمام الصلاة في إساءة لجميع المشيعين قائلاً: ”أكبر إهانة للشهيد أن يصلي عليه أحد عبيد القاتل“! في إشارة غاضبة من عبارات الولاء للدولة وقيادتها. كذلك خرجت الاستنكارات ضد بعض الشخصيات ورجال الدين القطيفيين الذين أعلنوا وعبروا عن مواقفهم في الأحساء. وغيرها من الإحتجاجات والاعتراضات التي قرأناها هنا وهناك. وهؤلاء رغم أنهم لا يمثلون صوتاً راجحاً، أو مؤيداً من الوسط الشيعي العام في الأحساء أو حتى في القطيف، إلا أن ذلك لا ينفي وجودهم وتأثيرهم في محيطهم، خاصة في وقت كهذا، يشعر فيه الشيعي السعودي بعد هذه الحادثة بأن حياته أصبحت مهددة في أي وقت بسبب مذهبه.

من جانب آخر لابد من الدراية بأن كثيراً من الشباب الشيعة لا يخلون من الاحتقان والشعور بالتهميش والتمييز، ولو فقط نظرنا بنظرة خاطفة إلى جميع المناصب الحكومية والنفطية وغيرها في الأحساء حتى في أدنى مستوياتها كمديرة مدرسة مثلاً، حينها سنلمس بعض الأسباب لهذا الاحتقان. أيضاً لابد من الإشارة إلى أن الأحسائيين عموماً عرفوا تاريخياً بالاندماج والوحدة بين الشيعة والسنة لدرجة الأخوة بالرضاعة أو تعليم الصبيان عند المختلف بالمذهب ناهيك عن الجيرة والشراكة المالية وغيرها، وأنهم بالفعل قدموا وما زالوا يقدمون أفضل نموذج للتعايش. إلا أن المسكوت عنه هنا، هو أن ما يجري على أرض الواقع اليوم في الأحساء مختلف قليلاً عن هذه الصورة، فمنذ عدة عقود جميع الأحياء تقريباً التي قامت في الأحساء، هي مقسمة بين أحياء سنية وأحياء شيعية، والعلاقات بين المراهقين والشباب شبه معدومة وليس كما كان آباؤهم وأجدادهم.

في الجانب الآخر هناك التحريض المعلن على العنف ضد الشيعة والذي تحدثت عنه عشرات البرامج والمقالات خلال الأيام الماضية، وهو أمر معروف ولا نريد أن نعيد ونزيد فيه.

ولكن في النهاية أقول أن هذه الخلطة المعقدة والملغومة، قد تفجرها شعلة صغيرة إن لم نكن على حذر وفي كامل الاستعداد لأي حدث قادم ومعرفة كيفية التعامل معه. ومع ثقتي بالقوة الأمنية وقدراتها الرادعة، ولكن من جانب آخر أرى أن يتم استغلال الإيجابيات الكبيرة والمعنويات العالية التي ولدها هذا الحدث لدى عامة الشعب السعودي، بالإسراع في العمل على حلحلة بعض الملفات والالتفات إلى بعض السلبيات هنا وهناك لتحصين البيت الداخلي ليكون في أعلى درجات القوة أمام جميع الضربات الخارجية. وآخر دعوانا أن رحم الله جميع شهداء الوطن وحمى الله أرضنا وأدام عليها الأمن والأمان.