آخر تحديث: 16 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

«ظاهرة الحكم باللازم بين ألسنة العوام ومداد المثقفين الأعلام»

حسين الخليفة

اشتهر عند الفقهاء الإخباريين أن معدن الحديد نجس؛ لأن أصله - كما ورد في المأثور الروائي - من البشر الكفار الذين وقعت عليهم عقوبة المسخ، وفي القرآن الكريم إشارة إلى هذا النوع من عقوبات المسخ في الأمم السابقة.... ومن الطرائف المنقولة أن أحدهم أراد أن يوقع فقيهاً إخبارياً في مشكلة، فقرّب أحد العوام إليه قائلاً له: إن ذلك الشيخ يقول إن شباك العباس نجس - وكان مصنوعاً من الحديد آنذاك _، فغضب العامي وقال كيف يقول ذلك؟! قال له: من أي معدن صنع شباك العباس؟، قال العامي: من الحديد، قال له: إن لم تصدقني فاذهب إلى ذلك الشيخ واسأله عن الحديد أهو طاهر أم نجس؟

وبلازم القول يتم إسقاط الفقيه الإخباري، وكيف لا يسقط من يقول بنجاسة شباك العباس؟!

ولو أن أديباً كتب مقالاً يعظم فيه شعر المتنبي ويسوق الأدلة والبراهين على أفضليته على كل شعراء الكون... وصادف أنك تميل إلى من يذهب إلى أن المتنبي ما هو إلا ناظم لأفكار فلسفية، وأن البحتري هو من يتمتع شعره برونق الشعرية، ثم قمت بدحض الأدلة التي تعلي من شعرية المتنبي وتفضله على غيره على نحو الإطلاق، فإنك ستجد من يتهمك بالعداء لذلك الأديب العاشق لشعر المتنبي..!، وستجد شخصاً آخر يتهمك بنصب العداء للإمام علي ، لأن العلامة السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب - رضوان الله عليه - له كتاب بعنوان: «مئة شاهد وشاهد من معاني كلام الإمام علي في شعر أبي الطيب المتنبي» وهو - رحمه الله - يثبت أن خلود شعر المتنبي كان بسب استلهامه حكم الإمام .

فتكون - وباللازم أيضاً - ناصبياً بعدما كنت متطاولاً على ذلك الأديب لمجرد أنه هام في شعر المتنبي وأن شعر الأخير لا يحرك وجدانك وأنك أثبت عدم أفضليته على غيره من الشعراء..

إن تحميل القائلين جريرة ما لم يقولوا ما هو إلا ظاهرة من ظواهر السلوك الاجتماعي العام، وهي تندرج تحت مفردة «إساءة الظن» المنهي عنها في الكتاب والسنة... وهي تكاد تكون مفهومة - إن وقعت -؛ لطبيعة الاحتكاك بين الأفراد وما ينتج عنه من تضارب مصالح وتفاوت أمزجة.

إلا أن الأمر يدهشك أكثر حين تعثر على شواهد كثيرة على الظاهرة المذكورة في الوسطين العلمي والثقافي؛ باعتبار ما يتمتعان به من سعة صدر ورويّة مكتسبين من الاستنارة العلمية ومن التجربة البحثية اللذين يزيدان من دهشتك ويدعوانك إلى التوقف والاستغراب...!

لكن عليك - عزيزي القارئ - أن تتقبل الأمر؛ فالعلم والثقافة يدعوان إلى التثبت والروية ولا يجبلان من يتعاطاهما بطبيعتهما..، ومن يتعاطون العلم والثقافة لا يخرجون عن نوازعهم البشرية، ولا تصلح النفوس إلا بالمجاهدة والترويض المبنيين على أساس منهما.

عليك ألا تتأثر - إن نطقت أو كتبت - بمن يقرأ كلماتك باللازم، فأهل اللازم عاطفيون لا يتحملون أن يعشق الناس غير شعرية متنبيهم، وأن يخالف الناس أفكار أديبهم وكل ما يزيدهم هياماً وولهاً بالمحبوب.

وأهل اللازم العاطفيون لا يتحملون أن يروا أبا العلاء المعري والصاحب بن عباد يتعانقان ويتزاوران ويتحابان في الله وهما هما في ثباتهما على آرائهما..!

وأهل اللازم العاطفيون لا يحبون أن يلبي السياب دعوة الجواهري، فيقصد النجف الأشرف ليشاركه في أكلة الفسنجون، كما يكرهون أن يروا الجواهري في بيت السياب يقلب فاكهة البمبر وينشئ فيها قصيدة على بحر المنسرح يبين وجه الشبه بينها وبين المشمش والعسل ورضاب صاحبته بائعة السمك.

أهل اللازم العاطفيون يعزفون على وتر الشخصانية، ليخرجوا الفكرة المجردة المضادة عن سياقها ويسجلوا هدفاً في مرمى السراب.