آخر تحديث: 8 / 8 / 2020م - 8:32 م  بتوقيت مكة المكرمة

سيما آل عبدالحي: مغامراتي مجنونة.. ولا أرسم الأحلام إنما ما يشبهها

جهينة الإخبارية حوار: حسين الجفال
الفنانة التشكيلية سيما آل عبدالحي
الفنانة التشكيلية سيما آل عبدالحي

التشكيلية سيما آل عبدالحي، فنانة تؤمن بالمغامرة لا تكف عن طَرْق الأفكار وركوب الصعب، فمنذ معرضها الأول «من فوق الأرفف» وضعت بصمتها الخاصة على ألوانها ولوحاتها، وفي معرضها الثاني «خربشات الروح» ثبتت المعنى، حيث يكون مع مزيد من الأسئلة في لوحاتها، وفي معرضها الثالث «ضريح الألوان» كانت يقظتها الأجمل الذي حرك طاقتها الكامنة ورسخها في الساحة أكثر، ومع معرض «الأربعة» كانت سيما عبدالحي قد لونت مسيرتها بجوائز عدة من داخل المملكة وخارجها. «الحياة» زارت مرسمها وحاورتها حول قضايا عدة.

بين التجريدية والتعبيرية والرموز الميتافيزيقية تذهب أعمال سيما عبدالحي بعيداً لتعاضد الإنسان الحي وتسنده.. إلى أين أخذك ضريح الألوان؟

أخذني في رحلة مع دان براون، كاتب الروايات الشهير الذي لم ألتقيه بعدُ لأعبِّر له عن إعجابي بكتاباته الشيقة واللذيذة، أخذني إلى البحر الذي تجري فيه السفينة مسرعةُ، وهي تعرف أنها لن تصل إلى المرسى. أخذني إلى عالم عجيب سمعت عنه ولمحته مرات قليلة حتى غصت في قعره في متاهات لا عد لها ولا مخرج. أرى نفسي أغرق وأنا على بر الأمان. حروف ورموز وطرق وفسحات فراغ واتصالات عدة وأخطاء وبشائر خير وقلوب ترفرف في أطراف فنجان قهوة يختلف مذاقه، وهو يحمل الطعم نفسه. أخذني للبعيد الذي جعلته يقترب. ضريح الألوان في الحقيقة جعلني أعيش في عالم مسحور. في بيتي الذي جعلته كوخاً. شهران لم أتحرك ولم أعرف النوم من قوة حماستي، وحين قررت أني انتهيت أعدت اللعبة من جديد وكانت أطيب وألذ متعة لن تمحى من ذاكرتي أبداً وطعمها على أطراف لساني لا يزال.

يقول بابلو بيكاسو: الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية.. ما الذي يفعله الفن في حياة آل عبدالحي؟

أعجبتني هذه العبارة كثيراً، لا بل لامست روحي. كانت معبرة جل التعبير، ومنها عرفت أنه مهما عرفت عن هؤلاء المشاهير ستظهر لي في أيام مستقبلية معلومات لم أصل إليها بعد. صدق بيكاسو حين قالها في الأزمنة الغابرة هذه المقولة، وعاشت، وعاشت لحظتها حين تمسح عني غبار الحياة اليومية والتفكير في المستقبل وتجعل حياتي تتجدد بالأمل والفرح. لا أضع مرآة أمامي وأن استمتع بالفن ولكن، أعتقد أن جميع الجدارن تشهد أن روحي تكون فرحة وقتها وتتجدد. ينتزع الإنسان الفن من الأرض ويجعله جالساً على السحاب الأبيض يبدع ما يريد دون قوانين غير قانون واحد فقط، «النزول من السحابة للأرض بعد الانتهاء».

في مقدمتك لمعرضك «ضريح الألوان» أوضحتِ كثيراً من متناقضات الحياة من أجل أن نستطعم معنى الضحك.. ما الذي يبهج الفنان روح المغامرة أم رسم حلم مجنون باغته؟

هل ترسم الأحلام؟ سؤال سألته لنفسي قبل الإجابة هنا، وأعتقد بأننا نرسم ما يشبه الأحلام لا الأحلام نفسها... وإن رسمناها فمن دون أن نعرف أنها الحلم ذاته الذي حلمناه، وهنا نلحظ المذاق للمعنى.

يجد المتتبع لمسيرتك الفنية علاقة وطيدة بعناصر الكون الأربعة: الماء، التراب، الهواء والنار، وينعكس ذلك بألوان لوحاتك حد التماهي العجيب؛ الرمادي مربك وكأنك تخفين سراً وتفضحينه بالنار.. ما سر هذه الألوان معك؟

بساط الريح بلون مختلف. مر بي ذات يوم وأنا أعد لمعرضي الأول «من فوق الأرفف» في مراحله الأخيرة وشكل معزوفة القدر ومن القدر عاد بي على التراب، وحين أردت العودة قرر أن يرافقني هذا فقط. أو أن ذرات منه علقت بحذائي وأصبحت قدراً مقدراً لا أعرف.

قدر الفنان أن يكون مغامراً، هكذا يرى فان غوخ.. إلى أي حد تؤمنين بالمغامرة في الفن؟

أؤمن بها بلا حدود. تبهجني روح المغامرة فمغامراتي مجنونة وأنا أزيدها جنوناً، وكأني أرمي نفسي من أعلى سفح جبل، وأنا أقول: يجب أن أنجح وبإذن الله سأنجح.

الطين كان البداية. وفي الطين أيضاً تكون النهاية. والتراب سيكون النهايات.. أليس من فضاء أرحب وأبعد يشكل نافذة على الكون، الفن خلق كما يقول الفنان محمد عبدالوهاب؟

الفضاءات كثيرة جداً، وأعتقد بأننا لو بحثنا فيها سنجد حتى لو حفنات من التراب عليها. الفن خلق، نعم، فالله هو الخلاق، ولكننا على الأرض نصنع الفن؛ لأننا لا نملك ماهية الرب بس نستعين بعطاياه.

كان لديك اشتغال على إدخال الفن الإسلامي في لوحات عدة لديك.. ماذا يغني الفنان في ارتكازه على معين كهذا؟ وهل ما زال المشروع مستمراً؟

لا يزال المشروع مستمراً، وإلى الآن لم أصل إلى ما يرضيني فيه، ولكن بداية كل عمل بذرة، ويغني بالكثير بالنسبة إليَّ. فأنا أرى أني أعيش التاريخ حين أتحرك مع الماضي ومع أساس الحضارة. فعالم الفن الإسلامي بحر لا ينضب.

منذ معرضك الشخصي الأول والذي حمل عنوان: «من فوق الأرفف» 2009، ثم المعرض الثاني الثنائي المشترك مع الفنانة ليلى مال الله «خربشات الروح» ومعرض «ضريح الألوان» وأخيراً معرض «الأربعة» «وأنت في تجدد في الحضور اشتغالاً وفكراً.. حدثينا عن أفكار هذه المعارض حتى بزوغها في قاعات العرض؟

الأفكار لا أظنها حكراً في صندوق ولا علبة هدية مغلفة بشريطة وردية لامعة، ولا هي بالسهل اليسير ولا الصعب الممتنع. هي خليط مصبوب في قعر سفينة. ولتلك السفينة أكثر من مجداف، وجميعها تقود، ولكن تتفاوت في السرعات، وعليّ أنا أن اختار أكثرها جاهزية لتتحرك السفينة. في معرض «من فوق الأرفف» كانت لوحاتي من كثرتها وكأنها موضوعة على أرفف. كانت نائمة وكنت أغطيها بلحاف لها مزخرف. وأصبح ذلك الفراش على أتم الاستعداد لاستقبال المزيد من دون تذمر، وأنا وكأني أجمع عائلة، وحين حان وقت العرض كان الكثير من الجديد واقفاً في الأمام وتعاطفاً لكونهم صغاراً تنحت لوحات الماضي، معتذرةً أن الصالة لا تكفي لمن هم أكبر سناً وبكل احترام ابتسمت لهم وقلتُ شكراً يا قدير. وهكذا خرجت اللوحات من تحت الأرفف وحمل المعرض هذا الاسم بعيداً عن مضامينها.

«خربشات الروح» مع الصديقة العزيزة ليلى مال الله ولد من فكرة معرض جماعي، يحمل تقنية الجرافيك «السلك سكرين» فن الرسوم المطبوعة، ولأسباب باتت بعيدة الذكر أصدرت القرار بإقامة معرض شبه خاص، ورافقتني صديقتي في قراري وكانت خربشاتنا في غضون أيام معلقة على جدران صالة العرض. وفي كل لوحة يقترب منها المتلقي في أعمالي كان يجد نفسه في متاهة. خيوط متشابكة تبتسم حين تظن أنك أمسكت طرف الخيط لتتحرك وراءه مسرعاً لتعاود رحلة البحث من جديد. حضارات ساسانية وعربية قديمة ظهرت منها رسومات لوحاتي حاملة رائحة الماضي في حلة جديدة. بعدها كان معرض «الأربعة» للأصدقاء الأربعة وهم أنا وفاطمة النمر وزهراء المتروك وجاسم الضامن أي «الإخوة الرفقة» وضمن لوحات من خربشات الروح ولوحات جديدة من قصة أوبرا كارمن التي منعت من العرض ثلاث سنوات حتى حان وقت الالتفات إليها في مشروع إصدار نادر3 عام 2014. أما «ضريح الألوان» فكان اليقظة بعد التوقف المريح أو الابتعاد الجزئي بسبب المشاغل، لكنه حرك كل الطاقات.

العادية طريق صخري يمكنك السير فيه، لكنك لن تجد الأزهار هناك. بحسب فان غوخ طريق الأشواك الذي يمر به الفنان من أجل الكشف ومن أجل رسم عقيدة تفرض على معتنقها أن يتجاهل الرأي العام.. أكان طريقك معبداً وطرياً أم أنك أخذت طريق الكشف من دون أن تلتفت لأحد؟

فان غوخ هو المجنون الذي قطع أذنه حين قرر صديقه أن يرحل من منزله قبل التاريخ المتفق عليه، يعرف جل المعرفة أن العادية والطريق الصخري بينهما بعض المناوشات، ولكن لن أقبل أن أسير في طريق لن أجد فيها الأزهار مهما كان. أما طريق الأشواك فليس فيه لافتة تقول إنه لا تجب إزالة الأشواك قبل المرور، لذا فأنا أبعد الأشواك الكبيرة وجداً لأحمل الأزهار وإذا ما دميت يداي فملمس الورد الناعم وعبقه يغنيهما. وأنا حقاً لا ألتفت إلىأحد، وأعتقد بأنها شهادة الآخرين فيَّ حين يسموني بالعنيدة فما في رأسي في رأسي.

يقول برتولت بريشت: ليس الفن مرآة للحقيقة، بل مطرقة يمكن بها تشكيل الحقيقة؛ رؤية الفن لديك على ماذا ترتهن؟

حين أسمع بعض الأمثال أو الحكم الرائعة أعتقد أنها فعلاً كتبت لي لا لسواي. وحين أسمع كلمات بعض الأغنيات أحس وكأني أنا من ألف كلماتها من كثرة القرب منها لي. الفن لديَّ يرتهن على الحياة بأسرها. لعبة لا رهان فيها وعليك السير رغم كل الأخطار.

تحدثت عن الخطيئة في أعمالك وأعدتها للنشأة الأولى.. أليس الحب أجمل خطايانا؟

الحب هو الخطيئة التي كانت يجب ألا تندرج تحت الخطايا وهي أعلاها. وهي التصحيح والعلاج لكل ما سواها. الخطيئة كانت سبب الحياة وهي أيضاً سبب الممات. هي الدافع والباعث والعابث والدال. هي المتعدد في مسار. نعم أجمل خطايانا والأجمل.

في الحياة نعمتان: حب الفن، وفن الحب. أوسكار وايلد.. هل تطمعين بشيء آخر؟

أطمع أن أكون الفن وأن أكون الحب. ولماذا؟ حين تسألني سأقول: كي لا أضيع حين تعكس العبارات. فهل فهمت؟!