آخر تحديث: 5 / 8 / 2020م - 3:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الخنيزي: واجبنا توظيف الطاقات لجعل المملكة أكثر إشراقا ومساواة وقانونية

جهينة الإخبارية صحيفة الاقتصادية
الباحث جهاد الخنيزي

ما الذي يجعلنا كسعوديين أكثر قربا من بعض؟ وأكثر طلبا لفهم من نكون؟ وأكثر تفكيرا في المستقبل؟ تمثل هذه الأسئلة المحور الأساسي لأعمال الكاتب والباحث السعودي جهاد الخنيزي المعني في مجمل أفكاره ومواقفه بتقديم خطاب وطني جامع ونابذ في الوقت نفسه للخطابات الطائفية المتطرفة. حيث سبق للكاتب الخنيزي المشاركة في طرح البيان السياسي“سعوديون بلا أقواس”الذي وقعه نخبة من المواطنين الشيعة بعد حادث الدالوة الإرهابي وسبق نشره في صحيفة“الشرق الأوسط”. كما صدر للخنيزي كتاب بعنوان“الإصلاح والممانعة في المجتمع السعودي”وآخر يبحث في مصطلح الفكر الإسلامي، إضافة إلى إصدارات أخرى استدعت كثيرا من الجهد والبحث. وحول هذا البيان وغيره من الأفكار والتحديات الوطنية والسياسية التي تستدعيها الظروف المحيطة كان لنا هذا الحوار:

نبدأ بالأسئلة التي جعلتها منطلقا لأعمالك:

ما الذي يجعلنا كسعوديين أكثر قربا من بعض؟ وأكثر طلبا لفهم من نكون؟

هذه أسئلة مهمة في عالم يتغير بسرعة وضمن تحديات ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. وتأتي الصورة هنا بتقاربها أو تمايزها من خلال فهم جملة من الأفكار التي تحدد مسارات العقل ومسلك المجتمعات. الأمر إذا ليس هامشيا. لذا تقوم الخطابات هنا بدورها في هذا المجال.

ما الفكرة العامة لبيان ”سعوديون بلا أقواس“ الذي شاركت في صياغته والتوقيع عليه؟

يعتبر بيان ”سعوديون بلا أقواس“ الذي وقعه نخبة من الشيعة بعد حادث الدالوة الإرهابي بيان موقف من تيارات وأحداث إقليمية ودولية واسعة، وممارسة لدور المثقف، وقراءة في بنيوية الخطاب السياسي والثقافي الذي يعصف بالمنطقة منذ أحداث الربيع العربي وعلاقته بالحالة الشيعية السعودية التي ارتبطت بالربيع العربي. إنه بلا شك حمل كثيرا من المفاهيم التي أراد بها أن يتكلم مع ذاته وغيره في الوقت نفسه، ولكنه أيضا من جهة أخرى يعاني ما تعترض مثله من تحديات في وعي الجماهير التي بات الإعلام يؤثر فيها وتنغمس في الثقافة الشعبوية لوسائل التواصل الاجتماعي التي كسرت المحرمات وباتت أقرب للفوضى.

تميز البيان عن غيره بجعله ”الهوية الوطنية“ أساسا لخطابه، ما الذي أردتم إيصاله هنا بشكل مباشر أو غير مباشر؟

هو بلا شك جعل الهوية الوطنية أساس خطابه، واستكره إضافة محسنات مذهبية أو طائفية أو غيرها في ممارسة لكشف الوعي العام عند الشيعة خلال حقبة زمنية تمتد إلى أكثر من 80 عاما منذ نشوء الدولة السعودية الثالثة وتأثيرات رياح الدول المنتصرة في الحربين العالميتين في الجماهير العربية عبر بوابة وتر الدفاع عن الأقليات والمهمشين ومساندة حركات التحرير ضد الاستعمار. ولم يكن كل هذا بريئا بل محملا بما يمكن الاصطلاح عليه التبشير بالحداثة الغربية المتنوعة التكوينات الفكرية والسياسية التي انحصرت في الشيوعية / الاشتراكية والليبرالية الرأسمالية ومسميات فروعها العربية التي غلب عليها طابع معسكر اليسار. إنه بلا شك مارس نقدا للتنظير المستورد إلى الشارع السعودي بكل أطيافه الذي قاد إلى التصادم مع المجتمع والدولة والدين والموروث الثقافي. ولم يكن حديث البيان نفيا للتاريخ أو الوقائع السياسية والفكرية بل كان أقرب إلى تقديم قراءة بديلة وواقعية تعتمد خيار الهوية الوطنية، فهو مارس عملية نقد بيانية غير مختلف عليها لدى كل التكوينات لأنه نقاش في التاريخ والواقع والحاضر والسياسة.

كتب جهاد الخنيزييظهر هذا من التحسس من الخطاب المذهبي والإرهاب الديني ومن الخوف على أخلاقيات التعايش التي أراد نسفها فاعلو حادث الدالوة أو الراغبين في نقل المعركة عبر بوابة الطوائف المذهبية. وهي هموم مشتركة لا علاقة لها بالقناعات السياسية أو المعتقدية بل بوحدة المصير المشترك كما انعكس في الموقف الوطني الجامع للدالوة. إن التأكيد على خطاب «نحن سعوديون» في الواقع ترسيخ لشراكة تامة لا تستثني أحدا ويتجاوز الحدث الزمني برؤيته وخطابه ولغته.

كيف يمكن لمبدأ ”الهوية الوطنية“ أن يؤثر إيجابا في خطاباتنا الوطنية؟

يمكن ملاحظة أن مبدأ الهوية الوطنية يقوم بتثبيت مكانته التأسيسية على نقد الأضداد المرجعية التي لا تؤمن به، التي تنخرط في تحالفات سياسية بديلة وتمارس النقد في وقت الأزمات دون وجود أرضية راسخة سوى إيمانات أيديولوجية، وكأن الأزمة هي مبرر وفرصة لممارسة النيل من الدول الوطنية في وحدتها. ويمكن رصد أن الخطابات الوطنية من حيث المضمون تقوم على نقد أربعة اتجاهات مؤثرة في التشكلات السعودية. ونقصد بالنقد المناقشات وليس النفي. وهي:

1 تجاذبات القوميين المشرقيين على مفهوم الدولة الوطنية كهوية جامعة للتنوعات، حيث يرونها دولة معوِّقة لمشروع الوطن القومي. وهنا يلاحظ أن النقد ينصب على ممارساتهم المنخرطة في صراعات الإقليم السياسية والعسكرية عبر استخدام جاذبيات الحس العروبي، ولعل بعض الأسماء أكثر لمعانا، حيث يظهرون على الفضائيات للتنظير للسعوديين بما عليهم أن يقوموا به وما لا يقومون به في تسطيح للعقل الوطني وتراكمات الخبرة في الدولة والهوية الجامعة.

2 مشروع الإسلاميين في الحكم والسلطة الذي لا يؤمن بالدولة الوطنية ولا القومية إلا من حيث ضرورة ويعبرون به حدود الإقليم العربي إلى ما هو أوسع مفترضين أن شعار ”الإسلام دين ودولة“ قابل لحل كل المشكلات. بينما تحليل تكوين خطاب الإسلاميين يقوم في واقعه على نفي للدولة كوجود واقعي والتربع على عرش الدين كدولة افتراضية وهذا إضافة إلى كونه وهما فوق ميتافيزيقي يفترض أن مشكلة الدولة في التاريخ الإسلامي هي مشكلة أيديولوجيا في المعتقد وليس في طبيعة الوظيفة السياسية للدولة كحالة وضعية قائمة على مفهوم السلطة والإدارة وحل المشكلات وتقديم الخدمات. ويمكن ملاحظة العجز الذي يظهره البنيان المعرفي للإسلاميين وقيامه على التماهي مع البطولات التاريخية وإحلال خطاب الدعوة والحماس الديني محل التأصيل الفلسفي للدين والمجتمع والحكم. ما جعله ينتج جملة من المضللات التي دمغ بها عقول الشباب موهما إياهم بأن خطابه يقود إلى الإيمان ومصيره الجنة.

3 نقد الخطاب الطائفي السني والشيعي بما فاق المعقول الذي تمارسه أقليات من الطرفين بأدوات إعلامية حيث تحول الاختلاف إلى بيان سياسي وليس مجرد اختلاف في بعض المعتقدات الدينية وفروع الفقه. لقد مارس الطرفان منهج الصدمة للوعي لتشظية المشترك من خلال إحياء شذوذ التراث المنسي وإعلاء نبرة العداء بل التمثيل بالبكائيات بهدف تهييج الجماهير ورفع درجة الاحتقان كتشريع للممارسة العنف ضد الآخر المذهبي.

4كتب جهاد الخنيزي نقد الخطاب الزمني بعض الشخصيات الدينية الشيعية التي تعاملت مع قضايا الشيعة كمجال للتوظيف السياسي عبر ممارسة العنف اللفظي أو المادي أو التخفي الإعلامي بأسماء وهمية. وأوجدت أزمة خطاب أكبر من الواقع. وصنعت مجالا إعلاميا لا مكان له في أرض الواقع إلا بنسب ضئيلة ما جعل العقل الشيعي السعودي حائرا بين الواقع والمنهج والقضية وكيفية علاجها. ومارس هذا الاضطراب مفعولا سلبيا كبيرا.

تبعا لهذه التجاذبات ما الذي يحتاج إليه من وجهة نظركم الخطاب الوطني الشيعي تحديدا؟

هنا من الحقيقة القول إن الشيعة أقل ممارسة لنقد التجربة التي مروا بها أو المكاشفة مع بعضهم، ذلك أن هذه سادس تجربة يقومون بها بالمنهج نفسه وكان من الضروري توضيح المنهج الصحيح والقول إن وظيفة الشيعي كما كل المواطنين في حل مشكلاته ليس بممارسة خطاب الصدام بقدر ممارسة خطاب الوعي والعقل والطرق الواقعية لعرض مشكلاته وحلها، ومن حيث المقصد المركز لا بد من نقد الشخصيات التي استخدمت خطاب الدين في مشروعها السياسي على حساب خطاب الوطنية الجامع ووسائل الحوار حرصا على عدم الإضرار بالمجتمع.

تتضح هنا وظيفة المثقف كمبشر برؤية تنويرية لا ترتبط باللحظة العفوية كمجال للبوح، بل من قناعات ترتبط بتاريخية الوعي العام لتعريف أثر الهويات في الاجتماع السياسي ونوعية الخطابات المبينة لها فعمله في مجمله يقوم على ممارسة التفكير ونقله من مجال الحوار الذاتي إلى الحوار المجتمعي وتعريفه بما يمر به أي مجتمع من أخطار وما يظهر عليه من تجديد أو عثرات. وهو انكشاف لقوة المثقف تجاه ما يريده لوطنه وأمته ومستقبلهما حيث يقدم نفسه ضمن معادلة الوجود وليس النفي أو النسيان. وأول مهمة يقوم بها هي قراءة المنتج الثقافي والفكري في الأمة وأنماط الخطاب الذي يتغذى منهما وتحديد العلاقة بين المذهب والقبيلة والأمة وحدود التلاقي والافتراق مع الدولة. وأعتقد أن النجاح في هذا المجال يوجه رسائل في اتجاهات متعددة بأن عبور الأيديولوجيات الخارجية يحتاج إلى مصفِّ داخلي وقراءة عقلانية للسياسة والمصالح. وواجب المثقف ألا ينفي التنوع الفكري والمذهبي والديني والقومي فهذه وقائع وضعية فوق القبول أو الرفض لها، وليست وظيفته أن ينفي الحريات الشخصية أو رفض الحوار البيني بل التشجيع عليه بشرط ألا ينتقل تأثير الجدليات الدينية إلى الشارع وهذا نقد لما يتم فعله من قبل الفضائيات المتطرفة والسطحية المبتعدة عن وسطية الدين، ونقد للحالة التاريخية عند الشيعة والسنة عندما يتم توظيفها في الصراعات الاجتماعية أو السياسية أو تتحول إلى صراع اجتماعي أو سياسي.

ختاما، ما مستقبل بناء صيغة تفاهم وتعايش وطني سعودي مشترك؟

هي حقيقة وجودية بالضرورة، فبالإمكان دائما بناء صيغة فهم وتعايش له خيار وطني كمبدأ متعالٍ عن التيارات المتصارعة التي لا تنسجم في خطابها مع تجربته ولا ثقافته ولا طريقة عيشه في إشارة إلى تاريخية العلاقات التي بناها الملك عبدالعزيز مع مناطق المملكة التي اتسمت بمنهج الاعتراف بالآخر في الإدارة. وهو انتقال إلى وضع مؤسساتي يعتمد الواقعية السياسية في الدولة والمجتمع، دون إلغاء الخصوصيات التي يمكن لها أن تتوظف بشكل جمالي وفني في لوحة الوطن مع ضبط للأنماط المتطرفة والشاذة. والأساس الجامع لكل هذا هو أن القومية وغيرها ليست بدائل عن الوطن دون شرط أن يكون عدائيا معها أيضا لأن السعوديين هم جزء من المنطقة والعالم ولهم موقع جغرافي ديني ويستطيعون ممارسة أدوار واسعة الطيف. إننا نواجه معركة فيما يتعلق بهذا الدور. ومهمتنا توظيف الطاقات لجعل المملكة أكثر إشراقا ومتانة وحقوقية ومساواة وقانونية، وهذا لا يحدث دون وجود تيار يؤمن بمكانتها وتنميتها وفي الوقت نفسه معالجة المشكلات الداخلية بروح الحوار والتعارف الذهني الشامل. وهي المعركة الأكثر تحديا في عالم الحضارة والتسامح وقبول الآخر.