آخر تحديث: 9 / 7 / 2020م - 3:23 ص  بتوقيت مكة المكرمة

اتركوني وحزني

يوسف أوال *

للقلوب التي سبحت فوق أمواج قلبي حتى الإرهاق والغرق، لبقايا أشرعتها الممزقة، لبقايا حطامها في الأعماق، لذكرياتها، لصلواتها، لخوفها، ولحبها أبعثُ آلاف الدموع المحطمة، والمنكسرة، والمشتاقة، والمتعذبة إثر طعنات الحنين المستمرة، وإنني لأعلم أنَّ الدموع فتنة الحنين، وإن الحنين فتنة القلوب، وإن القلوب ضحايا القدر، لكنني والغيم حكاية لن تنتهي، ما دام الكمان يبكي معانقاً الناي الذي يشعر بالبؤس الشديد، والذي يتمنى لو أن أمطار البيانو تكتسح هذا العالم البائس إلى الأبد.

كأنَّ شيئاً ما يغادرني، كأنني أنا، أو كأنَّها هي، ولربما نحن الاثنان تغادرني، فدعوني أشرح إليكم الحالة التي تُهاجمني الآن، والتي قد هاجمتني بالأمس، والتي لم تتوقف عن مهاجمتي.

فجأة تكفّ الأرض عن الدوران، وأسمع حديث الملائكة مع الغيْم، وأغرق إلى الحدّ الذي أظنني فيه قد تحولت إلى سمكة صغيرة، تطير بين الأعشاب وبين المرجان، أغرق إلا ما لا نهاية، كلؤلؤةٍ ترفض الخروج من سلطة الملوحة، وتشعر بالعار إن فكرت يوماً بالرحيل لينتهي بها المطاف على جيد فتاة، أغرق كزجاجةٍ نبتت بين أحزانها جميع أنواع الأصداف، فوقفت في الأعماق كتمثالٍ يُعبِّر عن كل الأشياء، وعن كل اللأشياء، حتى إذا ما حركها التيّار ضجرت، وتنهدت ثُمَّ قالت: اتركوني وشأني، اتركوني وحزني، اتركوني أرعى الأصداف الصغيرات.

دعوني أقصُّ عليكم الحكايا التي أعيشها وأنا أتمشى كجنديٍ يتمزق ألماً بين قبور ضحاياه، أتمشى بين حروف العلة، وأجرُّ ذكرياتي من تحت حروف الجرّ، كما يفعل البحارة في المرساة، إنني في كل مرة أفتح قلبي إلى الأوراق تتساهمني سطور لم أكتبها بعد، فتارة أجد نفسي أكتبها، وتارة أجدني أبكيها، فهل تدرون ما معنى أن تمتزج الكآبة مع النعاس، هل فكرتم بنتائج السهر المتواصل، والكتابة المتواصلة، والخيبة المتواصلة، والضجر المتواصل! لا شك بأنَّ بعضكم طال به الأمر وهو يتفجَّر دموعاً بعد منتصف الليّل.

لديَّ فكرة سيئة جداً عن هذا العالم، آمل أن لا تضطروا للوقوع في قسوة هذه الفكرة، وأن لا تُجبروا يوماً على إدخال دخانها الأسود إلى جهازكم التنفسي، لأنها خانقة، وسامة، وفتاكة، ومن السهل جداً أن تكون بمثابة فصل الختام من أعماركم، وفي الواقع ليس هنالك شيء يدفعني للتراجع عن هذه الفكرة، إنني وبصراحة كبيرة أشعر بخيبة جرَّاء ما يحدث في هذا العالم، كان من الممكن أن لا يحدث أيّ شيء، لو أنني بقيت صامتاً أتأمل شكل الفراغ الذي أظنه، وكان من الممكن أيضاً أن تمطر السماء، لو أنني لم أبكِ حين رأيت غيومها تلتف حول عنقي.

جئنا وحيدين إلى هذا العالم، وسنرحل وحيدين، فكل هذه الوجوه لن تزيل غربتنا، وكل هذه العيون لن تملأنا، لن يشعر الآخرون بحجم وحدتنا، ولن يفهموا ما معنى أن تستدرَّ الكآبة دموعنا، وتنحتنا، وتصهرنا، وتصقلنا، لنؤمن بأنَّ كل هذه الأيادي، يوماً ما ستهيل على وجوهنا التراب وترحل، ثُمَّ نُنسى كأننا لم نكن.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ل.إ
[ القطيف ]: 18 / 2 / 2015م - 12:41 ص
جئنا وحيدين إلى هذا العالم، وسنرحل وحيدين، فكل هذه الوجوه لن تزيل غربتنا، وكل هذه العيون لن تملأنا، لن يشعر الآخرون بحجم وحدتنا، ولن يفهموا ما معنى أن تستدرَّ الكآبة دموعنا، وتنحتنا، وتصهرنا، وتصقلنا، لنؤمن بأنَّ كل هذه الأيادي، يوماً ما ستهيل على وجوهنا التراب وترحل، ثُمَّ نُنسى كأننا لم نكن.




نعم ؛ اتركوني و حزني!
كاتب سعودي - تاروت