آخر تحديث: 23 / 10 / 2020م - 11:27 ص

رحلة إلى قم

أحمد شرف السادة

ألو، نعم، نعم... سلام عليكم... أهلا وسهلا بكم.

مساكم الله بالخير.

هذه هي أول الكلمات التي سمعتها من الحاج آغا أبو الحسني عبر هاتفي النقال.

بعد أن اتصلت عليه عقب يومين من وصولي إلى مدينة قم المقدسة والتشرف بالسلام على السيدة فاطمة المعصومة أخت الإمام وبنت الإمام ولم أكن حينها أعرف أكثر من هذا عن السيدة المعصومة إلى أن وقع في يدي كتيب كان يوزعه أحد الزائرين العرب هناك. المهم حدد لي صديقي الحاج أبو الحسني نقطة «مكانا وزمانا» في الحرم الطاهر لأول مرة أسمع عنها لكني اكتشفت بعد السؤال أني كثيرا ما مررت عليها وهي مسجد أعظم والتقيته بحرارة وبعد تبادل التحايا التفت إلى أن بيده حقيبة جلدية وقال لي: هل انتهيت من الزيارة؟ قلت له: للتو قادم من الفندق. قال: حسنا أنا سأحضر الدرس هنا وبعد ساعة نلتقي. فتبادرت إلى ذهني أسئلة عديدة.

درس هنا ماذا يقصد؟ ولما كل هؤلاء المعممين بعمائم سوداء وبيضاء يتزايدون كلما مر الوقت؟ وبدت على ملامحي بصمات تلك الأسئلة وأنا أستعد للخروج الا أن زحمة الوجوه في مسجد أعظم جعلتني متحرجا من التحرك فقال لي: لا بأس يا صديقي العزيز بإمكانك الجلوس بجانبي إذا رغبت. دفعني الفضول إلى قبول الفكرة وبينما هممت بالجلوس إذ وقف الحاضرون جميعا رافعي أصواتهم بالصلوات على محمد وآله.

دققت النظر وحواسي الأخرى لأعرف التفاصيل وإذا بي أرى من بعد شيخا وقورا عليه سيماء الصالحين يتقدم إلى كرسي عند محراب المسجد وقد أمسك بيده أحدهم ليعينه على السير حتى ارتقى الكرسي وارتفع التكبير وبعض الشعارات باللغة الفارسية المختلطة بالعربية تشبه كثيرا ما أسمعه عبر التلفاز. لكن الحاج أبو الحسني كان يترجم لي بين الفينة والأخرى وهو يقول لي: أتذكر جولتنا السابقة في مشهد قبل حوالي سنة.

قلت: نعم.

قال لي: كنت أقول لك تذكر هذا يا ولدي وسجل هذا في ذاكرتك يا عزيزي.

قلت: نعم نعم.

قال: من هذه اللحظة بدأت رحلتنا في قم فسجل هذا الموقف يا عزيزي والتقط منه ما استطعت.

جلست في ذلك المكان ولأول مرة في حياتي عشت تلك الأجواء الجديدة بروحها وعبقها. انتهى الشيخ الوقور من درسه وخرج مئات من الذين تحولقوا حول منبره وجلست أنا والحاج آغا أبو الحسني في زاوية لمدة نصف ساعة يسألني عن دراستي وأحوالي وهل أتيت بمفردك أم مع العائلة وحصل عكس ما كنت أرغب أن أكون أنا السائل فوجدت نفسي أنا الذي أجيب. إلا أن روحي تعلق بها شيء جديد هذا ما صرحت به إليه إلا أنه لم يقابلني إلا بالتبسم كعادته. اتفقنا على القيام برحلة في دهاليز المدينة خلال رحلتي التي بقي عليها أقل من ثمان وأربعين ساعة.

لكن بعد أن عرف أن رحلتي قصيرة قال: ما رأيك أن نبقى لربع ساعة هنا حيث سيبدأ درس الخارج لأستاذ آخر.

وفقط أريدك أن ترى اذا ما كان هناك جو مغاير لما رأيته قبل ساعة ثم نذهب لتناول الإفطار. وافقته الرأي ووجدت أن كثيرا من الوجوه قد تغيرت من حيث أشكالها وجنسياتها. هذا أولا ووجدت أنه - أي الأستاذ - يتحدث كثيرا باللغة العربية وأمر آخر لفت نظري وهو كثرة المداخلات بين الأستاذ وطلابه. إن أكثر من نصف الوقت كان حوارا بين بعضهم والأستاذ وآخرون يسجلون ملاحظات على أوراق أو على أجهزة «اللاب توب» فلفت نظري ذلك.

خرجنا إلى ركن صغير في أحد الشوارع المحيطة. كان يقدم الفطائر والمشروبات الساخنة بنكهة عريبة مع أني كنت أفضل طعم الخبز الإيراني المميز مع ما يسمى عندهم «بالخامة والعسل» وتبادلنا أطراف الحديث ومما قاله لي: هل تعلم يا بني أن هذا الكرسي الذي جلس عيه الشيخ فلان والسيد............. كان يباحث عليه الإمام الخميني قبل الثورة بسنوات. إنك يا ولدي في مطبخ صناعة الثورة منذ أن صرح الإمام بصوته مستنكرا جرائم الشاه وأبيه مناديا بإسقاطه كما تعلم وكما قرأت في تلك الكتب التي أهديتك إياها في مشهد الإمام الرضا أتذكر ذلك وإذا بلساني ينطق مباشرة لماذا كانت خطابات الإمام تلقى ذلك الصدى الذي حرك الشارع من أقصاه إلى أقصاه؟

فقال: لأنها ليست مجرد خطب بل تحمل في طياتها حقائق قرآنية وإيمانية.

كان الإمام متيقنا بها فإذا قرأ الآية الكريمة: ”إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا“ فهو يحمل لشعبه حقيقة الانتصار والثقة به تعالى.

مضى الوقت سريعا ولم نخرج إلا بعد مناشدة صاحب المقهى لنا بالإذن بالمغادرة لتجهيزات خاصة بهم. من حسن الحظ أن صديقي أخبرني أن لديه سيارة فكنا نتحرك بها في شوارع المدينة.

فقال لي: هل لديك سيارة؟ وما نوعها؟

قلت له: نعم هي من نوع «كابريس» أمريكية الصنع فقال: هي اذا مريحة وواسعة.

فنظرت إليه بتأمل وقلت له: نعم لكن سيارتك من صنع بلدك.......................

استطرد صديقي وكنا قد اقتربنا من زقاق ضيق وقال: هنا يقع بيت الإمام وبإمكاننا زيارته. فوجدت نفسي أعيش برهة من التاريخ القديم الذي لم أعايشه بحكم سني لكني قلت له: حاج آغا أبو الحسني اليوم نعيش في زمن أخر بعد أكثر من ثلاثين سنة مما تتحدث عنه قال: نعم إن ما نعيشه اليوم هو نتاج لما كان بالأمس.

ومن الطبيعي أن ظروف وملابسات اليوم تختلف يا بني عن الأمس حتما. ونحن نتجول مررنا بشارع به بناية زجاجية تبدو جديدة للتو ومكتوب عليها «مجتمع ناشران» سألته عنها قال: هذا مركز لدور النشر في مدينة قم وقد كانت مبعثرة هنا وهناك والآن جمعت في مجمع كبير يضم معظمها فقلت له: هذا انعكاس لنشاط حركة التأليف والمناخ الثقافي المتجدد «وهكذا يبدو جو المدينة ثقافية دينية وعلمية ودروس وخطب وإعلانات وبنرات لدورات في الفقه أو العلوم الأخرى أو ندوة هنا أو هناك. كنت أحدث نفسي».

التفت إلي صديقي الكبير قائلا: ألاحظ عليك كثرة السرحان في هذه الزيارة بخلاف جولتنا في مشهد. فقلت له: إن جو هذه المدينة مختلف حتى في المسائل الصغيرة فكيف بالأمور الكبيرة فها أنا ذا أرى أنه حتى في مسألة التزام النساء بالحشمة جلية جدا. ونحن نتبادل أطراف الحديث الذي لا ينتهي. أوقف سيارته في موقف جانبي بالكاد تمر منه سيارة أخرى وقال لي: تفضل لأعرفك على عائلتي وأبنائي فقد خابرتهم أن لدي ضيفا عزيزا وسنتناول الغذاء معا وفي أثناء تعارفنا كان بعض أبنائه يتحدث شيئا من العربية ففهمت أنها لغة تدرس في مدارسهم في بعض المراحل. ابنه الأكبر واسمه «مهدوي» يعمل صيدليا والآخر في مصنع انتاج الهواتف الخلوية أما ابنته الصغرى «ريحانه» فلا زالت تدرس في جامعة المجمع العلمي في قم.

رن هاتفي ونحن نشرب الشاي وإذا بصاحب التاكسي الذي أوصلني من طهران إلى قم يؤكد علي موعد الإنطلاق من قم إلى مطار الإمام في طهران للعودة غدا بعد الظهر ولهذا لم يتبقى أمامي إلا بضع ساعات فقال لي صديقي المحبوب: ما رأيك أن نوصلك أنا وإبني مهدوي غدا وتعتذر لصاحب التاكسي لنقضي معا أطول فترة ممكنة.

كنت أرغب في ذلك لكني وعدت صاحب التاكسي فاتصل به الحاج آغا أبو الحسني وتفاهم معه وقال لي: انتهى الأمر.

وفعلا تحركنا نحن الثلاثة قبل موعد الإقلاع بساعات وابنه السيد مهدوي هو الذي يقود السيارة وكان الحديث حول قصة «الولد مع الرجل الغريب» «دق جرس الحصة سريعا لينهي تلميذي النجيب رحلته القيمة إلا أني متشوق لسماع قصة الولد والرجل الغريب والتي سأبحث عن فسحة من الوقت لسماعها منه...».

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عبد الكريم
[ القطيف ]: 25 / 2 / 2015م - 2:43 ص
هذا المقال قديم نشر قبل كم سنة