آخر تحديث: 9 / 7 / 2020م - 3:23 ص  بتوقيت مكة المكرمة

افتح قلبك

يوسف أوال *

النظرة السطحية للواقع الذي تعيش، لن تكشف لك عن أيّ شيء، ستبقى الأشياء بلا معنى، بلا جدوى، وحينها ستحاصرك العبثية الكونية التي تظن، وتذبحك، وتدمرك، ولا شكَّ بأنها ستجعل منك شخصاً مفقود

هل جربت أن تصغي إلى صوت عقارب الساعة وصوت الشهيق والزفير في آن واحد، وهل تضرَّعت حينها إلى الله تطلب الموت كآبةً، وهل بكيت مثلي، هل راقبت تلك الغيمة التي تسبح وحدها في السماء الزرقاء كطفلٍ يحاور الكون بخطى هادئة، هل تأملت صحوة الربيع، كيف جاء مطمئناً وعانق الأرض بعد غيابٍ طويل، هل تأملت ألوان الخريف كيف تبدَّلت، كيف نزعت ثيابها، كيف تعرَّت أمام هذا الكون الكبير، هل أصغيت إلى صوت احتضان الشواطىء للأمواج، كأنَّ شيئاً ما حينها يتحدث، كأنَّ الموج جاء لكي يستريح، كأنَّه يئنُّ، يحنُّ، ويشتاق إلى الرمل، حتى الرمل لو تأملت كان يركض للموج حباً، وشوقاً يحتفي بالوصال

أعلم أنك متورط تُفتش عن شيء، شيء يُفتش عنك، تنتظر شيء، شيء ينتظرك، تبكي شيء، شيء يبكيك، تتمنى شيء، شيء يتمناك، وهكذا تستمر الحياة دون أن يلتقي هذا بهذا، ولو تأملت قليلاً لوجدت ما كان، لم يكن، ولو تأملت كثيراً لوجدت ما لم يكن، كائناً، آه.. أنت في فوضى الأشياء مسجون حتى في تأملك

الكرة الأرضية تدور من حولنا، وعقارب الساعة تقوم بمثل ذلك، ونحن ننمو كوردٍ لا شك بأنه سيموت، بعضنا يعاني، وبعضنا يتوهم العناء، وبعضنا يحيا والبعض منا يموت، فهل موتنا هو النهاية؟ أم النهاية هي موتنا؟ هل هنالك متسع لنا في مكانٍ ما؟ هل سنلتقي بتلك الأشياء التي تحدثت عنها؟ هل سينتهي هذا العالم؟ هل حقاً نحن في أصغر كوكب؟ لماذا ولدنا؟ ثمَّ لماذا سنموت؟ لماذا قلوبنا تنبض بسرعة متهورة حين نلتقي بمن نحبّ؟ ماالسرُّ في العناق؟ ومن أين جاءت فكرة أن يكتب الناس مشاعرهم حتى على الجدران المحطمة؟ ولماذا نشعر بالإرتياح حين نقرأ وحين نكتب؟ ولماذا اختار الله أن تُكتب كلماته؟ لماذا أمر الرسل أن يكتبوا؟

أنا أحبُّ أن أكتب، لأني إذا كتبت تأملت، وإذا تأملت رأيت الأشياء وكتبتها، أكتب لأدخل في التجربة، لأكتسب الحياة من الحياة، ولأعطي حياتي جرعات من الأمل، ولأنني فشلت في صياغة أشياء كثيرة قررت أن أكتب، أكتب لأعيد ترتيب أنفاسي على هذه الأرض، لتتصالح ذرات هذا العالم في قلبي، لأكون مع من أحبّ، لأسمع ذلك الصوت الذي أنتظره منذ ولادتي، لأمسك اليد التي لطالما بحثت عنها لسنوات، ولأعانق الكون بصمتٍ وخشوع، أكتب لأنني أخشى موت اللهفة ظلماً بين عروق اليدين، لأنني أخاف أن تنمو المحبة في غير موطنها، لأنني لا أحبّ النشاز، لأنني أحبّ الجمال في كل الأشياء، أحبّ التناسق، أحبّ التناغم، وأحبّ الكمان، أكتب لأنني أحبّ أن تكون القُبلة كالصلاة، لا بدَّ وأن نؤديها بحضورٍ قلبي، بخشوعٍ، بمحبةٍ، أكتب لأنني أكره أن أموت دون أن أحضى بساعةٍ عناقٍ أعود فيها كالطفل بين يدي الأبدية، أكتب لأنني أفكر في ذلك اليوم الذي يُحمل فيه نعشي، وأنسى كمن قد نسي، ولم أشعر بالمحبة تسكن كريات دمي حمراءها والبيضاء، أكتب لأنني يُرعبني أن أعيش بلا جدوى، بلا معنى، وأخاف أن تكون حياتي عبارة عن فوضى عارمة، لا مشاعر، لا أحاسيس، لا موسيقى، لا تأمل، أخاف أن تتلاشى الأشياء الجميلة، ولهذا أكتب لكي لا يكون موتي مملاً.

كاتب سعودي - تاروت